المواعظ
 المطران بشار متي وردة

المطران بشار متي وردة

الأحد الأول من الميلاد

رحلة المجوس للقاء الطفل الملك (متّى 2: 1- 23)

كان "طفل المذود" علامة الملاك للرعاة ليتعرفوا على "الطفل المخلِص" (لو 2: 10)، وكان النجم علامة أرشدت المجّوس إلى "الملِك المخلِص". المجوس الذين كان يقضون ساعاتٍ طويلة في تتبعِ وقراءة حركة النجوم والكواكب ليس فضولاً أو للتسلية، بل ليتعرّفوا من خلالها على تدبير الله الخالق، فالخليقة كلّها هي له وهي تنشِد مجدَه، والخليقة كلها تضحى في خدمةِ تدبيرهِ الخلاصي، وليس فيها ما يُعبد، شمسٌ أو كواكبٌ أو نجومٌ. 

بدأ الله هذه المسيرة فبادرَ وسخرَّ نجماً مميزاً في السماء تعرّف عليه المجوس وفهموا أن "حدثاً عظيماً" قد حصل: وُلِدَ ملكُ اليهود. هذه المبادرة تنتظر إستجابة من الإنسان تمثلّـت في "سهرِ" الرعاة ويقظةِ المجوس. يقظةٌ تجعلنا نميّز إرادة الله التي تتشابَك مراراً مع مصالحِ الإنسان الأنانية لتكون سببَ إضطرابٍ وشكِ، بل سبب صراعاتٍ وحروبٍ ومجازِر. يقظةٌ جعلتهم يتعرفون على النجم وعزمٌ دفعتهم لبدءِ مسيرة (حج) لقاء "الطفل الملك".  

ظهور هذا النجم لم يكن فرصةً لهم للدراسة والنقاش والجدل العقيم، بل حثّهم للبحث والتقصي والتعلّم وإكتشافِ الحقيقة. لم يكن النجم ذا أهمية بقدرِ ما كان علامة إلى الحدث الأهم: ولادة الطفل الملِك. ثابروا وإجتهدوا حتّى حظا بنعمةِ اللقاء. مثابرتهم (إيمانهم) وتواضعهم جعلهم يسيرون الطريق الذي كان محفوفاً بالمخاطر من دون خوفٍ. قطاع الطرق والسراق واللصوص من جهة، أو إنتقاد الآخرين وإستهزائهم: كيف بدأتم مسيرةً كهذا؟ أمجانينَ أنتم حتّى تقطعوا كل هذه المسافات للقاء "طفل – ملك؟" جهلهُم بالأمكنةِ التي رحلوا إليها وبثقافتهم وتقاليدهم ومعتقداتهم، فكانوا غرباء في كلِّ شيء ولم يكن لهم إلاَ ما شاهدوا: "النجم: ملكُ اليهود. كلّ هذه الصعوبات لم تثنيهم عن مواصلة المسيرة. وعندما اختفى النجم وأضاعوا أثره، لم يعودوا ادراجهم، بل ثابروا في المسيرة، وإستفسروا عمّأ كانوا يجهلوهُ بكل تواضعٍ ليتعرّفوا على مكان ولادة الملك. 

مسيرنهم كانت مسيرة "إهتداء وتوبة" بإمتياز. إلهنا له شوقٌ ليكون بقربنا وهو يدعونا للتقرّب منه، ويبعث لنا دوماً علاماتٍ تُساعدِنا لتمييز إرادتهِ والسير نحو لقائهِ شرطَ أن نكون متيقظين لها، ساهرينَ لتمييزها، وفينا عزمٌ ثابٌ في مواصلة السير مهما كان التحديات التي تواجهنا في مسيرة كهذه. هذه التوبة لا تخلو من إعتراضاتٍ داخلية تحاول إيقاف المسيرة. فأحيانا نختبرُ جميعاً أياماً يخفت فيها حماس الإيمان وينتابُنا الشكوك في كلِّ ما نعيشهُ من خبراتٍ. تُغرقنا الهموم ويتغلّب علينا الحزن ويختفي النجم الذي جعلنا نبدأ المسيرة بحماسٍ فندخل إلى ظلمةِ الإيمان إذ يبدو أن كلَّ قد ضاع وإننا نعيشُ ضياعاً في الحياة. أو نواجهِ صعوبات خارجية مثلما كشفت لنا قصّة المجوّس، فهيرودس يحوم حولنا دوما ويسعى إلى أن يُعّكر صفو هذه المسيرة، ويجرّنا أحياناً إلى "طروقاتِ" مُهلِكة، ولكننا نؤِمن أن الذي دعانا إلى المسيرة سيأتي إلى عوننا إن كان فينا رغبّة التعلّم والتعرّف على حضوره.  

لقاء الطفل الملِك، سيُغيّرنا ويعطي لنا توجهاً جديداً في الحياة، فلن نعود نعبد ونسجد ما نعتقد أنهم ملوكٌ على حياتنا: "طموحاتٍ وأحلام وأمنياتٍ" تعلّقنا بها وجعلتنا أسرى لها، لأن الطفل الملك دعانا إلى تعبدٍ أساسهُ المحبّة له لا الخوف منهُ. محبّة تجعلّنا ننحني أمامهُ ونُقدّم لها كلَّ ما نملُك لأنه يستحقُ كلَّ شيء. طفلٌ قادرٌ على أن يُعطي لحياتنا بدءً جديداً ولن نعود إلى الحياة التي كّنا نعيشها من قبلُ: "فآخذوا طريقاً آخرَ إلى بلادهِم".

ثاني أيام عيد الميلاد

عيد تهنئة العذراء مريم: سَوفَ تُهَنِّئُني بَعدَ اليَومِ جَميعُ الأَجيال (لو 1: 46- 55)

تدعونا الكنيسة اليوم إلى تقديم التهاني لإمنا مريم التي وقفت أمام الله بكل تواضعٍ وقبلِت منه عطيّة الخلاص؛ ربّنا يسوع المسيح، وإلتزّمت دعوتها في أن تكون أماً وإنموذجاً لجماعة الإيمان، الكنيسة، شعبِ الله الجديد، شاكرةً الله الآب على اختياراها هذا والذي تطلّب منها إصغاءً متيقظاً لكلمتهِ وطاعة ومثابرة في مسيرة الإيمان، لتكون دوماً الكنيسة المُصلية: "وكانوا يُواظِبونَ جَميعًا على الصَّلاةِ بِقَلْبٍ واحِد، معَ بَعضِ النِّسوَةِ ومَريَمَ أُمِّ يسوع ومعَ إخوته" (أع 1: 14)، من أجل أن تفهم تدبير الله الخلاصي. 

مراراً ما نعتقد أن مريم أمنّا قد استوعَب منذ اللحظة الأولى لبشارة الملاك لها معنى ومضمون دعوتها في أن تكون أم يسوع المسيح، مُخلِص العالم، وهي كانت تعرِف هوية إبنها الإلهية. مثل هذا الاعتقاد سيجعل أمنّا مريم بعيدة عن واقعنا الإنساني، وكأنَ الله الآب قد أعدّها وهيأها في العالم ولكنها خارج العالموتحديّاتهِ، وبذلك لن تضحى مثلما حظيّ الرُسل بخبرة الإيمان بيسوع المسيح الذين أكتشفوا وعلى نحو تدريجي هويّة ربّنا يسوع المسيح لاسيما بعد القيامة والذي يُمثّل بالنسبة لنا حجر الإيمان المؤسِس، وهو ما جعلَ لوقا الإنجيلي يُقدِم لنا صورة أمنّا مريم لا ليُخبِرنا عن حياتها، بل لتكون هي الأخرى علامة إيمان بيسوع المسيح المُخلِص، وعن عمل الخلقة الجديدة التي أبدعها الله نفسه، فالروح الذي كان يُرفرفُ على وجهِ المياه يومَ خلق الأرض والسماء (تك 1: 1- 2)، هو نفسه الذي حلَّ على أمنًا مريم: "إِنَّ الرُّوحَ القُدُسَ سَينزِلُ عَليكِ وقُدرَةَ العَلِيِّ تُظَلِّلَكِ، لِذلِكَ يَكونُ الـمَولودُ قُدُّوساً وَابنَ اللهِ يُدعى" (لو 1: 35). 

فالاعتقاد بأن الله الآب هيأ أمنّا مريم مُسبقاً على نحوٍ غير مألوف سيواجه دوماً بحوادث من حياة ربّنا يسوع يجعلنا نعيد النظر في تفكيرنت هذا. أمنا مريم تعجّبت من كلام الرُعاة: "فَجَميعُ الَّذين سَمِعوا الرُّعاةَ تَعَجَّبوا مِمَّا قالوا لَهم وكانَت مَريمُ تَحفَظُ جَميعَ هذهِ الأُمور، وتَتَأَمَّلُها في قَلبِها" (لو 2: - 18- 19)، مثلما استغرَبت لكلام سمعان الشيخ لها في الهيكل: "وكانَ أَبوه وأُمُّهُ يَعجَبانِ مِمَّا يُقالُ فيه" (لو 2: 33)، ولم تفهَم معنى جوابِ ربّنا يسوع لها في الهيكل: "ولِمَ بَحثتُما عَنِّي؟ أَلم تَعلَما أَنَّه يَجِبُ عَليَّ أَن أَكونَ عِندَ أَبي؟ فلَم يَفهَما ما قالَ لَهما (لو 2: 49-50). ولكنها بقيت في كل هذه المواقف، ولربما غيرها كثيرة لم يذكرها الإنجيل، ثابرت على أن تكون: "المؤمنة التي تتقبّل تدبير الله لها في حياتها وتتأملّهُ في قلبها، وتسعى لتعمَل بموجبهِ، فحظيت بتهنئة إليصابات: "مُبارَكَةٌ أَنتِ في النِّساء! وَمُبارَكَةٌ ثَمَرَةُ بَطنِكِ" (لو 1: 42)، وتهنئة ربّنا يسوع المسيح نفسه: "بل طوبى لِمَن يَسمَعُ كَلِمَةَ اللهِ ويَحفَظُها" (لو 11: 28)، تعقيباً على كلام أمرأة إندهشَت أمامهُ فقالت: "طوبى لِلبَطنِ الَّذي حَمَلَكَ، ولِلثَّدْيَيْنِ اللَّذَينِ رَضِعتَهما" (لو 11: 27). 

مريم أمنّا قَبِلَت دعوة الأمومة التي أنعمَ الله عليها بها، فخافت وتعجّبت وسألت لتفهَم وقبِلَت دعوتها هذه بروح الإيمان، وجعلت حياتها كلّها بين في خدمة تدبير الله الخلاصي، من دون أن تعِرف تفاصيل هذا المشروع الإلهي وما الذي ينتظرها (لو 1: 26- 38)، حتّى تقفِ تحت الصليب لتقبَل من إبنها يسوع أمومة أخرى: أن تكون أماً لجماعة الإيمان فترافقهم بالصلاةِ، ليكتشفوا علامات حضور الله في حياتهِم فيمجدوه على أنه لم ولن يتركهُم، لأنه أبٌ مُحبٌ، الذي يرافقنا اليوم بروحهِ القُدوس بروحهِ القُدوس. 

إلهنا وملكنا يقول لنا دوما: إن كنت قد دعوتُ مريم وإستجابت لدعوتي بطاعة الإيمان، وجعلتني أصنع العظائم بها ومن خلالهاـ فهي علامةٌ على أنني قادرٌ أن اصنع بكَ (بكِ)، ومن خلالك العظائمَ أيضًا، فهل لكَ (لكِ) أن تُصغي وتسمع وتفهم وتعمل بما أوصيكَ (كِ) به؟ هناك ألوفٌ بل ملايينُ من الشهداء والمعترفين والقديسين سمعوا وعملوا فكانوا لي أماً وأخاً وإختاً: "إِنَّ أُمِّي وإخوَتي هُمُ الَّذينَ يَسمَعونَ كَلِمَةَ اللهِ ويَعملونَ بِها (لو 8: 21).

عيد الميلاد

وإِلَيكُم هذِهِ العَلامة:سَتَجِدونَ طِفلاً مُقَمَّطاً مُضجَعاً في مِذوَد  (لو 2: 12)

جميعنا يطلب "علامة" بُرهاناً ودليلاً ليُصدّق حقيقةً ما. نحن نُطالِب الآخرين بأن يُبرهنوا لنا عن صدق محبتهم: بيّن لي ذلك؟ نبحث عن "دليل" محبّة الناس لنا: "ارني ذلك". ننتظر شهادة هذا أو ذاك لبيان حقيقة أمرٍ ما. بإختصار: نحن مثل مار توما، أُناس بحاجة إلى أن ترى وتلمُس لكي تُصدّق وتؤمِن: "إِذا لم أُبصِرْ أَثَرَ المِسمارَينِ في يَدَيهِ، وأَضَعْ إِصبَعي في مَكانِ المِسمارَين، ويدي في جَنْبِه، لن أُومِن" (يو 20: 19). إلهنا يعرِف هذه الحقيقة، لذا، عنّدما بشّر الملاك الرعاة بميلاد "المسيح" قال لهم: "لا تَخافوا، ها إِنِّي أُبَشِّرُكُم بِفَرحٍ عَظيمٍ يَكونُ فَرحَ الشَّعبِ كُلِّه: وُلِدَ لَكُمُ اليَومَ مُخَلِّصٌ في مَدينَةِ داود، وهو الـمَسيحُ الرَّبّ. وإِلَيكُم هذِهِ العَلامة: سَتَجِدونَ طِفلاً مُقَمَّطاً مُضجَعاً في مِذوَد" (لو 2: 10- 12). إذهبوا وستشهدوا على حقيقة هذا الكلام: هناك طفلٌ مولودٌ حديثاً، ومُضجعٌ في مذودٍ، وهذا ليس أمراً مألوفاً، لأن الطفل المولود حديثاً يُضجَع على سرير، أو يكون بين أحضان والديهِ، أما أن يكون مُضجعاً في مذودٍ (معلفٍ) فهذا أمرٌ غريب.

ولكن، لماذا كان مُضجعاً في مذودٍ؟ وما أهميةُ هذه العلامة؟

يُجيبُ لوقا الإنجيلي الذي تقصّى الأمر بإهتمامٍ قائلاً: "لأَنَّهُ لم يَكُنْ لَهُما مَوضِعٌ في الـمَضافة". نزلوا وكانوا فقراء لدرجةِ أنهم أضطروا إلى البقاء مع الحيواناتِ.

1. لا يُمكن التعرّف عن معنى ميلاد ربّنا يسوع من دون عونِ الله الآب، فهو الذي دلَّ الرُعاة الذين كانوا ساهرين متيقظين، وأمر النجم ليقود مسيرة المجوس الذي كانوا بارعين في قراءة حركة النجوم والكواكب في السماء. فإذا كان فينا الشوقُ للتقرّب من الله الآتي إلينا، سيقودنا هو حتماً إليه على نحو لا نتوقّعهُ. كل الطُرق ستقودنا إذاً إلى بيت لحمَ، إنَّ كان فينا شوقٌ للقائهِ. ومع بيت لحم سيبدأ إلهنا بدعوة الناس إليه كلٌّ من موقعهِ ليجعل منهم عائلتهُ الحبيبة، من دون أن يستثني أحداً، بدءً من رُعاة مُهمَمشين لا مكانة لهم في المجتمع. هذا الشوق ليس بحاجةٍ إلى تحضيرات فخمةٍ مثلما تعودّنا عليها إستعداداً للميلاد، فبساطة الحدث وفقرُ الأوضاع التي وُلدَ فيها ربّنا يسوع تتحدانا لنسأل: ما الأمرُ الأهم في الميلاد؟ هل لربّنا مكانٌ في حياتي وسط هذه الإنشغالات؟ أوليست هذه كلّها جزاءً من محاولات التهرّب من "عيش خبرة الميلاد"؟ يأتينا الربُّ يطلبُ السُكنى في قلوبنا ويجدها منشغلةً عنها أو مغلقة لا تُريد الإنفتاح إلى بشارتهِ؟ فلسنا نختلفُ بذلك عن الذين رفضوا إستقبال العائلة المُقدسة في بيت لحم.

2. مُضجعاً في مذوذٍ، هذه علامة الفقرِ والبساطة والتجرّد التام. هو إنسانٌ مُحررٌ من كلِ تعلّقٍ. الإلهُ القدير، ولأنه قدير تخلّى عن مجدهِ وقدرتهِ ليظهَر للإنسان طفلاً فقيراً. تواضعَ وتضاءلَ وصارَ صغيراً ليدعو الكبار إلى محبتهِ، يجذبهُم إليهِ. "فالله من العظمة بحيث يُمكنهُ أن يُصبحَ صغيراً. والله من القُدرة بحيث يُمكنه أن يُصبح ضعيفاً وأن يأتي إلى لقائنا مثل طفلٍ دونِ دفاعٍ، لكي يتسنّى لنا أن نُحبهُ". الله هو من الصلاح والتواضع بحيث يتخلّى عن بهائهِ الإلهي وينزل إلى إسطبلٍ لكي نستطيع أن نجدهُ، وبذلك يمُسّنا صلاحهُ أيضاً، وينتقل إلينا ويستمر في العمل بواسطتنا"، على حدّ تعبير البابا بندكتُس السادس عشر.

اختار الله أن يأتي إلى الإنسان فقيراً مُجرّداً من قدرتهُ وآلوهيتهِ لكي لا يُخيفُ الإنسان، ويُعلّمنا أن القوّة ليس لها القُدرة يوماً على أن تبني "علاقة مُلتزمة مع الآخر". لذا، لكي لا يهابهُ الإنسان أو يخافُ منه، اختارَ أن يأتي فقيراً، لكي يعبدهُ الإنسان بالتقوّى والبر مثلما أنشدّ زكريا: "فَنعبُدَه غَيرَ خائِفين بِالتَّقوى والبِرِّ وعَينُه عَلَينا، طَوالَ أَيَّامِ حَياتِنا" (لو 1: 74- 75). هنا، يسألنا إلهنا: ما نفعُ الغنى إن لم تهبَ لك سلامُ القلبِ؟ وأي سعادةٍ في إمتلاك المزيد من الثروات إن لم تختبِر نعمة مُقاسمة الفقراء والبؤساء "الصلاح والطيبة" التي زرعها الله فيكَ؟ قلوبنا حزينة ومهمومة لأننا لا نملُك ما يملكهُ فلان، فما الذي ستقول أمام طفل المغارة الفقير؟ إنشغالنا بالغنى وجمع الثروات والبحث حزانى عن المزيد هو رفضٌ آخر نقوله للعائلة المقُدسة: "ليس لكم مكان في قلبي".

3. أرادَ الله أن يأتينا متواضعاً ليتمكّن من أن يحمل إنسانيّتنا بكلّيتها، لأن في الله شوقٌ إلى الإنسان، ويتطلّع إلى أن يستقبلهُ في قلبهِ، ومَن منّا يرفُض إستقبالَ طفلاً بطلُب المحبّة. ويتطلّب الأمر لكي ترى وتُصدّق ما قيل لك عنه، أن تذهَب إلى بيتَ لحمَ وتراه هناك، وتنحني  لتقبلهُ. أن تنزل عن كبريائكَ، وتُبادلهُ التواضع. أن تصمُت وتُشخّص نظركَ إليه لأنهُ طفلٌ يبحث عن الحنان والحُب. طفلٌ مثل كلِّ إنسان بحاجةٍ إلى الاهتمام والرعاية، وهو يؤمِن بأنّك قادرٌ على أن تهبّ له ما هو بحاجةٍ إليه؛ المحبّة. إلهنا يؤمِن بالخير والطيبة التي فينا وإن كُنّا مراراً أنانيين في مُقاسمةِ هذا الخير مع الآخرين. هو الله الذي تجسّد ليُخلّص الإنسان، وخلاص الإنسان يكون بأن يهبَ الحُب. يُعطيه بطواعيةٍ ومجّانية لآخرين كمَن يُعطي لطفلٍ. فنحن لا نُطالبُ الطفل بأن يُعيد إلينا الحُب الذي وهبناه إياهُ، بل نُحبّهُ من دون شروطٍ أو إنتظاراتٍ. وهذا هو شكلُ المحبّة التي سيُبشّر بها ربّنا يسوع وينتظرنا نحن كنيستهُ أن نتبعهُ في مُشاركةِ الآخرين المحبّة التي أفاضها الله علينا بيسوع المسيح.

4. طفلُ المذودِ هذا سيكبُر وينمو إذا نالَ المحبّة والعناية التي هو بحاجةٍ إليهما. هو لا يحتاج أن نلتقط له الصور لتُعرَض على المواقع لتنال الإعجاب أو التعطاُف، بل هو بحاجةٍ إلى أن نُخصص له بعض الوقت لنرافقهُ في مسيرة حياته. يُؤسفنا أن نقول ان صورة الإنسان صارت أكثر أهميةً من الإنسان نفسه. ربّما فكّر الإنسان في أنه لو أرادَ ان يكون مُخلّصاً فعليه أن يكون قوياً، متسلطاً، غنياً، مشهوراً. إلهنا وملكنا يقول لنا اليوم: خلاص الإنسان يكمن في أن يكون مُحباً، قادراً على منحِ الحُب بمجّانية وبسخاء، لذا، يأتينا طفلاً ليؤكِد لنا أننا قادرون على ذلك، فمَن ذا لا يُحبُ مولوداً حديثاً؟ ومَن يستطيع أن يُعاديهِ؟ على العكس، فهذا الطفل يرسمُ وبتلقائية تامّة إبتسامةً على وجهِ الإنسان. إلهنا يسمَح لنا جميعاً بأن نحملهُ بايدينا ونضمُهُ إلى قلبنا.

طفلٌ في مذودٍ لا يُمكن أن تتجاهلهُ إذاً مهماً كنت قاسي القلب. فيكَ قوّةٌ ستدفعكَ لأن تنحني أمامهُ، مثلما سينحني المجوس، وتمدَّ يدكَ وتأخذه في أحضانِك وتُقبلّهُ حُباً وكأنهُ إبنُك. وهذه هي رسالةُ الميلاد وهذا هو الغرض من العلامة: الله جاءَ ليكون إبناً: "فولَدَتِ ابنَها البِكَر". هو يُريد أن يكون الأبن البكر لكلِّ واحدٍ منّا، وهذه الولادة ستغُيّر هويّتَك وكيانَك مثلما يُغيّر ولادة طفل حياة الزوجين فيجعل منهما أباً وأماً، وإن كانت هذه المسؤولية جسيمة ومُخيفة، فإلهنا يُبشرنا: "لا تخافوا"، وهو يواصل رسالتهُ إلينا: لا تخافوا وهي كلمةٌ يُعيدها للمرّة الرابعة عارفاً أن لجميعنا مخاوف حتّى بقدوم المُخلَّص. ملكنا يدعونا إلى أن نفرح اليوم: "لا تَخافوا، ها إِنِّي أُبَشِّرُكُم بِفَرحٍ عَظيمٍ يَكونُ فَرحَ الشَّعبِ كُلِّه: "وُلِدَ لَكُمُ اليَومَ مُخَلِّصٌ في مَدينَةِ داود، وهو الـمَسيحُ الرَّبّ". ربّنا يريد منّا أن نحمِّل الفرح إلى كلِّ من نلقاهُ في حياتنا.هذا الفرح لن ننلهُ ما لم نترك "أراضينا وراحاتنا وقناعاتنا" ونذهبَ إليه، لنكون "أُناس رضاهُ"، نبحث عن تتميم إرادتهِ مرنمين مع الملائكة: "المجد لله في العُلى وعلى الأرض السلام للناس الذين يُحبُهم".

5. أخيراً، المذود هو معلفُ الحيوانات، تأتي إليه وتقتاتُ ما وُضِعَ لها منه من الطعام، في إشارةٍ إلى أن هذا الطفل هو "غذاءُ الإنسان". فهذا الطفلُ وُلِد في بيت لحم؛ بيت الخُبز، لأنه هو "خبز الحياة"، هو القُربانة التي تُنعِش حياتنا، ليضحى المذود مذبح الافخارستيا. لقد جاء ليُطعِم الجياع ويروي العطشى، جاء ليخدُمَ ويفدي بحياتهِ كثيرين. وهذا كلّه من أجلنا، لكي نتمكّن من محبتهِ لا خوفاً من جبروتُه بل إنذهالاً أمام تواضعهِ وسخاءَ محبتهِ: "فَنعبُدَه غَيرَ خائِفين بِالتَّقوى والبِرِّ وعَينُه عَلَينا، طَوالَ أَيَّامِ حَياتِنا" مثلما أنشدَّ زكريا بإلهامٍ من الروح القُدس. تجسّده سيقودنا إلى الأفخارستيا حيث يُقدِم لنا نفسهُ مأكلاً وقوتاً للطريق. هو ينتظرنا اليوم، عارفاً أننا لربما لسنا مُستعدين لمثل هذا اللقاء، ولكنّه مُستعدٌ لأن ينحني مرّة أخرى ليغسل لنا خطايانا ويجعلنا أهلاً للمُناولة.

فلنُبارِك إلهنا في عيد تجسّدهِ ولنُمجدّه مع جموع الملائكة والرعاة. لنشكرهُ على عطيّة الخلاص التي صارت لنا بيسوع المسيح، ولنقبَل من أمنا مريم "الطفل المُخلّص"، ولنسمَح له بأن يُغيّرنا ويغسلنا لنُشاركهُ الفرح العظيم، فلقد وُلِدَ لنا اليوم مُخلصٌ وهو المسيح الربّ.

الرابع من البشارة

يوسف البار: المدعو ليكونَ حارساً (متى 1: 18- 25)

"في البَدءِ خلَقَ اللهُ السَّمَواتِ والأَرض وكانَتِ الأَرضُ خاوِيةً خالِية وعلى وَجهِ الغَمْرِ ظَلام ورُوحُ اللهِ يُرِفُّ على وَجهِ المِياه. وقالَ اللهَ:"لِيَكُنْ نور"، فكانَ نور" (تك 1: 1-3)، هكذا تبدأ قصّة الله مع الإنسان، والروح نفسه الذي كان يُرفرفُ على وجه المياه وأبدع النور والخليقة كلّها، هوذا يرفرفُ في حياة مريم التي استقبلهُ بصمتٍ وبطاعةٍ لتحمل للعالم "النور" الحق: "يا يُوسُفَ ابنَ داود، لا تَخَفْ أَن تَأتِيَ بِامرَأَتِكَ مَريمَ إِلى بَيتِكَ. فإِنَّ الَّذي كُوِّنَ فيها هوَ مِنَ الرُّوحِ القُدُس، وستَلِدُ ابناً فسَمِّهِ يسوع، لأَنَّه هوَ الَّذي يُخَلِّصُ شَعبَه مِن خَطاياهم (متّى 1: 20- 21). هو النور وهو المُخلّص الذي شاءَ أن يأتِ إلى العالم ليُعيد الإنسان إلى بيتِ الآب، فاختارَ أن يُولدَ صغيراً في قرية نائيةٍ، ليكون تحت رعاية إنسانٍ بارٍ إسمهُ يُوسُف الذي قالَ عنه الإنجيلي متّى: إنه البار. 

عندما نُصلي المزامير نتعرّفُ على هوية البار. فهو إنسانٌ يتقي الربَ يقفُ متواضعاً أمامه، ويسلُك طريقَ الكمال. يتكلّمُ بالحقِ ولا يغتابُ بلسانهِ ولا يصنعُ شراً أو يُنزلُ عاراً بقريبهِ. يسمعُ لليتمِ والأرملة ويُحبُ رحوماً وعادلاً، فيُفكّر في خير الآخر وإن كان خصمهُ: "أَنتَ أَبَرُّ مِنِّي، لأَنَّكَ جَزَيتَني خَيرًا وأَنا جَزَيتُكَ شَرًّا" (1 صم 24: 18). عرِفَ يوسف أن خطيبتهُ مريم حُبلى فهي كشفتَ له عمّا تختبرهُ في حياتها. ولم يكن هذا الأمرُ سهلاً للقبول، فهمَّ بتخليتها سراً، أي، على عائلتها أن تُدبّر أمرَ هذه الولادة والعناية بالمولود، وينسحِب هو عن حياتها من دون أن يُثيرَ ضجّة حولها، لأن الشريعة ستُحاسبها على هذا الجُرم. ولكن، ولأنهُ إنسانٌ بار، أي، الإنسان الذي يُبقي الحوار مع الله متواصلاً لاسيما في الساعات الحرجة التي يختبرها في حياتهِ، فصلّى وقت الأزمةِ وكشفَ في ذلك عن صداقةٍ أصيلة مع الله، فلم يتركهُ الله في ضيقهِ فأرسلَ إليهِ ملاكهُ ليُثبّته في الإيمان ويكشِف عن هوية مريم وعنّ سرّ الحبل الإلهي، وكلّفه برسالة: "أن يُسمي الطفل" ليكون والدَهُ الشرعي ومُكلفاً بحراسةٍ مريم وإبنها. 

بِر يوسف تجلّى في استعدادهِ ليكون تحت تصّرف الله وخدمة مشروعهِ، مؤمناً بهِ حتّى لو لم يفهَم ما يُريده الله منه. برّه جعله قادراً على تمييز إرادته؛ لأنه أصغى بإعتناءٍ لصوتِه وطاعة تامّة، وأعطى المكانة المُطلقة لله في حياتهِ، ولم يدع أفكاره وتأملاتهِ كي تجرّه إلى طُرق عنيفة أو صاخبة وإلى حلول فوضويةٍ، بل واصل السير في ظلمة الأفكار التي تتصارَع فيه، فاستسلمَ كلياً لله (نامَ نومَ المتأمِل)، حتّى لو لم يفهم تدبير الله ومطالبهِ: "يَرُزقُ حَبيبَه وهو نائم" (مز 126: 2)، ونومٌ البار ليس تهرباً من مشروع الله، بل انفتاح على الحضور الإلهي في حالةٍ من الوعي، إذ يضعُ الإنسان جانباً ما يُفكِر به ليسمَح لله بالتفكير فيه ومن خلالهِ. 

برّ يوسف تواصلَ في فعل الطاعة الذي التزمَ به: "فلمَّا قامَ يُوسُفُ مِنَ النَّوم، فَعلَ كَما أَمرَه مَلاكُ الرَّبِّ"، فلم يُؤجِل المهمّة لأيامٍ، ولم يستشر مُفسِّرَ أحلامٍ، بل كمّل كل ما أوصاه به الملاك، فصار الحارس والمُدبر والمعتني والمُحّب والمرافِق للأم وطفلها مُتخلياً عن إرادتهِ ورغباتهِ الشخصية ليكون تحت تصرّف تدبير الله الخلاصي. هو إبنُ داود ذاك المُحارِب الشجاع الذي لم يخفَ من قوّة أعدائهِ مؤمناً أن الله معهُ. داود الذي تمنّى أن يبني لله هيكلاً يليقُ به، هوذا إبنهُ، يوسف، يُدعى لحربٍ من نوعٍ آخرى يقودها إبنهُ: يسوع (المُخلصِ) وحراسة هكيل الله الجديد؛ مريم. دُعي يوسُف ليُحبِ خطيبتهُ وزوجته في بتوليتها، ويعتني بطفلها من دون أن يتوقّع مكافأتٍ شخصيةٍ، بل كان عليه تحمُلُ المشقات بسبب هذه الدعوة. دعوته كانت: أن يكون الأب المَرئي لتدبير الله الخلاصي على الأرض، أن يخدُم إبن الله وأمه بسخاء تامٍ، وهذه مكافأة بحدّ ذاتها. هل فِهمَ يوُسف كل هذا عندما ظهرَ له الملاك؟ لا نعرِف، الذي نعرفهُ هو أنه تصرَّف كإنسانٍ بار، ونهضَ من نومهُ وأتمَّ كل ما أمرهُ به الملاك من دون أن خوفٍ. ففي هذا هو البيت الذي تربّى فيه ربّنا يسوع على الأرض، بيت يوسف ومريم، وكان "يَتسامى في الحِكمَةِ والقامَةِ والحُظْوَةِ عِندَ اللهِ والنَّاس" (لو 2: 52). قِبِلَ يوسف دعوة الله له بطاعةٍ تامّة، وصمتهُ خيرُ تعبيرٍ عن ذلك، فكان مثالاً ليسوع، إذ عوّدهُ على التقرّب من كلمة الله والحجِ إلى هيكلِ أورشليم كأبٍ صالحٍ، فالأبوّة المسؤولة تعني أن يهتمَّ الأب بنمو أبنائه جسديا وروحياً، فيقبَل الأبن دعوتهُ من الله مثلما قبلها يوسفُ أيضاً. فحلم الله للبشرية لم يكن ليتحقق لولا الـ"نعم" التي قالها يوسف ومريم. "لقد أخذ هذا الرجل وعد الله وحمله قدمًا بقوّة لأنّ هذه كانت مشيئة الله" على حدِّ تعبير البابا فرنسيس. 

اليوم، تأتينا كلمةُ الله لتدعونا إلى إلتزامِ مسؤوليتنا في أن نكون حُراساً أمناء على إخوتنا. نحن نعيش في عالم يبحث عن هفواتٍ صغيرة في حياة الآخرين ليجعل منها عناوين أخبارٍ على صفحاتِ التواصل الإجتماعي. فليكن مار يوسُف مثالاً لنا في كيفية التعامل مع خصوصيات القريب. نحن نبحث وبفضولية مُخزية أحياناً عن أخطاء الآخرين لنفضحهم ونتستّر على "خطايانا"، هوذا يوسف يُعلّمنا طريق البِر فلا نُعرِض حياة الآخرين إلى خطرٍ. نحن ساعاتٍ في التقصي في حياة الآخرين لنُمسِك عليهم هفوة لنشهِرَ بهم، فيدعونا يوسُف اليوم إلى أن نُقرِب إلى الله حياة الآخر بكل ما تحملهُ من شكٍّ وتساؤل وحيرةٍ، ليُدلّنا على كيفية التعامل بمحبة ورحمة وعدالة، لئلا نكون نحن سبب موتِ القريب. دٌعينا على مثال يوسُف لنكون حُراساً على حياة القريببكل جوانبها، فليُساعدنا ربّنا لنُكمِلَ دعوتنا مثلما يُريدها هو، وليكن يوسف البار قُدوةً لنا.

الأحد الثالث من البشارة

وَامتَلأَ أَبوهُ زَكَرِيَّا مِنَ الرُّوحِ القُدُس (لو 1: 57- 80)

أكدّ لوقا الإنجيلي على دور الله الثالوث في تحقيق التدبير الخلاصي، لا سيَّما في تعليم الإنسان كيف وماذا يُصلي: "فإِنَّ الرُّوحَ أَيضاً يَأتي لِنَجدَةِ ضُعْفِنا لأَنَّنا لا نُحسِنُ الصَّلاةَ كما يَجب, ولكِنَّ الرُّوحَ نَفسَه يَشفَعُ لَنا بأَنَّاتٍ لا تُوصَف" (روم 8: 26). ها هو الله الروح القُدس يُصلّي في الإنسان، فلنا هُتاف إليصابات (لو 1: 41- 42) وصلاةُ مريم (لو 1: 46- 55)، ونبؤةُ زكريا (لو 1: 67- 79)، ونشيدُ سمعان الشيخ (لو 2: 29- 32)، وكلّها تُشيد بتدبير الله الخلاصي وتدخلّه الحاسم في تاريخ الإنسان.

ولكن ما الذي يُميّز نبؤة (صلاة) زكريا يوم ميلاد يوحنّا؟

لقد حصلَ ما لم يكن في الحُسبان. فبعد أن اعتقدَ الجميع أن الله نسيَ زكريا الكاهن وإليصابات (شعبه)، ها هو يتذكرّهم (زكريا = الله يتذكّر) فوهبَ لهم ولداً وبعث الحياة فيهم من جديد، حياة في رحمِ الأم وحياة في البيت. لذا، فرحَ الجميع بالنعمة التي صارت للعجوزين البارين، وأرادوا أن يُخلّدوا ذلك بتسمية الوليد بـ"زكريا"، في تأكيد على فعلِ الله الخلاصي في حياة هذا الكاهن. هذا الطفل هو هبةٌ من الله الآب وهو علامةُ رجاءٍ للجميع، فالله أمينٌ في مواعيدهِ ولم ينسَ وعدهُ. مع يوحنّا وربّنا يسوع بدأَ تاريخٌ جديد، فيه أعادَ الله الحياة للإنسان. فالله لن يتوقّف عند ماضي الإنسان الخاطئ بل ينتشلُه من خطاياهُ ويدعوهُ إلى وفرةِ الحياة معهُ. وهذا ما أكدّه نشيد أمنا مريم التي انطلقت من خبرتها الشخصية مع الله لتُنشِد عظيمَ أعمال الله مع شعبهِ، ويأتي زكريا الكاهن ليُبارِك الله الحاضِر مع شعبه، افتقدَ شعبه وتنعم زكريا وبيتهُ بهذا الخلاص. الله يبقى هو الإلهُ الأمين والعامِل في حياتنا، وعلينا أن ننتبهِ لحضورهِ معنا على نحو شخصي أو جماعي.

كان لإليصابات وزكريا رأيٌ آخر، لكنَّ الله كان أميناً في وعدهِ معهم ورحوماً أيضاً. فلم يتركِ اللهُ الكلمة الأخيرة لليأس، وعندما تدخَّل لم تكن كلمةٌ تُعاقِبُ الإنسان على خطاياهُ بل كلمة حنان ورحمة؛ يوحنا = الله تحنّنَ. حنان يجعل الإنسان يعبدُ الله بالروح والحق من دون خوفٍ: "فَنعبُدُه غَيرَ خائِفين، بِالتَّقوى والبِرِّ وعَينُه عَلَينا، طَوالَ أَيَّامِ حَياتِنا". يوحنا هو تعبيرٌ عن حضورِ الله الخلاصي في حياة الإنسان، وهو سيُعلِن عن ذلك صريحاً: "هُوَذا حَمَلُ اللهِ الَّذي يَرفَعُ خَطيئَةَ العالَم" (يو 1: 29). ومن أجل ذلك نحن بحاجةٍ إلى الروح القُدس لنشعرَ بحضور الله في حياتنا وننتبهَ لكثرةِ العلامات التي يحاوِل من خلالها الحديث إلينا. فولادة يوحنا، وولادة كل طفلٍ، علامةُ من الله على أنه مازال يثقُ بالإنسان ويمنحهُ فرصةَ البدءِ من جديد: "ما عَسى أَن يَكونَ هذا الطِّفْل؟".

الروح القدس، روح الله سيحلُّ متى ما أفسحنا المجال له. هذا الروح الذي وُهِبَ لنا يوم عماذنا وجعلنا أبناء وبنات الله الآب لنُشاركهُ الحياة الإلهية. روح الحق الذي يُنير أذهاننا ويُثبّت إرادتنا في فعل الصلاح، فنعرِف الله ونحبّهُ ونجعلهُ معروفاً ومحبوباً. صمتَ زكريا لتسعةِ أشهر، وأخفت إليصابات نفسها لخمسةِ أشهرِ، وعبّرا في ذلك عن ضرورة الإنسحاب والإختلاء بعيداً عن العالم لتلمّس علامات حضور الله. وعندما حان وقتُ الكلام أعلنا عن عظيمِ أعمال الله في حياتهما، فكان الصمتُ نعمةً والكلامُ بركةً، بل فعلٌ خلاصي لأنه غيّر مجرى اهتمام زكريا بنفسهِ، فهو الذي كان يُصلي ولسنوات طويلةٍ من أجل أن ينالَ ولداً. إنه لزِمَ الصمت من أجل أن يتهيأ لتدخّل الله الحاسم في حياته وحياة شعبهِ الذي تقدّمهم كاهناً.

لكن الروح القُدس أشارَ إلى زكريا نحو أمرٍ آخر: علاقتهُ كأبٍ بالطفل يوحنا: "وأَنتَ أَيُّها الطِّفْلُ ستُدعى نَبِيَّ العَلِيّ". هذا الطفل يحمل إمكانيات جمّة، والأهم من ذلك، إنه يحمل للعالم "حلم الله". وعليه كأبٍ أن يسعى جاهداً لينمو الطفلُ ويلتزِم دعوتهُ ضمن تدبير الله الخلاصي. عليه أن يُهيئ الطفل ليستجيب بطاعة تامّة لهذه الدعوة. لذلك أنشدَ زكريا كل ما سمعهُ من الملاك في الهيكل. هو طفل الشيخوخة ولكنّه مكرسٌ لله، وعلى زكريا وإليصابات تحمّل مسؤوليتهما وإرشادَ الطفل إلى حيثُ يُريدهُ الله: "وكانَ الطِّفْلُ يَترَعَرعُ وتَشتَدُّ روحُه. وأَقامَ في البَراري إِلى يَومِ ظُهورِ أَمرِه لإِسرائيل". فالطفل نعمةٌ من الله، وأمانةٌ عليهما أن يقبلاها بفرحٍ وشُكرٍ والتزامٍ مسؤول، لأن هذا الطفل سيُهيئ طريق َالربِّ ويُعلّم شعبهُ أن الله يُحبهم وأن ما يمنعهم من الشِركة معه، خطاياهم، هي مغفورةٌ برحمةِ الله وحنانهِ، فعليهم القيام من "موتِ الخطيئة" والسير في طريق السلامِ، والذي سيتحقق بيسوع المسيح الذي به صالحنا الله ويدعونا إلى أن نُصالحهُ (2 كور 5: 18- 20). نفهمُ الآنَ لمّا كان الصمتُ ضرورةً لزكريا، فضجيجُ العالم من حولهِ، وفوضى الأفكارِ فيهِ تمنعُهُ من رؤيةِ فعلِ اللهِ الخلاصي، لا سيَّما وأنه، ومثلما نفعلُ نحن، عندما نحضر للصلاة، أمامَ الصلاة نبقى منشغلين بما نٌفكّر فيه ونتمنّاه لحياتِنا. كّم منّا قادرٌ على الصمتِ اليوم، وما مضمونُ الكلامِ الذي نتداولهُ بيننا؟ ما الذي نقولهُ في حضرة ِإلهنا في الصلاة؟ أهو فعلُ تمجيدٍ وشكرٍ ومُباركةٍ أم حديثٌ مُحزنٌ عن أنفسنا أو كلامٌ سيِّئٌ عن الآخرين؟ أعطانا الله نعمةَ الكلام وما زال ينتظر أن يكون لساننا مُبارِكاً وشاكراً وشاهداً لحضورهِ المُحبِ في حياتنا، فلنفسحِ المجالَ للروح القُدس ليرفعَ فينا ومن خلالنا صلاةَ شكرٍ لله.

الأحد الثاني من البشارة

البشارة لمريم: إلهنا حاضرٌ معنا (لو 1: 26- 56)

مع أن أمنّا مريم كانت تنتظرُ مثل بقية شعبِ إسرائيل يومَ افتقادِ الله لشعبهِ، إلا أنها لم تكن تتوقّع أنها ستنال هذه الحظوة عند الله وتنعم بزيارة الملاك لها ليُبشّرها بأن لله الثالوث تدبيرٌ لحياتها ودعوةٌ لها. حوارها مع الملاك بيّن أنها لم تحسِب لنفسها مكانة متميّزة، لذا خافت واضطربت، فجاءت كلمة الله لتهبَ لقلبها السلام: "لا تخافي يا مَريَم، فقد نِلتِ حُظوَةً عِندَ الله". آمنت أنّ الله عازمٌ في تحقيق وعدهِ لإبراهيم ولزرعهِ، وسيواصل ذلك من خلاله، وتواصِل هي حياة الإيمان به إلهاً أوحد: "أَنا أَمَةُ الرَّبّ فَليَكُنْ لي بِحَسَبِ قَوْلِكَ"، فقدّمت له كل حياتها من دون تحفظاتٍ، مع معرفتها بكل ما تتطلّبهُ هذه الدعوة من صعوباتٍ، لاسيمّا وأنها ستسير هذا الطريق وحده. فالملاكُ غادرها وتركها تواجه تحدّيات هذه الدعوة بمفردها، وهي مهمّة تتطلّب منها أن تكون المُصغية والمُصلّية. لذا، يُقدمّها الإنجيلي لوقا إنموذجاً للمؤمن، للكنيسة التي تحمل كلمة الله الخلاصية في العالم وللعالم. لربما يعتقد البعض أن الذين يختارُهم الله سينعمون بحياة سعيدة، ولكنّ الكتاب المُقدس، يُبيّن لنا دوماً أن المدعوين ليس لهم أن يفتخروا باختيار الله لهم، لأنَّ هذا الاختيار يحمل معه تحدياتٍ وضيقاتٍ جمّة، وفي حالة أمنّا مريم سيُقال لها صريحاً: "وأَنتِ سيَنفُذُ سَيفٌ في نَفْسِكِ لِتَنكَشِفَ الأَفكارُ عَن قُلوبٍ كثيرة" (لو 2: 35)

بشارة الملاك لمريم أمنّا كشفت لنا أيضاً عن عمل الله الثالوث مثلما نُصلي في ليتورجيّتنا الكلدانية: "السّر العظيم الذي كان مخفياً منذ دهورٍ وأجيال، تجلّى لنا في نهاية الأزمنة. وهو أنّ الوحيد الموجود في حضنِ والدهِ جاء وأخذَ هيئة العبد بنعمتهِ. وهو أخبرنا وكشفَ لنا عن الإيمان الكامل بالثالوث" (ترتيلة الدواساليقي: الأحد الثاني). فالتجسّد كان في فكر الله الثالوث دوماً. ونسأل: ما الداعي إلى التجسّد الإلهي؟ هل أن خطيئتنا هي سببُ حضورِ الله وتجسدّهِ إنساناً؟ أوَ لم يكن يعرِف الله الخالِق أن الإنسان المخلوق حُراً له أن يرفضَ علاقة الشِركة معه؟

جوابُ الكنيسة هو: محبّة الله التي دفعتهُ ليكون مع الإنسان، وليس خطاياهُ، ومحبتهُ هذه ستتجاوز خطايانا وتدعونا للتوبة إليه والعودة إلى بيته الأبوي. فالمحبّة تجعله يكون مع الإنسان (يتجسّد)؛ عمانوئيل، وتجسدهُ يهبُ الخلاص للإنسان (فداء). محبتهُ الأبوية تُثيرُ فينا تساؤلاتٍ كثيرةً حول واقعنا الخاطئ فتحثّنا للتوبة مثلما قال الإبن عندما تأملّ واقعهُ المزري: "فرَجَعَ إِلى نَفسِه وقال: كم أَجيرٍ لَأَبي يَفضُلُ عنه الخُبْزُ وأَنا أَهلِكُ هُنا جُوعاً! أَقومُ وأَمضي إِلى أَبي فأَقولُ لَه: يا أَبتِ إِنِّي خَطِئتُ إِلى السَّماءِ وإِلَيكَ. ولَستُ أَهْلاً بَعدَ ذلك لِأَن أُدْعى لَكَ ابناً، فاجعَلْني كأَحَدِ أُجَرائِكَ" (لو 15: 17- 19). فالله خلّص الإنسان بالمحبّة، ومحبتهُ جعلتهُ حاضراً مع الإنسان.

البشارة لمريم أمِّنا تكشفُ لنا محبّة الله التي جعلتهُ قريباً من الإنسان الذي لا يعرِف كيف يقترِب منه، حتى وإن حاول فهو يُخطئ الهدف مراراً. لذا لزِمَ الأمرُ أن ينزل الله ليُصلِحَ ما أفسده الإنسان وليُصالحهُ إلى قلبهِ. فمسيحيتُنا تُبشرّنا "بشغفِ الله بالإنسان": "أُنظُروا أَيَّ مَحبَّةٍ خَصَّنا بِها الآب لِنُدعَى أَبناءَ الله وإِنَّنا نَحْنُ كذلِك" (1 يو 3: 1). فمَن يقبل هذه المحبّة ويؤمِن بها سينالُ الخلاص. فإلهنا وملكنا، ولأنّه محبّة أرادَ أن يكون دوماً مع الإنسان، إلاّ أنّ الإنسان هو الذي اختارَ العصيان والتمرّد ورفض حياة الشِركة مع الله، وحاول الله إستمالةَ الإنسان ذي الإرادة الحُرة إليه، وفشلَ الإنسانُ في أن يفتح لله مجالاً في حياتهِ، حتّى طرقَ الله أبوابَ مريم أمِّنا، هي التي قالت: "نعم" لإرادة الله وقبلتهُ في رحمها ووهبتهُ للعالم. فالـ" نعم" التي أعلنتها أمُّنا مريم في حضرة الملاك: "أَنا أَمَةُ الرَّبّ فَليَكُنْ لي بِحَسَبِ قَوْلِكَ"، إتَّحَدَت مع الـ"نعم" التي قالها الإبن للآب: "لِذلِكَ قالَ المسيحُ عِندَ دُخولِه العالَم: "لم تَشَأْ ذَبيحَةً ولا قُرْبانًا ولكِنَّكَ أَعدَدتَ لي جَسَدًا. لم تَرتَضِ المُحرَقاتِ ولا الذَّبائِحَ عن الخَطايا. فقُلتُ حينَئذٍ "وقَد كانَ الكَلامُ عَلَيَّ في طَيِّ الكِتاب": هاءَنَذا آتٍ، أَللَّهُمَّ لأَعمَلَ بمَشيئَتِكَ" (عبر 10: 5- 7)، فأصبحت "نعم" واحدة: "والكَلِمَةُ صارَ بَشَراً فسَكَنَ بَينَنا" (يو 1: 14). أمنا مريم وهبتَ لطاعة الإبن جسداً، فصار التجسّد ثمرة حوارين: حوار الآب مع الإبن، وحوار الآب مع مريم. فمحبّة الله هي الدافعُ للتجسّد الإلهي، وجوابُ هذه المحبّة لن يكون إلاً محبّة كاملة مثل محبّة مريم أمنّا.

اليوم، ونحن نُصغي إلى كلمة الله التي بشّرت أمنا مريم بأنه حاضرٌ فيها ومعها وهي تقبلهُ إلهاً في حياتها، لتخدمهُ بطاعة تامة ومحبة سخيّة. هي تدعونا إلى أن نتعلّم أن نقفَ في حضرته وكلّنا استعداد للجديد الذي يطلبهُ منّا حتّى وإن بدا لنا غير معقول. لنتعلّم من أمنا مريم كيف نحاوِر أنفسنا متسائلين: "كيف لي أن أكوَن أميناً في الإيمان؟" فخلاصنا يتحقق عندما نقبل إرادتهُ في حياتنا بطاعة حُرّة ومتواضعة، من دون أن نُفكّر يوماً بأننا متميّزون عن الآخرين بمواهِبَ وإمكانيات، فالأمرُ الأهم في حياتنا، هو حضورُ الله فيها: "إِنَّ الرُّوحَ القُدُسَ سَينزِلُ عَليكِ وقُدرَةَ العَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، لِذلِكَ يَكونُ الـمَولودُ قُدُّوساً وَابنَ اللهِ يُدعى".

الأول من البشارة

قصّة ربّنا يسوع وقصّتنا (لو 1: 1- 25(

"لَمَّا أَخذَ كثيرٌ مِنَ النَّاسِ يُدَوِّنونَ رِوايةَ الأُمورِ الَّتي تَمَّت عِندنَا، كما نَقَلَها إلَينا الَّذينَ كانوا مُنذُ البَدءِ شُهودَ عِيانٍ لِلكَلِمَة، ثُمَّ صاروا عامِلينَ لها، رَأَيتُ أَنا أَيضاً، وقَد تقَصَّيتُها جَميعاً مِن أُصولِها، أَن أَكتُبَها لَكَ مُرَتَّبَةً يا تاوفيلُسُ المُكرَّم، لِتَتَيَقَّنَ صِحَّةَ ما تَلَقَّيتَ مِن تَعليم" (1:1-4). بداية تَبرزُ مكانةَ تأوفيلوس في حياة لوقا الإنجيلي، فهو صديقٌ مكرّمٌ جداً، ويستحق أن يُهدي له لوقا ما يستحقهُ، فوجدَ أن قصّة حياة ربّنا يسوع هي أعظمُ هدية يُمكن أن يُقدِمها لشخصٍ عزيز على قلبهِ. صداقة تأوفيلوس مهمّة بالنسبة للوقا، ولكن الأهم هو "الحياة" التي إكتشفها بربّنا يسوع المسيح والتي جاءت نعمةً من الله: "بُشرى سارّة".

تبدأ هذه القصّة بمبادرة الله تجاه الإنسان؛ زكريا الذي اقتربَ من خاتمةِ حياتهِ على الأرض ولم يكن يترجّى منها شيئاً، لكنه صلّى طويلاً من أجل أن تنالَ زوجتُهُ اليصابات طفلاً، وواصلَ الصلاة وحياة البِر على الرغم منّ أنه كان يعتقد، ولسنوات طويلة، أن صلاتَهُ غير مُستجابَة، وها أنّ الله يُفاجئه بما لم يكن يتوقعهُ، فهو لم ينسَهُ بل سمِعَ صلاتَهُ: "لا تَخَفْ، يا زَكَرِيَّا، فقدَ سُمِعَ دُعاؤُكَ وسَتَلِدُ لكَ امَرأَتُكَ أَلِيصاباتُ ابناً فَسَمِّه يوحَنَّا". لقد صلّى ولسنوات طويلة لِتَنعَمَ اليصابات بمولودٍ يُفرِحُهُما، فنالَ ما هو أعظم، لأنَّ يوحنّا سيكونُ مبعثَ فرحٍ لهما ولكثيرين أيضاً، بل سببَ فرحِ الله: "وسَيلْقى فَرَحاً وابتِهاجاً، ويَفرَحُ بِمَولِدِه أُناسٌ كثيرون. لِأنَّه سيَكونُ عَظيماً أَمامَ الرَّبّ". طفلٌ ونبيُّ لله.

لقد أنعمَ اللهُ على زكريا الكاهِنِ بما لم يكن يتوقَّعْهُ مطلقاً، فكل شيءٍ إنتهى بالنسبة له ولزوجتهِ، ولم يَعُدْ يُفكِر يوماً بأنه سيحصل على هذه النعمّة. لكنَّ اللهَ العجيبَ في تدبيرِهِ أعدَّ له مَهمّةً كبيرة، فهذا الصبي يُمثِل إستجابة الله لصلاتهِ وهو مُكرسٌ لدعوةٍ خاصّة، فالله اختارهُ ليبدأ مع شعبهِ مسيرةَ تحقيقِ الوعد. فعلى زكريا أن يكونَ مستعداً لأن يستقبل نبيَّ اللهِ يوحنّا، الذي سيكونُ خادِمَ اللهِ في مساعدة الناس ليتوبوا ويكونوا شعباً له: "لِيَعطِفَ بِقُلوبِ الآباءِ على الأَبناء، ويَهْديَ العُصاةَ إلى حِكمَةِ الأَبرار، فَيُعِدَّ لِلرَّبِّ شَعباً مُتأَهِّباً". لذا، عليه أن يكونَ هو نفسُهُ مُستعداً لاستقبالِ حضورِ اللهِ في حياتهِ من خلال "الصمت"، ليُصغيَ باٌنتباهٍ إلى تدبيرِ اللهِ الخلاصي. من دونِ هذا الصمت لن يكونَ بمقدورِ زكريا واليصابات أن يفهما عمقَ هذا التدبيرِ الإلهي. نفهمُ الآن لمّا كانَ الصمتُ ضرورةً لزكريا، فضجيجُ العالم من حولهِ، وفوضى الأفكارِ فيه تمنَعُهُ من رؤيةِ فعلِ اللهِ الخلاصي، لا سيَّما وأنه، ومثلما نفعل نحن، عندما نحضر للصلاة، أمام الصلاة نبقى منشغلين بما نُفكّر فيه ونتمنّاه لحياتِنا.

اليومَ، يدعونا إلهُنا وملكُنا، من خلال التأمل في كلمتهِ، إلى المُثابرة في مسيرةِ الإيمان على الرُغم من الفتراتِ العصيبة التي نختبرُها في مسيرةِ حياتِنا الروحية. نحن نحزنُ، ولربَّما نغضبُ، لغيابِ اللهِ وصمتهِ إزاءَ الضيّقِ الذي نُعاني منه. نُزعِجُهُ في صلاتِنا وتضرعاتِنا ونشعرُ أنه لا يُبالي بما نختبرهُ من ضيقٍٍ وحزنٍ وألم. نعتقدُ أنَّنا مَنَسيّونَ من قبِل إلهنا، أو على الأقل أنَّ ما نطلبُهُ ليسَ ذا أهميةٍ لديه. لِذا، يُعلّمُنا زكريا اليوم، أنَّ للهِ تدبيراً لنا وسيَكشفهُ لنا في حينهِ، فعلينا أن نُثابِر على الصلاةِ، فنُظهِرَ بذلِك موقفَ إيمانٍ باللهِ الذي نُحِبُّهُ ونعبدهُ لمحبتهِ الأبوية ولصلاحِهِ، وليسَ لِما يهبُهُ لنا.

ربُّنا يدعونا أيضاً إلى الصمت من أجلِ إفساح المجالِ له ليتكلّمَ إلينا ويكشِفَ لنا تدبيرَهُ الخلاصي، مؤمنينَ أنه يُريدُ لنا الخيرَ دوماً. صلاتُنا ليست حواراً مع اللهِ الآب، بل حواراً مع الذاتِ أمامَهُ. إننا لا نُحسِنُ الصلاةَ ونواصِلُ الحديثَ عن أنفسِنا وهمومِنا وأحزانِنا وطموحاتِنا ورغباتِنا. لذا، فالصمتُ خطوةٌ مهمّةٌ من أجل الإصغاء إليه، ويكون هذا الصمتُ بركةً في حياتنا وعلامةَ رجاءٍ في حياةِ الآخرين: "فلَمَّا خَرَجَ لم يَستَطِعْ أَن يُكَلِّمَهم، فَعَرَفوا أَنَّه رأَى رُؤيا في المَقدِس". كم مِنّا يتأسفُ اليومَ لأنه لم يلزََمِ الصمتَ في حدثٍ مضى، فأساءَ بكلامهِ لنفسه وللآخرين. فالصمتُ يمنحُ الإنسانَ فرصةً للتأمل في الخبرات التي يعيشُها. لذا، دخلَ زكريا في فترةِ صمتٍ لتسعةِ أشهرٍ، والتزمت إليصابات الصمتَ لخمسةِ أشهرٍ، فالله أعطى لها نعمةَ الأمومة، فأعطت له حياتَها كلَّها.

ربُّنا يدعونا أيضاً كي نسعى لنعيشَ حياةً تكونُ بركةً لكلِّ مَن يتعرّف عليها. لقد كشفَ لنا لوقا الإنجيلي أنَّ حياةَ ربِّنا يسوعَ المسيحِ هي أعظمُ هديةٍ من الله للإنسان، وهو يدعونا لتكونَ حياتُنا بكلِّ تفاصيلِها "هديّةً". لربّما نقولُ: حياتُنا لا نفعَ لها، فخطايانا كثيرةٌ وفشلُنا عظيمٌ وتقصيرُنا كبيرٌ ولا صلاحَ فيها. ربّنا يكشِف لنا دوماً أنه ينتظِرُ منّا جوابَ الإيمان، أن نُسلِمَ لهُ حياتَنا بكلِّ ما فيها من ضعفٍ وخطيئة، وسيجعل منها قصّةً رائعةً مثلما فعلَ مع زكريا وأمِنا مريمَ وجميعِ قديسي الكنيسة: "إنَّ القَديرَ صَنَعَ إِليَّ أُموراً عَظيمةً: قُدُّوسٌ اسمُه". ومن أجلِ أن نكتشِفَ عظيمَ أعمالِ الله في حياتِنا، علينا أن نصمُتَ ونبحثَ بتيقّظٍ عن علاماتِ حضورهِ بيننا، لأنه أمينٌ في وعدهِ، هو عمانوئيل: الله معنا.

الأحد السابع من إيليا والرابع من الصليب

مَن تُراهُ الأَكبَرَ في مَلكوتِ السَّمَوات؟ (متى 18: 1- 11)

تقدّم الرُسل من ربّنا يسوع وسألوهُ: مَن تُراهُ الأَكبَرَ في مَلكوتِ السَّمَوات؟ ففيهم (مثلما هو فينا جميعاً) طموحٌ ورغبةٌ في تعظيم الذات وتأمين أمكنة متميّزة لهم وأرادوا التعبير عن رغبتهم صريحاً: "مَن تُراهُ الأَكبَرَ في مَلكوتِ السَّمَوات؟ 

ولأنها ساعة كشفٍ (وحي): "في تلِك الساعة"، جاء جواب ربّنا يسوع ليقلِب كل توقعات الرُسل، فدعا طفلاً وأقامهُ في وسطهم، وأشار صريحاً إلى أن هذا المُهَمَش والذي لا يمتلِك حقوقاً ولا إسهاماً يُذكَر في الحياة، ولا يعُطيه المجتمع التقدير والإحترام، هو الأعظم. شاءَ أن يُعلِم تلاميذه كيف ينبغي لهم أن يكونوا تلاميذه بحقٍ من خلال النظر إلى مّن هو خارج حلقّة التلاميذ، فعلامات الملكوت موجودة من حولنا، ولكننا منشغولون عنها ولا نُبصر حقيقتها بسبب تعلّقاتنا الحياتية. لكننا نسأل: ما الذي يُميّز الطفل حتّى يختاره ربنا يسوع ويُشير إليه: انه الأكبر؟ كيف لم يختر واحداً من التلاميذ الذين رافقوهُ وتتلمذوا له؟ 

ما يُميّز الطفل هو تحرره من الأمور التي تربط حياة الكبار عادة، فهو قادر على التخلي عن ما يملكهُ من أجل مشروع حياتي جديد. كما يتّصف الطفل بالتواضع فيحسبُ الآخرين أعظم منه ويُبين ذلك من خلال موقف الإتكالية عليهم. لا يضع نفسه في "المركز"، لأنه يعرِف أن هناك حقائق حياتية لا يُدركها بعدُ وهو بحاجةٍ إلى نور الآخرين ومساعدتهم. والأهم من ذلك هو موقف الطاعة الذي أبداه الطفل إزاء دعوة ربّنا يسوع له: "فدَعا طِفلاً فَأَقامَه بَينَهم"، فلا إعتراض يُذكّر من قبل الطفل. ففيما كان الرُسل منشغلين بحجز أمكنتهم في الملكوت، وبكل ما يُحيط بهذا الإنشغال من مشاعر السخط والطمع والحسد والغيرة والغضب، والتي طلبَ الرسول بولس من كنيسة قولسي التخلي عنها: "أَميتوا إِذًا أَعضاءَكمُ الَّتي في الأَرض بما فيها مِن زِنى وفَحْشاءَ وهَوىً وشَهوةٍ فاسِدَةٍ وطَمَعٍ وهو عِبادَةُ الأَوْثان، فإِنَّ تِلكَ الأَشياءَ أَسْبابٌ لِغَضَبِ الله.... أَمَّا الآن فأَلْقُوا عَنكم أَنتُم أَيضًا كُلَّ ما فيه غَضَبٌ وسُخْطٌ وخُبْثٌ وشَتيمة. لا تَنطِقوا بِقَبيح الكَلام ولا يَكذِبْ بَعضُكم بَعضًا، فَقَد خَلَعتُمُ الإِنسانَ القَديم وخَلَعتُم معَه أَعمالَه. ولَبِستُمُ الإِنسانَ الجَديد، ذاك الَّذي يُجَدَّدُ على صُورةِ خالِقِه لِيَصِلَ إِلى المَعرِفَة" (قولسي 3: 5-10). 

هذه كلّها سببٌ للكثير من العثرات في حياة الكنيسة وتؤدي إلى ضياع العديد من أبنائها. فكل مّن هو مهتمٌ بالحصول على الأمكنة المتميزة: مَن تُراهُ الأَكبَرَ في مَلكوتِ السَّمَوات؟ لن يكون بمقدوره الاستجابة مُباشرةً لنداء ربّنا يسوع: "إتبعني"، فهناك الكثير من الطموحات والمشاعر تمنعه من القيام بذلِك. يأتي هذا الطفل وبطاعة كاملة وصمتٍ من دون إثارة الكثير من الضجيج، ليكون إنموذجاً أمام التلاميذ، لأنه إستجابَ لنداء ربّنا يسوع، فوقف في الوسط مُعبراً عن إستسلام تام إلى ارادة ربّنا يسوع ليرسلهُ إلى حيثما يُريد؛ في الوسط، وهذا هو الموقف الذي ميّزَ هذا الطفل عن الجميع، هو مُستعد ليذهب حيثما يُريد ربنا يسوع. كلمةُ ربّنا يسوع: "تعال" كانت حاسمة في حياة هذا الطفل، فلم يتسائل أو يعترِض أو يتأخر في الإستجابة، بل سلّم حياتهُ كلياً بين يدي ربّنا يسوع، والذي لم يمدّح الطفل كونهُ صغيراً أو جاهلاً، بل قُدرتهُ على الإستجابة بطاعة تامّة. 

لذا، جاءت الدعوة صريحة: "إِن لم تَرجِعوا فتَصيروا مِثلَ الأَطفال، لا تَدخُلوا مَلكوتَ السَّمَوات"، وهي عملية تتطلّب الكثير من الجهدِ الشخصي في التخلّي عن المواقف الشخصية التي إعتدنا عليها والأوهام التي تعلّقنا بها. ربنا يُّذكّر التلاميذ بحقيقة أنهم مدعوون ليتبعوه، وهذا لم يكن باختيارهم الشخصي، بل بنداء وجههُ هو إليهم، واستجابوا له. فالمبادرة هي من الله الآب، لأنه محبّة: "وما تَقومُ عَلَيه المَحَبَّة هو أَنَّه لَسنا نَحنُ أَحبَبْنا الله بل هو أَحَبَّنا فأَرسَلَ ابنَه كَفَّارةً لِخَطايانا" ... أَمَّا نَحنُ فإِنَّنا نُحِبّ لأَنَّه أَحَبَّنا قَبلَ أَن نُحِبَّه (1 يو 4: 10، 19). على التلاميذ إذن أن يكونوا مستعدين للتعامل طوعاً مع متطلّبات الدعوة، فيذهبوا حيثما يُريدهم ربّنا يسوع أن يكونوا، تماما مثل الطفل الذي دُعي ولبّى الدعوة من دون إبطاء أو إعتراضاتٍ، لأنه عرّف أن الداعي هو شخصُ يستحقُّ طاعة مُطلقة. هذا لن يكون إن لم نكن متأصلين بيسوع المسيح: "فكما تَقَبَّلتُمُ الرَّبَّ يسوعَ المسيح، سيروا فيه، مُتَأَصِّلينَ فيه ومُتَأَسِّسينَ علَيه" (قولسي2: 6-7). 

فالأكبر في ملكوت السموات هو المؤمن المُستعد للسير خلف ربّنا يسوع حاملاً الصليب حتّى الجلجلة: "مَن أَرادَ أَن يَتبَعَني، فَلْيَزْهَدْ في نَفْسِه ويَحمِلْ صليبَه ويَتبَعْني" (متّى 16: 24). الرُسل كانوا منشغلين بالتراتبية، مَن سيكون الأول ومَن سيكون الثاني، وجاء الكشف مؤكداً: "إِن لم تَرجِعوا فتَصيروا مِثلَ الأَطفال، لا تَدخُلوا مَلكوتَ السَّمَوات"، فالقضية خطيرة، فمِن الممكن أن الرُسل لن يدخلوا الملكوت، فالأمر يتطلّب بأن يسمح التلميذ لربّنا يسوع بأن يقود حياتهُ، لا أن تكون الطموحات والرغبات الشخصية دافعاً للحياة. أن يكون للتلميذ الإستعداد لأن يُحبّ الله من كل قلبه وكل نفسه وكل ذهنهِ (مـّى 22: 37)، وبذلك يُعبّر عن إيمان مُطلق بالله، وفرحهُ ليس في منجزاتٍ شخصية، بل في نعمةِ الله التي تحتضن حياتهُ، فيجد فيها فرحهُ: "تُعَظِّمُ الرَّبَّ نَفْسي وتَبتَهِجُ روحي بِاللهِ مُخَلِّصي لأَنَّه نَظَرَ إِلى أَمَتِه الوَضيعة. سَوفَ تُهَنِّئُني بَعدَ اليَومِ جَميعُ الأَجيال" (لو 1: 47-48). فالمتواضع الذي يقف أمام الله معترفاً بصغرهِ وفقرهِ، يُعبّر في الوقت ذاتهِ عن استعداد ليرفعه الله ويُغنيهِ وينعِم عليه بالمكانة الفضلى: "فدَعا طِفلاً فَأَقامَه بَينَهم"، ليكون محطّ اهتمام الناس، وهذا كلّه نعمةُ من الله المُحِب. فالتواضع والفقر عمودان أساسيان لبوابة ملكوت الله. 

الأحد السادس من إيليا والثالث من الصليب

"لا أطلبُ ما أستحق بل أطلبُ الرحمة" (متى 15: 21 – 38)

خرجَ ربّنا يسوع من أراضي اليهودية وخرجت المرأة الكنعانية من بلادها الكنعانية (الوثنية) فصارَ لقاء الإيمان ممكناً، لأن الله دبّر بمحبتهِ هذا اللقاء من أجل أن تنال هذه المرأة الرحمة من الله الآب بيسوع المسيح، ليس هذا فحسب، بل لتكون معلمةَ الإيمان: "ما أَعظمَ إِيمانَكِ أَيَّتُها المَرأَة "، فأظهرتَ إيماناً يفوق إيمان الكتبة والفريسيين القادمين من أورشليم والذين اعترضوا على سلوكيات تلاميذ يسوع: "لِمَ يُخالِفُ تَلاميذُك سُنَّةَ الشُّيوخ؟ فَهُم لا يَغسِلونَ أَيدِيَهم عِندَ تَناوُلِ الطَّعام؟ (متّى 15: 2). لقد رأت فيه، هي الوثنية الجاهلةُ بالكتب والأنبياء، ما لم يرَه الكتبة والفريسيون المتضلعونَ بالكُتبِ وبتفسير التوارة والأنبياء، وهذا هو من تدبير الله: "أَحمَدُكَ يا أَبَتِ، رَبَّ السَّمَواتِ والأَرض، على أَنَّكَ أَخفَيتَ هذه الأَشياءَ على الحُكَماءِ والأَذكِياء، وكَشفتَها لِلصِّغار. نَعَم ياأَبَتِ، هذا ما كانَ رِضاك" (متّى 11: 25-26)

لقد إنجذبَت المرأةُ الكنعانية نحو ربّنا يسوع، وكشفّت عن أنها واحدة من الحبّات الكثيرة التي نثرها الزارع في أرضهِ، فأثمرت "إيماناً ناضجاً"، إيماناً يتجاوز الصعوبات وصمتَ الله، فاستحقّت التهنئة: "عظيمٌ إيمانُكِ"، مع أنها كنعانية، أي إنها قادمة من واقعٍ يُعارِض الإيمان اليهودي ويُعاديهِ، فلطالما تذمّر الأنبياء من تأرجح اليهود ما بين الإيمان بإلهِ إبراهيم وإسحق ويعقوب والعمل بهِ، وبين الإستمتاع بطقوس الكنعانيين الوثنية: "فتَقَدَّمَ إِيليَّا إلى كُلِّ الشَّعبِ وقالَ: "إلى مَتى أنتم تَعرُجونَ بَيْنَ الجانِبَين؟ إِن كان الرَّبُّ هو الإلهَ فاتبِعوه، وإن كان البَعلُ ايَّاه فآتبعوه" (1 ملوك 18: 21).

صلّت: "رُحْماكَ يا ربّ! يا ابنَ داود، إِنَّ ابنَتي يَتَخَبَّطُها الشَّيطانُ تَخَبُّطاً شديدا". وهي صلاة إيمان مُطلقَ بالله. هي إنسانةٌ عانّت الضيقَ والعذاب بسبب مرضِ إبنتها. هذا الضيق جعلها تتوجّه نحو الله بكلّيتها لا أن تبتعِدَ عنه، وصار الضيق والعذاب طريقاً للإيمان. سارَت نحو ربّنا يسوع، تصيح وتطلب الرحمة وعندما وصلت إليه سجدتَ له، لُتعبّر عن وحدةِ الجسد والروح أمام الله. ضيقها النفسي والجسدي حملها نحو الإيمان بالله الرحوم، مثلما فعل بحارة سفينة ترشيش وقت العاصفة التي ضربت السفينة وكادت تُهلكهم: "فدَعَوا إِلى الرَّبِّ وقالوا: "أَيُّها الرَّبّ، لا نَهلِكَنَّ بِسَبَبِ نَفْسِ هذا الرَّجُل، ولا تَجْعَلْ علَينا دَماً بَريئاً، فإِنَّكَ أَنتَ، أَيُّها الرَّبُّ، قد صَنَعتَ كما شِئتَ" (يونان 1: 14).

لقد عبّرت في صلاتها أيضاً عن الحُب الذي تكنّه لأبنتها التي مسّها الشيطان وصار يُعذبها، لم تتخلَ عنها في محنتها هذه، ورأت في ربّنا يسوع الخلاص الذي صارَ لجميع الأمم مهما كانت إنتماءاتهم، فخرجتَ إليه حاملّة هذا الرجاء: "أريدُ رحمتَك يا ربّ، فأنت أبنُ داود"، وكانت متعمدةً في مناداتهِ: "يا ابنَ داود"، وكأني بها تقول له: "أنت تعرِف معنى علاقة البنوّة والأبوة، وتعرِف ألمَ الوالدين لعذاب أبنائهم". لقد بيّنت أن ألمَ إبنتها جعلها ترتبط بها إرتباطاً وثيقاً، فلقد صارَ ألمها الشخصي: "أَغِثْني يا رَبّ!"، وأصبحت هي حضوراً لأبنتها مثلما صارَ ربنّا يسوع تجسيداً لرحمة الله الآب. وكانت مُستعدة لأن تتخلّى عن كل شيءٍ، حتّى عن إنسانيّتها لتحصل على الشفاءلأبنتها: "نَعم، يا رَبّ! فصِغارُ الكِلابِ نَفْسُها تأكُلُ مِنَ الفُتاتِ الَّذي يَتساقَطُ عَن مَوائِدِ أَصحابِها". تركتَ أراضيها وأهلها من أجل أن تلتقي ربّنا يسوع وهي مُستعدة للتخلي عن كلِ شيءٍ لتنال الرحمةَ والخلاص. لم تعترِض مُطلقا على تشبيه يسوع لها ولأبنتها بـ"بصغار الكلاب"، وأجابَت بعبارة: "نَعم، يا رَبّ! فصِغارُ الكِلابِ نَفْسُها تأكُلُ مِنَ الفُتاتِ الَّذي يَتساقَطُ عَن مَوائِدِ أَصحابِها". صلّت بكل تواضعٍ مثلما صلّى أبوها إبراهيم: "قد أَقدَمتُ على الكلامِ مع سَيِّدي، وأنا تُرابٌ ورَماد" (تك 18: 27). قبِلَت على نفسها بأن تكون أصغرَ المخلوقات، بل لا قيمةً لها، لتنال الرحمة وتكون في ملكوت الله. تواضعَت حتّى تخلّت عن كل شيءٍ وأستسلمت إلى الله على نحوٍ تام، مرددةً عبارة "يا ربُّ" ثلات مرّاتٍ. هي تعرِف أنها ليست من شعب الله المختار، وهي لا تستحقُ الرحمة، فحاوَلت إستمالةَ الله إلى صلاتها، واثقةٌ من أن صلاتها ستُستجاَب، فثابرَت في صلاتها، ولم تتراجع أمام صمتِ ربّنا ورفضهِ لها، وعبّرت بصراحةٍ لا مثيل لها عن محبّتها له: "يا ربّ سأرضى بالفتات لأنه منكّ وهذا يكفيني. إني لا أسألُك عن ما أستحقهُ، ولكنَّ أطلبُ منّكَ ما أنت عليه: الحُب والرحمة". فنالتَ ما أرادت وأكثر من ذلك: "ما أَعظمَ إِيمانَكِ أَيَّتُها المَرأَة، فَلْيَكُنْ لَكِ ما تُريدين". صلاتها فيها شكلٌ من الصراعِ المتعنّد مع الله، وكأني بالله يستمتِع بهذا الصراع الروحي ويُعلِن إنتصارَ المرأة، مثلما حصل مع يعقوب الذي صارعهُ الله الليلَ كلّه: "فقالَ يَعْقوب: "لا أَصرِفُكَ أَو تُبارِكَني". فقالَ له: "ما اَسمُكَ؟" قالَ: "يَعْقوب". قال: "لا يَكونُ آسمُكَ يَعْقوبَ فيما بَعْد، بل إِسْرائيل، لأَنَّكَ صارَعتَ اللهَ والنَّاسَ فغَلَبتَ" (تك 32: 27- 29).

بشارة إنجيل اليوم تطلُب منّا أن نؤمِن وأن نثبُت في الإيمان، وأن نواصِل الصلاة بألفةٍ مع الله الآب الذي يستجيبُ لصلاة الإيمان بفرحٍ. لقدّ بيّنت هذه المرأة عن عظيم إيمانها، إيمان مقرون بالتواضع والحُب والمثابرة. كان مرضُ إبنتها فرصةً لها لتُعلِن هذا الإيمان أمام الجميع، ولم يكن هذا المرض، وتجاهل الله لها وصمتها أمام صلاتها ورفضهُ الإصغاء لها، سبيلاً للتخلي عن الإيمان والإبتعاد عن الله حُزناً وغضباً، بل واصلت المسيرة في "ظلمةِ ليل الإيمان"، ونالت معجزة الإيمان قبل معجزة الشفاء: "الحَقَّ أَقولُ لكم: إِن كانَ لَكم مِنَ الإِيمانِ قَدْرُ حَبَّةِ خَردَل قُلتُم لِهذا الجَبَل: اِنتَقِلْ مِن هُنا إِلى هُناك، فيَنتَقِل، وما أَعجَزَكُم شيء. وهذا الجِنسُ مِنَ الشَّيطانِ لا يَخرُجُ إِلاَّ بالصَّلاةِ والصَّوم" (متّى 17: 20- 21)

الأحد الخامس من إيليا والثاني من الصليب

قلّة إيماننا: إستجابة إلهنا (متى 17: 14 – 21)

يروي لنا الكتاب المُقدس أن موسى غضبَ جداً على الشعب عندما نزل من جبلِ سيناء حاملاً كلماتِ العهد العشر، وصُدِمَ بسبب قلّة إيمان الشعب الذي صنعَ له صنماً يعبدهُ (خر 32: 15- 20). وها إنَّ ربّنا يسوع ينزل من جبل التجلي ليواجه قلة ايمان التلاميذ والشعب فغضبَ هو ايضاً. الأب المُسكينُ حزينٌ قلقٌ على مصيرِ إبنهِ، فجرّبَ كل الطُرقِ المتاحةِ أمامهُ، وطلبَ من تلاميذ ربّنا يسوع أن يُساعدوه، ولكنهم عجزوا عن طردِ الشيطان منه. قلّة إيمان التلاميذ جعلتهم عاجزين عن فعلِ شيءٍ أمام هذا الشيطان الذي استحوذ على هذا الصبي، على الرغم من أن ربّنا أعطاهم سلطاناً على الأراوح النجسة ليطردوها (متى 10: 1، 8). هذا الفشل أثارَ في نفوس الناس العديد من التساؤلات، بل احرج كثيراً ربّنا يسوع وبشارتهِ : ما مدى مصداقية هذه البشارة؟

لكّن السؤال الذي يطرح نفسهُ هو: لماذا فشل التلاميذ في طرد هذا الشيطان؟ وكان هذا السؤال الذي طرحوه على ربّنا يسوع: لماذا فشلنا؟ فكان الجواب: لقلّة إيمانكم! وهذا الإيمان ليس تلقائياً ولا يُمكن الإستخفاف به: أنا تلميذ يسوع فالشفاء ممكن! أنا مسيحي فانا مُخلَّص؟

قلّة إيمان الرُسل سببت حرجاً كبيراً لربّنا يسوع: "جئتُ بهِ إلى تلاميذكَ، فما قدروا أن يشفوه"، بل كانت سبب استمرارِ ألمِ هذا الصبي. قلّة إيماني أنا كمسيحي أو قوّتهِ سيُؤثّر إيجابا أو سلباً في حياة الناس والعالم. لذا، يُواجهنا ربّنا يسوع المسيح بحقيقة أن ألمَ العالمِ من حولنا ليس بسبب غلبةِ الخطيئة والفساد، بل بسبب قلّق إيماننا ولربما إنسحابنا عن مسؤوليتنا، فالعالم يتألم لأننا كمسيحيين لسنا مؤمنينَ كما يجب. لسنا مؤمنين الى درجة أن نُرضي إلهنا!

هنا نسأل: ما الإيمانُ؟ وما معنى أنني أؤمن؟

الإيمان، كما تُعلّمنا أُمنا الكنيسة هو أن أخضعَ بكليّتي إلى كلمة الله التي تدعوني إلى أن أشهدَ لمحبتهِ لي وللعالم والتي تجلّت في ربّنا يسوع المسيح. نحن لا نؤمنُ بمُعتقداتٍ بل نؤمنُ بشخصِ يسوع المسيح الذي كشفَ لنا حقيقةَ إنسانيتنا: إننا أبناء الله الأحباء، وعاشها ليكون الأول بيننا: بكرنا.

الإيمان هو القبول الحُر لكلّ الحقيقة التي أوحى بها الله، وهذا لن يكون إلا إذا منحنا الله النعمةَ لنؤمِن مثلما أعلنَ ربّنا لبطرس عندما شهدَ له بأنه إبن الله الحي (متى 16: 17)، وهكذا نخصص حياتنا كلها لله لنُكمّلَ إرادتهُ في حياتنا وحياة مَن هم من حولنا. فالايمان هو فعلُ العقل والإرادة معاً، وهو يفتح عقولنا لنفهمَ أكثرَ فتقوى علاقتنا بالله الذي دعانا إلى الإيمان به. لذا فقد ربطَ ربّنا يسوع المسيح الإيمان بالصلاة. فالتلاميذ كانوا واثقين من قوتهم حتى نسوا العودة إلى الله، وظنّوا أنهم قادرونَ على طردِ الشيطان دون الصلاةِ إلى الله، لأن الإيمان بالله هو العلاقة مع الله، وهذه العلاقة تحيا بالصلاة إليهِ دوماً واستحضاره في حياتنا. وكثيرة هي المرات التي نتناسى فيها ذكرَ الله مُعتمدين على قوّتنا وذكائنا فحسب. يروي لنا آباؤنا الروحيون أن أباً كان ينظر إلى طفله ِالصغير وهو يُحرّك حجرةً كبيرة وتبيّن أنه غير قادر على ذلك فبدأ بالبكاء! سألهُ أبوه: هل جرّبتَ كلَّ قوتِكَ يا بُني؟ فأجاب الطفلُ: نعم يا أبي! فردَّ أبوه ولكنّك لم تسألني المُساعدة. وصلاتنا هي دعوتنا ليكونَ إلهنا سيّدَ حياتنا دوماً، وإلا فعالمنا سيبقى رازحاً تحت آلام كثيرةٍ.

فإذا كان عالمنا يتألم، وإذا إزدادَ صُراخُ من هم من حولنا بسبب عذاباتهم، فهذا ليس بسبب خطاياهم فحسب، بل بسبب قلّة إيماننا نحن أبناء الله وتلاميذ يسوع المسيح وهياكلُ الروح القُدس. فإيماننا لم يكن صلاةً الى الله، ولم يكن متسماً بالمحبة. والأخطر من كلَّ ذلك أننا نحسبُ أن فعلِ الإيمان هو قرارٌ شخصيٌّ منعزلٌ عن الكنيسة، متناسينَ أننا لسنا نحن مَن أوجدنا الإيمان بل أُعطي لنا لنُسلّمهُ نحن أيضاً الى غيرنا. لذا، نُعلنُ في كلِّ قُداس: نؤمنُ، فلسنا نحنُ مَن يؤمن، بل الكنيسة هي التي تؤمن وهي التي ولدتني بالعماذ لأكون إبنها، وهي التي تُغذي إيماني وتقويهِ، وهي التي سلّمت إليَّ وإليكَ وإلينا جميعاً وديعةَ الإيمان لننشرها بشارةً، لا أن ندفنها في الأرضِ خوفاً.

تدعونا الكنيسة اليوم، نحن الذين نحمل هذا الكنز العظيمَ، لأن نشهدَ لإيماننا بنوعيةِ حياتنا، لنكون جيلَ إيمان، فترانا ننحني خجلاً أمام ربّنا الذي يرى كمَّ الشياطين التي بدأت تضربُ حياتنا وعوائلنا ومجتمعنا ونحن نصرخُ: هو الشرُ والخطيئة، من دون أن يكون لنا جُرأة الرسل لنسألهُ: لماذا عجزنا نحن عن طرده؟ كلنا واعونَ بالشياطين التي بدأت تُحارب براءة أولادنا وتجرّهم إلى إنحرافاتٍ وأمراضٍ صعبةٍ من دون أن يُثيرَ ذلكَ حتّى تساؤلاً حول مصيرهم ومُستقبلهم! كلنا يُشاهدُ يومياً أين يجرنا هذا العالم، ونحو أي متاهاتٍ يُضيّعنا، فصرنا جُبناء وضعفاء حتّى درجة اللامُبالاة، وهي إنتحارٌ بل قتلٌ لمسيحيتنا. نحن نعرِف أن ضعفنا وجُبننا وتكبرنا وإهمالنا لله ولإرادته سببُ كلِّ هذه الأوجاعِ، فلنتب مُصلينَ: قوِّ يا ربُّ إيماننا بأفعالِ حياتنا المُحبّة التي تنتظرها منّا. إجعلنا قريبينَ منك، ومُدَّ يدكَ الشافيةَ نحونا.

الصفحة 1 من 16