المواعظ
 المطران بشار متي وردة

المطران بشار متي وردة

الأحد السابع من الصيف

الفضائل: الصدق (لو 18: 1- 14)

يروي لنا آباؤنا الروحيون عن جدالٍ حصل بين رُهبانٍ عن أهم اللحظات في حياة ربّنا يسوع: فقال بعضهم: ولادته في بيتَ لحمِ، وقال آخرون: قيامته من بين الأموات، وآخرون: إقامةُ لعازر. ثم توجهوا بالسؤال إلى معلّمهم: ماذا تقول يا معلم؟ ما الحدث الأهم في حياة يسوع؟ فأجاب: الحدث الأهم في حياة ربّنا يسوع، هو أنه كان يعي ما يقول! فحياتهُ كانت صلاة، وصلاته كانت حياة. 

لحظات الصلاة إلى الله هي أقدس لحظات حياتنا، ويُريدنا ربّنا يسوع المسيح أن نعي أهميّتها في حياتنا لأننا فيها نقف أمام حضرة الله حاملين إنسانيّتنا بكل ما تتضمنهُ من ضعفٍ وهشاشةٍ وإيمان بالله الآب. يُخبرنا الإنجيلي لوقا أن ربّنا يسوع كان يقضي الليل كلّه في الصلاة ويستمّد من لحظات الصلاة القوّة ليواصِل البشارة بملكوت الله. صلّى وقت عماده من يوحنّا المعمذان (لو 3: 21)، وقبل اختيار الرُسل (لو 6: 12- 13)، وعند التجلي (لو 9: 28) وفي بستان الزيتون (لو 22: 41). ولأننا لا نُحسِنُ الصلاة إلى الله مثلما يقول الرسول بولس (روم 8: 26)، يُعلّمنا ربّنا يسوع اليوم كيف نُصلي إلى الله الآب:  أن نُعظَمه دوما: "تُعَظِّمُ الرَّبَّ نَفْسي" (لو 1: 46)، ونُبارَكه: "تَبارَكَ الرَّبُّ إِلهُ إِسرائيل" (لو 1: 68)، ونتوخى تحقيق مشيئتهُ: "ولكِن لا مَشيئَتي، بل مَشيئَتُكَ" (لو 22: 46). 

أول درس في مسيرة الصلاة هو أن يكون فينا الرغبة في الصلاة والمثابرة عليها، لاسيما في الساعات التي يبدو فيها الله غائباً وكأنه لا يسمع صلاتنا ولا يُصغي إليها. المثابرة على الصلاة هو فعل إيمان بالله الآب الذي نُصلي إليه مؤمنين بأنه يعرِفنا ويُحبنا ويُريد لنا الخير، حتّى لو اختبرنا "الليالي المُظلمة" كالتي اختبرها قديسو الكنيسة. كانت القديسة الأم تريزا تقول: "إذا أردت أن تصلي بشكل أفضل، صلِّ أكثر"، هي التي اختبرت سنوات طويلة من صمت الله الذي صلّت إليه دوما: "يا رب عرّفني إرادتك لي"، ولم تسمع منه شيئا، ولكنها واصلت الصلاة.  

وهذا يقودنا إلى الدرس الثاني وهو: عندما نُصلي علينا أن ندع المجال لله أن يُحدثنا فنصغي إليه لأننا نُريد مشيئتهُ هو: "أَنا أَمَةُ الرَّبّ فَليَكُنْ لي بِحَسَبِ قَوْلِكَ" (لو 1: 38). فالصلاة ليست إستعراضاً لحاجاتنا ورغباتنا وتطلّعاتنا بل إستعداد للإصغاء إلى مشيئة الله والعملُ بها: "هاءَنذا". أن نُصلي إليه معترفين بإبوتهِ، فندعوه "أبا"، مؤمنين بأننا أبناء له بيسوع المسيح بكرِنا، الذي حملنا في صلاتهِ إلى الله الآب، وعلّمنا أن نُصلي: "الصلاة الربية"، ولا ينبغي ان أتقدّم للصلاة لوحدي، بل أحمل في صلاتي كل إخوتي وأخواتي بمحبةٍ. الصلاة ليست فرصة للشكوى على الآخرين وفضح أخطائهم، بل الوقوف أمام الله الآب حاملين بمحبةٍ كل الناس إليه، حتّى البعيدين عنهُ. لقد حاولنا ان نكون قُربهم لخدمتهم جسديا أو روحيا، ولنا في أمنّا مريم خيرُ مثالٍ، فعندما عرِفت أن الله اختارها لرسالةٍ عظيمةٍ، وقدّسها لتحمل كلمتهُ، إنطلقت تخدم مَن هم بحاجةٍ إلى الخدمة. 

ويأتي الدرس الثالث في كيفية الصلاة ليؤكِد على ضرورة أن نكون صادقين مع الله ومع أنفسنا عندما نُصلي إليه، لأننا مؤمنون بأنه الأب الذي يعرِفنا ويعرِف ما في قلوبنا مثلما يُصلي المزمّر: "يا رَبِّ قد سَبَرْتَني فَعَرَفتني

عَرَفْتَ جُلوسي وقِيَامي. فَطِنتَ مِن بَعيدٍ لأَفْكاري. قَدَّرتَ حَرَكاتي وسَكَناتي وأَلِفتَ جَميعَ طرقي. قَبلَ أَن يَكونَ الكَلامُ على لِساني أنتَ يا رَبُّ عَرَفتَه كلَه. مِن وَراءُ ومِن قُدَّامُ طوَقتَني وجَعَلتَ علَيَّ يَدَكَ. أَنتَ الَّذي كونَ كُليَتَيَّ ونَسَجَني في بَطْنِ أُمِّي. أَللَّهُمَّ اْسبِرْني واْعرِفْ قَلْبي إِمتَحِنِّي واعرِفْ هُمومي" (مز 139). الصدق يعني إذاً أن نقفَ امامهُ مثلما نحنُ، وهو، بمحبتهِ الأبوية سيأخذنا إليهِ من حيثما نحن ليُوصلِنا إليه. عندما نأتي إلى الصلاة لنُعبّر في كلِّ لحظة من هذه اللحظات عن إيماننا بالذي دعانا للصلاة إليه، فنترُك له المجال ليُصلي هو فينا ومن خلالنا. أن ندع نورهُ يُنير حياتنا ويُعرّفنا أين نحن منهُ: "الَّلهُمَّ ارْحَمْني أَنا الخاطئ!"، فمحبة الله والقريب تتطلّب الصدق: "ولْتَكُنِ المَحبَّةُ بِلا رِياء" (روم 12: 9).  

نحن نعلَم أننا لا نعي ما نقولهُ في الصلاة مثلما حصل مع بطرس على جبل التجلي: "قالَ بُطرُسُ لِيَسوع: "يا مُعَلِّم حَسَنٌ أَن نَكونَ ههُنا. فلَو نَصَبنا ثَلاثَ خِيَم، واحِدَةً لَكَ وواحدةً لِموسى وواحِدةً لإِيليَّا! ولم يَكُنْ يَدري ما يَقول" (لو 9: 33). أو اننا نُكثرُ الكلام عن أنفسنا وحياتنا ومنجزاتنا مثل الفريسي، وهذا يدفعنا إلى إنتقاد موقفين: تبرير خطايانا وانتقاد الآخرين". أو التراجع عن الصلاة إلى الله لأننا قدّمنا له سلسلة طلبات ولم يستجب لنا. 

نحن مدعوون لأن نعيش حياتنا بصدقٍ، فنقف أمام الله من دون أقنعة ونكون أمامهُ مؤمنين بمحبتهِ، شاكرين إياه على قبولهِ لنا، مُباركين إياه على الخير الذي صنعهُ فينا ولنا، ومتأسفين على الخير الذي كان بمقدورنا أن نصنعه ولم نلتزِم به. ليس علينا أن نُبرر له خطايانا فهو يعرِف خفايا قلوبنا، ويعرِف اننا نُخطئ أحيانا لا عن جهلٍ بل عن سوء نيةٍ ورغبة في الشر، ولكنه مستعدٌ لأن يمنح لنا الغفران إن طلبناه بصدقٍ، تماماً مثلما فعلَ العشار الذي انحنى أمام الله معترفاً بأنه إبتعدَ عن محبتهِ، لم يكذب أمام الله، ولم يُطالِب الله بأن يمنحهُ الغفران لأنه جاء يُصلي، بل تركَ ذاته كليا بين يدي الله طالباً الرحمة: "إرحمني يا الله"، وهذه الرحمة قادرةٌ على تغييره: أقول لكم: هذا العشار نزلَ إلى بيتهِ مقبولاً عِندَ الله.

الأحد السادس من الصيف

الفضائل: الامتنان (لو  17: 5 – 19)

طلب البُرص العشرة من ربّنا يسوع نعمة الشفاء متضرعين إليه قائلين: "إرحمنا"، لأنهم كانون يؤمنون أن البرص مرضٌ بل لعنة من الله وعقابٌ على خطيئة. ولأن ربّنا يسوع المسيح، كلمة الله المُحِبة وحضوره الرحوم، جاء ليُصالِح الإنسان مع الله، أَمرهم بالذهاب إلى الكهنة ليكونوا علامة حضور الله المُحِب والشافي. كان عليهم أن يؤمنوا بكلمةِ ربّنا يسوع، أمرهم بالقيام بفعل يتطلّب الكثير من الشجاعة: الذهاب إلى أورشليم، حيث مركز الرئاسة الكهنوتية، وكانت مدينة محرمة عليهم لأنهم مصابون بمرض معدٍ كانوا يعتقدون انه نتيجة غضب الله عليهم جميعهم ذهبوا من دون أن يسألوا: متى نُشفى؟ وكيف سنُشفى؟ آمنوا بما قاله ربّنا يسوع فنالوا الشفاء. فكان الشفاء ثمرة الطاعة ولكنهم عبروا في الوقت نفسه عن إيمانٍ ناقص، لأنهم تصوروا أن على يسوع، بصفته مسيح الله، أن يمنحهم الشفاء، وكأنهم يستحقونَ ذلك. لذا، لم يعودوا ليشكروا، وهو ما حذّر منه موسى الشعب عندما أوصاهم بأن لا ينسوا أن الله هو الذي أخرجهم من مصر العبودية وحررهم ليعيشوا حياته بكرامةٍ: " تَنَبَّهْ لِئَلاَّ تَنْسى الرَّبَّ إِلهَكَ، ... مَخافةَ أَنَّكَ، إِذا أَكَلتَ وشَبِعتَ وبَنيتَ بُيوتًا جَميلةً وسَكَنتَها وكثُرَ بَقَرُكَ وغَنَمُكَ وفِضَّتُكَ وذَهَبُكَ كلُّ ما لَكَ، يَشمَخُ قَلبُكَ فتَنْسى الرَّبَّ إِلهَكَ الَّذي أَخرَجَكَ مِن أرضِ مِصْر، مِن دارِ العُبودِيَّة ... ولئَلاَّ تَقولَ في قَلبِكَ: إِنَّ قُوَّتي وقُدرَةَ يَدي صَنَعتا لي هذه الثَّروَة. بل تَذكر الرَّبَّ إِلهَكَ، فإِنَّه هو الَّذي يُعْطيكَ قُوَّةً لِتَصنع بِها الثَّروَة، لِكَي يُثَبِّتَ عَهدَه الَّذي أَقسَمَ بِه لآبائِكَ كما في هذا اليَوم" (تث 8: 11- 18).

أما الأبرص الشاكِر، الذي شفيَّ وهو في طريقهِ إلى لقاء الكاهنِ، فكشف عن معنى الإيمان ومضمونهِ. فالإيمان يعني أولاً: تمجيد الله وشُكره على أنه الآب المُحِب والصالح دوماً: "إحمَدوا الرَّبَّ فإِنَّه صالِح فإِنَّ للأبد ِرَحمَتَه" (مز 136: 1)، هذا الصلاح وهذه الرحمة تعود بالخير على الإنسان الشاكر. فالشُكر خير تعبيرٍ عن إيمانٍ نزيهٍ بالله الذي نعبدهُ ونُحبهُ ونعترِف بأنه هو الإله، الآب المُحب الذي يستحق أن يُشكَر دوما، وبذلِك نُبيّن أننا قد تخلينا عن أنانيّتنا التي تدفعنا مراراً إلى الإعتداد بالنفس متفاخرين متناسين الله الخالِق، أو إلى تقديم شُكرٍ مشروطٍ بحالة الرفاهية التي نعيشها. فغيابُ الإمتنان عن حياة الإنسان يكشفِ عن شكلٍ من الأنانية والتمركزِ حول الذاتِ وكأني بالشخص يقول: إني أستحقُ أكثر مما نلتُ! فلا حاجة إلى الشُكر والإمتنان؟ فالشُكر يجعلنا نفتخِر بأننا لولا محبة الله الآب ورحمتهِ ما كُنا على ما نحن عليه، مثلما أنشدت أمنا مريم عند زيارتها لإليصابات (لو 1: 46- 55).

لقد شعرَ السامري بأنه غير أهلٍ لمثل هذه العطية فعادَ ليشكرَنعمة حضور الله بيسوع المسيح. لقد أكتشفَ السامري مَن هو ربّنا يسوع: هو الطريق إلى الله. فالإيمان بيسوع يقودنا إلى الله الآب، فربّنا يسوع يحملنا إلى الله الآب، الذي أرادَ أن يُصالحنا بابنهِ يسوع المسيح. فعلُ الإيمان يكتمل إذن بالعودة إلى الله ممجدين إياه. فالإيمان فعلُ من الله وعودةٌ شاكرةٌ إليهِ. فلنتعلّم من السامري فضيلة الإمتنان لله الآب، ونشكره على أنه اختارنا لنكون له أبناء بالمسيح يسوع: "أَمَّا الَّذينَ قَبِلوه وهُمُ الَّذينَ يُؤمِنونَ بِاسمِه فقَد مَكَّنَهم أَنْ يَصيروا أَبْناءَ الله" (يو 1: 12). لنتعلّم منه أن تبدأ صلاتنا إلى الله الآب بعبارة: "أَحمَدُكَ يا أَبَتِ" (متّى 11: 25)،" شُكراً لَكَ، يا أَبَتِ" (يو 11: 41).

الشُكر فضيلة مسيحية فيها نمدح الله ونُباركهُ لا في أوقات الفرح والغبطة فحسب، بل في أوقات الحزن والأزمات أيضاً"إِفرَحوا دائِمًا، لا تَكُفُّوا عن الصَّلاة، أُشكُروا على كُلِّ حال، فتِلكَ مَشيئَةُ اللهِ لَكم في المسيحِ يسوع" (1 تسا 5: 16- 18).لنُبيّن في ذلِك عن قوة الإيمان بالله الآب المُحِب الذي يرافقنا بمحبتهِ وعنايتهِ، لاسيما وقت الصعوبات مثلّما صلى داود: "أعَظِّمُكَ يا رَبُّ لِأَنَّكَ اْنتشَلتَني ولم تُشمِتْ بي أَعْدائي (مز 30: 1-12). الشُكر لله الآب الذي يُقوينا وقت ضعفنا ويهبَ لنا الخير الذي نحن بحاجةٍ إليه في الوقت المناسب. الشكر لله في كل وقتٍ حتّى في اوقات الشّدة: "الرَّبُّ أَعْطْى والرَّبُّ أَخَذفلْيَكُنَ اسمُ الرَّبِّ مُبارَكًا" (أيوب 1: 21). فالشخص المُمتن إنسانٌ متواضعٌ ومُتحسسٌ للمحبّة التي قبلها من الله ومن الآخرين، بل يحسبَ أن هذا الحُبَ واللطفَ اللذين قبلهمامنهم علامة لنعمةِ الله، وعلينا أن نشكرهُ على الصحة والصداقة والعائلة والجماعة كلها نِعمٌ علينا أن نشكرَ الله عليها. لأن الشكر تعبير عن الإيمانِ: "إيمانُكَ خلّصكَ". إيمانٌ لم يظهر في طلبِ الرحمةِ والشفاءِ فحسب، بل في ترتيلة الشُكر والتمجيد التي رتّلها السامري. وهو يدعونا لأن نكون شاكرين لله الآب على محبتهِ ورحمتهِ. أن نشكرهُ حتّى لو لم نحصلَ على ما نُريد لأننا في شُكرنا سنسعى للحصولِ عليهِ. نشكرهُ حتّى لو كُنّا نجهلُ أمراً ففي شُكرنا سنحاول أن نتعلّم. نشكرهُ حتّى لو شعرنا أننا محدودونَ لأننا في شُكرنا سنتغلّبُ على محدوديّتنا. نشكرهُ حتّى لو أخطأنا لأننا في شُكرنا سنُقرُّ بأننا تعلّمنا الدرس ولو كان قاسياً. نشكرهُ بإمتنان في كل وقتٍ. 

لنسعَ لنجعل بيوتنا مدرسة إيمان ونعلّم أبناءَنا كيف يكونونممتنين في حياتهم، من خلال الإمتنان المُتبادَل الذي يُنعِش حياة الزوجين على حّد تعبير البابا فرنسيس. لنوجّه أولادنا إلى أن ينظروا بعين الشكر والإمتنان إلى حياتهِم، ويكتشفوا النعم والامكانيات التي وُهِبَت لهم. أن يشكروا الله على نعمة العائلة التي تحتضنهُ، ويتوقفوا عن التذمّر أو عدم الرضى وكثرة الطلبات التي لا تنتهي، فليس من الصحيح أن نُقدِم لأولادنا كل ما يطلبوهُ، بل توجيههم ليُقدّروا ما يمتلكونهُ، وأن يتعلّموا أن يشكروا بإمتنان على كلّ ما وُهِبَ لهم.

الأحد الثاني من الصيف 

الفضائل: الرحمة (لوقا لو 15: 1- 24)

يختصر لوقا كل البشارة "إنجيل ربّنا يسوع المسيح" في ثلاثة أمثال تُعبر عن موقف الله الآب من الإنسان. فهو الآب الرحيم الذي يقبل توبة الإنسان بعد تيه الخطيئة التي اختارها بإرادتهِ الحرّة. أمثال كشف فيها ربّنا يسوع عن الحبّ الذي يكنّه الله الآب للإنسان والذي صار منظوراً وملموساً في ربّنا يسوع المسيح: "ذاك الَّذي كانَ مُنذُ البَدْء ذاك الَّذي سَمِعناه ذاك الَّذي رَأَيناهُ بِعَينَينا ذاكَ الَّذي تَأَمَّلناهولَمَسَتْه يَدانا مِن كَلِمَةِ الحَياة" (1 يو 1: 1). فلم تكن كلمة الله الأخيرة، ربّنا يسوع المسيح، كلمة دينونة أو مُعاقِبة، ولم يُعلِن الله حُكمَ الهلاكِ على الإنسان الخاطئ منتقماً لنفسهِ من أجل الإهانات التي تلّقاها، بل واجه خطيئة الإنسان بالغفران وهداهُ طريق الخلاص بالرحمة والرأفة التي قدّمها بيسوع المسيح، فكان أمينا لطبيعته فهو المحبّة التي تجلّت رحمة على الإنسان. رحمةً أعطت الإنسان حياة جديدة؛ لأن الرحمة لا تتعلَّق بماضي الإنسان إذ تغفِر له خطاياهُ فحسب، بل هي مُوجهة نحو حاضره ومُستقبله فتمنحه حياةً جديدةً، فهو "محبوبُ الله"، وعليه أن يعيش هذه الرحمة إلتزاماً مُحباً للقريب. وهو يدعونا لأن تكون الرحمة أسلوب حياة نلتزم به، فمَن يُرحَم عليه أن يعيش هذه النعمة دعوة وإلتزاماً مسؤولاً في حياتهِ، فيعكس في شهادة حياته طبيعة الرحمة الإلهية التي اختبرها نعمة. 

الرحمة الإلهية حبٌّ يرحَم، يقبل الإنسان ويُعيد له الكرامة ويحوّل تعاسته إلى فرح، بل عُرس. رحمةٌ لا تنتظر عودة الضائع بل تذهب لتبحث عنه، لأنها تشعر بما هو بحاجةٍ إليه. الخطوة الأولى في الرحمة الإلهية هي حضورها إلى جانب الإنسان: "هو الَّذي في صُورةِ الله لم يَعُدَّ مُساواتَه للهِ غَنيمَة بل تَجرَّدَ مِن ذاتِه مُتَّخِذًا صُورةَ العَبْد وصارَ على مِثالِ البَشَر وظَهَرَ في هَيئَةِ إِنْسان فَوضَعَ نَفْسَه وأَطاعَ حَتَّى المَوت مَوتِ الصَّليب" (فيلبي 2: 6-8). رحمة الله الآب ليست إستجابة لطلب أو صلاة من الإنسان، بل مبادرة من الله الآب تجاه الإنسان حتّى قبل أن يكون للإنسان إمكانية السؤال: "إِنّي قد رَأَيتُ مذَلَّةَ شَعْبي الَّذي بِمِصْر، وسَمِعتُ صُراخَه بسَبَبِ مُسَخِّريه، وعَلِمتُ بآلاَمِه، فنزَلتُ لأَنقِذَه مِن أَيدي المِصرِيِّين وأُصعِدَه مِن هذه الأَرضِ إلى أَرضٍ طَيِّبةٍ واسِعة، إلى أَرضٍ تَدُر لَبَناً حَليباً وعَسَلاً" (خر 3: 7- 8). ربّنا يسوع يذكرنا اليوم بأبوّة الله التي ترحم الإنسان قبل أن يطلب منها ذلك: "وكانَ لم يَزَلْ بَعيداً إِذ رآه أَبوه، فتَحَرَّكَت أَحْشاؤُه وأَسرَعَ فأَلْقى بِنَفسِه على عُنُقِه وقَبَّلَه طَويلاً". الله الآب يشعر بآلامِ الإنسان ومأساتهِ وكأنها مأساته وآلامهُ، وهو مُستعدٌ لأن يتحمّل هذه الآلام من أجل تحقيق الشفاء والسلامِ للإنسان. 

الخطوة الثانية في الرحمة الإلهية هي شعور الله الآب بحاجة الإنسان، الضائع: "أَسرِعوا فأتوا بِأَفخَرِ حُلَّةٍ وأَلبِسوه، واجعَلوا في إِصبَعِه خاتَماً وفي قَدَمَيه حِذاءً" فالضياع أفقدَ الأبن الكرامة، كرامته كإبنٍ وكإنسان، ولن يتمكّن من الحصول عليها ثانية إلا بنعمة من الله الآب. لم يطلبها لأنه يعرِف أنه ألحقَ إهانة بالله عندما قرر الإبتعاد عن بيت الآب، لذا، لم يتجرأ ليطلبها ثانية، وكل ما كان يتمنّى هو أن يحظى بالقبول في بيت أبيه ثانية: "يا أَبتِ إِنِّي خَطِئتُ إِلى السَّماءِ وإِلَيكَ. ولَستُ أَهْلاً بَعدَ ذلك لِأَن أُدْعى لَكَ ابناً، فاجعَلْني كأَحَدِ أُجَرائِكَ"، فجاءت الرحمة نعمةً. 

الخطوة الثالثة في الرحمة الإلهية هي إنها مدعاة للفرح وليس للدينونة، فلم يُعاقِب الراعي الخروف الضال ولم يحاسب الآب إبنه، بل إحتفلوا بالعودة وكان الاحتفال عرساً. "وأتوا بالعِجْلِ المُسَمَّن واذبَحوه فنأكُلَ ونَتَنَعَّم، لِأَنَّ ابنِي هذا كانَ مَيتاً فعاش، وكانَ ضالاًّ فوُجِد. فأَخذوا يتَنَّعمون". وبذلك يكشف الله عن أمانتهِ في المحبّة، فهو محبة لن تتغيّر نتيجة خطيئة الإنسان. رحمة الله لا تتجاهَل واقع الخطيئة وتتنكر له، بل تتجاوزهُ؛ لتهبَ الإنسان بدايةً جديدة، لأنه الله، الرحيم والرؤوف قادرٌ على تجاوز أحكامهِ ويروِّض مشاعِر الغضب التي فيه تجاه الإنسان الذي خانهُ وعدّه ميّتاً: "أَعطِني النَّصيبَ الَّذي يَعودُ علَيَّ مِنَ المال"، ليُعامِله وفق احتياجاته الآنية مُستجيباً لواقعه المؤلِم، فيرحمه ويقبله فرحاً. 

ربّنا يسوع عاش الرحمة الإلهية وبيّن أن الرحمة هي التي تُفرِح قلبَ الله، وهو يدعونا اليوم لأن نؤمن بهذه الرحمة التي قبلتنا وغفرت لنا ووهبت لنا بداية جديدة وحياة وافرة. أمثال إنجيل اليوم تؤكد أن الجميع ضائعٌ وتائهٌ، وأساءَ استخدام حريّتهِ بحثا عن "متعةٍ وسعادة عابرة"، ولم يعرف أبوّة الله فأضاع كلّ شيء. الأبن الصغير تاه عن أبيه جسدياً والأبن الأكبر كان تائهاً عنه بالقلب. لكن الله الآب لا ينسانا ولا يتركنا أبدًا. إنه أب صبور ينتظرنا على الدوام، يحترم حريتنا ويبقى أميناً أبداً وعندما نعود إليه يستقبلنا كالأبناء في بيته؛لأنه لا يكفُّ أبداً عن انتظارنا بمحبة، وقلبه يعَيِّدُ كل ابن يعود إليه. يُعَيِّد بسبب الفرح، والله يفرح عندما يذهب إليه خاطئ من بيننا ويطلب مغفرته؛ لأن الله يُريدُ عودتَهُ إليه: "يَقولُ السَّيِّدُ الرَّبّ، لَيسَ هَوايَ أَن يَموتَ الشِّرِّير، بل أَن يَرجعَ عن طَريقِه فيَحْيا" (حزقيال 33: 11).

ربّنا ينتظرنا أن نعيش هذه الرحمة في تفاصيل حياتنا اليومية. نحن نُصلي يومياً: "أغفر لنا خطايانا كما نحن نغفر لمَن أخطأ إلينا"، فهل نقبل بفرحٍ غفران الله للقريب الذي أساءَ وأخطأَ وغفرَ له الله وأنعمَ عليه بالفرحِ؟ هل لنا الإستعداد للإنضمام إلى جماعة المحتفلين أم سنبقى خارج الدار. ربّنا يسوع لم يقل لنا إن كان الأبن قد شارك في الاحتفال أم لا، بل ترك الجواب لكلِّ واحدٍ منا. فما هو جوابنا اليوم؟

الأحد الرابع من الرُسل

رسالة الكنيسة: أَحِبُّوا ... أَحسِنوا ... وبارِكوا ... وصلُّوا (لوقا 6: 12- 46)

تواصِل الكنيسة نشرَ رسالة ربّنا يسوع المسيح التي فيها طلبَ من تلاميذه (ومن الكنيسة)، أن يروا العالم بعيون الله، الله الآب الذي يُحِب ويرحم ويغفِر ويُصالِح الإنسان، فيُبشروا بمحبتهِ الأبوية والرحومة. الآب الذي لا يُجازي الإنسان وفقَ سلوكيات حياته الخاطئة، بل يقبله بالرحمةِ. كيفَ تُعاش هذه الرحمة؟ وما جديد ربّنا يسوع الذي على الكنيسة أن تحملهُ إلى العالم؟ 

طالبَ الله شعبهِ، بعد أن وهبَ لهم الكلمات العشر: "كونوا لي قِدِّيسينَ لأَنِّي قُدُّوسٌ أَنا الرَّبّ، وقد مَيَّزتُكم مِنَ الشُّعوبِ لِتَكونوا لي" (أح 21: 26). وعلّم الكتبة والفريسيون ورؤساء الكهنة أن القداسة تتحقق بمحبّة الله ومحبّة القريب، من خلال طهارة الجسد ونقاوة الأفكار (الشريعة) تجاه الله وتجاه القريب. جديد ربّنا يسوع كان في كشفهِ عن صورة الآب الرؤوف الكثير الرحمة الذي أعلنهُ أنبياء العهد القديم، فعاشَ هذه الخبرة واقعاً مع الخطأة الذين جعلوا أنفسهم أعداء الله بخطاياهم، وخرجَ ليبحث عن الخاطئ ويُعدَّ له عُرساً. وعلى الكنيسة أن تستحضِر حياة ربّنا يسوع المسيح بشهادة حياة أبنائها، الذين لا يُحبون القريب وحدهُ، بل حتّى الأعداء الذين يُضايقونهم، وهم يحسنونَ إلى مُبغضيهم ويُباركون لاعنيهم ويُصلّون من أجل الذين يفترون عليهم كذباً. فلا ينتقمون لأنفسهم لهذه الإهانات، بل يقبلون الأعداء بإحترام ورحمةٍ، ويرفعون الصلاة من أجلهم لا لكي يُهلكهم الله بل ليُنير عقولهم ويعرفوه. 

صيغة التعليم تأتي ليس من معلّمٍ يُملي على مُستعميهِ ما تعلّمهُ هو، مثلما تعوّد اليهود سماعهُ من الكتبة والفريسيين، بل من شخصٍ ذي سُلطان، يكشِف لهم عن هويّة الله الآب، مّن هو؟ وما الذي سيحصلَ حقاً في قادِم الأيام. فما يُعلّمه ربّنا يسوع ليس "رغبة: هكذا اُريدكم أن تكونوا!"، بل "واقعٌ": هذه هي هويّتكم". تعليمهُ ليس أوامر يُمكن لتلميذه أن يختار الطاعة فيُطّبقها في حياته أو يرفضها. بل هو كشفٌ لأسلوب حياة التلميذ: هكذا يحيا تلميذُ المسيح حياتَه اليومية، فهو لا يغضَب ولا يحقد في قلبهِ على القريب ولن يسعى للإنتقام لنفسه، مثلما توصي شريعة موسى: "لا تُبغِضْ أَخاكَ في قَلبِكَ، بل عاتِبْ قَريبَكَ عِتاباً، فلا تَحمِلَ خَطيئَةً بِسَبَبِه. لا تَنْتَقِمْ ولا تَحقِدْ على أَبْناءِ شَعبِكَ، وأَحبِبْ قَريبَكَ حُبَّكَ لِنَفسِكَ: أَنا الرَّبّ." (أح 19: 17- 18)، بل يسعى ليواصل عيش البُشرى السارة التي بدأ مسيرتها ربّنا يسوع المسيح، فيُحبَّ أعداءَه ويُبارِك لاعنيه ويُصلي من أجل مُضايقيه، مثلما أن ربّنا يسوع الذي أحبَّ أعداءَه وصلّى من أجل مُضايقيه وصالبيهِ: "يا أَبَتِ اغفِرْ لَهم، لِأَنَّهُم لا يَعلَمونَ ما يَفعَلون" (لو 23: 34)، فحقق بالفعل ما علّمه للتلاميذ. 

محبّة الأعداء والإحسان إليهم والصلاة من أجلهم ومُباركتهم، هذا الواقع ليس رغبة بشرية إذاً، فنحن نميل عادة إلى مَن يتقاسم معنا الأفكار والتطلّعات والمشاعر، إلى أناس قريبين منّا ويفهموننا. قد يكذبون علينا بداعي مصالحَ شخصية ويُسمعوننا طيبَ الكلام، فنكون ضحيّة ريائهم، ولكننا نُفضل التواصل معهم، ونرفض مخالطة مَن يُخالف رأينا، ولا نُحِب أعداءَنا، بل نرفض التعامل مع مُضايقينا، ونغضب على كل مَن يفتري علينا الكذِبَ. ولكنّ ربّنا يسوع، كلّمة الله، يُريد أن تكون الكنيسة مكاناً يُستقَبل فيها كلُّ إنسان، وتعكس حضور الله الرحيم: "كونوا رُحماء كما أن أباكم السماوي رحيم". ربّنا يُريد من كنيستهِ أن تُحِب وتُحسِن وتُبارِك وتُصلي من أجل الأعداء، فتنضج في المحبّة وتنمو في الله، وتجعل حضوره ملموساً، لأنه محبّة. 

نحن إذن لسنا مدعوين لأن نختار ما بين: محبّة القريب أو رفضه (كرهه)، نجن مدعوون لأن نُحب فحسب، فليس لنا أختيار آخر سوى أن نُحِب. وهذا لا يعني أننا نتجاهل وننكر "أثرَ الشّر وتأثيره في حياتنا وفي علاقاتنا"، ولكن نقطة الإنطلاق في علاقاتنا الإنسانية ليست مبنيّة على تفضيلاتٍ شخصيّة، بل هي مؤسسة على حقيقةَ أن ربّنا يسوع، إبنُ الله، جعلنا أبناء الآب السماوي، وعلينا أن نتصرّف على مثالهِ: "وتكونوا أَبناءَ العَلِيّ، لِأَنَّهُ هو يَلطُفُ بِناكِري الجَميلِ والأَشرار"، فنتنازل عن حقّنا في الدفاع عن أنفسنا ونواصِل "الحُب والإحسان والصلاة والمُبارَكة". هذا ما يفعلهُ الله الآب، وهذا ما ينتظرهُ من أبنائهِ، وبذلك يتميّزون عن باقي الناس. فمحبّة الأعداء تُلّخص بشارة ربّنا يسوع، الذي عاشَ حقيقة هذه البُشرى فانحنى وغسلَ أقدام يهوذا الخائِن، الذي جعل نفسه عدوا لربّنا يسوع. 

ربّنا يُعلِن صريحاً: هناك أعداء ومُبغضون ولاعنون ومَن يفترون ويختلقون الفضائح كذباً عنّا، وهو لا يحكم عليهم ولا يدين سلوكياتهِم، فهذا شأن يعود إلى الله، هو الديان وليس لنا الحق في إبعاد الله عن كرسي الدينونة ونجلس نحن عليه: "لا تَدينوا فَلا تُدانوا". ربنا مُهتمٌ بشكل صريح بأسلوب حياتنا كتلاميذ له، وهو يُريد أن يكون فينا فكرُّ الله ومشاعرهُ. فالله هو أبونا، سواء كُنا رُحماء أم لا، وهو يبقى أباً حنوناً حتّى لو رفضنا المُشاركة في العُرس الذي يُحييه لعودة أخينا الخاطئ (لو 15: 29- 30). لذا، يُطالبنا ربّنا يسوع بأن نسعى لأن نعيش هوّيتنا: نحن أبناء الله، فنحن لا نُحِب الآخر لنُحقق رغباتنا ونُشبِع حاجاتنا، بل لنُحقق صورة الله فينا. الله الآب أحبّنا وغفرَ لنا، وجعلنا أبناء له بيسوع المسيح، وعلينا (روم 5: 8-10)، كجواب حُبٍّ لله الآب أن نُبادِل الآخرين هذه المحبّة التي لن تأتي عفوية بل تتطلّب الدخول في مدرسة يسوع للتعلّم والثبات على الطريق، وكبح مشاعر الغضب التي تولَد فينا إزاء سلوكيات الآخرين تجاهنا، وسنفشل مراراً وننجح أحيانا، لكننا واثقون بأنه لن يتركنا وحدنا في هذا الطريق، بل سيُنعِم علينا بما نحن بحاجةٍ إليه لنواصِل المحبة. 

الأحد الخامس من الرُسل

رسالة الكنيسة: أن تُبشّر بالعناية الإلهية (لوقا لو: 12: 13- 34)

طلبَ الأسكندر المقدوني الذي سيطرَ بجيوشهِ على أراضٍ شاسعةٍ من العالم، أن يحملَ أطباؤه نعشَهُ، وأن تُنثرَ أمامِ نعشهِ قطعٌ ذهبيةٌ، وأن تبقى يداه مفتوحتينِ خارج التابوتِ. 

فسألوه وما معنى ذلك؟ 

فقال: ليعرفَ الناس انه مهما حاولنا تجنّبَ الموت، فهو آتٍ لا محالةَ، ولن يُوقفهُ أشهر الأطباءِ، وأن ما جمعناه من مالٍ هباءٌ منثورٌ، وإننا ندخل الحياة ونخرجُ منها بيدين فارغتين. 

واجهت الكنيسة خطيئة "الطمع والقلق على الغد منذ بدءِ مسيرتها، فوعظت بمسيرة تُعاكِس مسيرة العالم الباحِث عن المزيد والمتخوّف من المُستقبل، فسعت لتُحقق رؤية "الملكوت" الذي بشّر بهِ ربّنا يسوع المسيح وعاشت حياة الشِركة في كل تفاصيلها لتكون إنموذج إيمان وحياة: "وكانَ جَميعُ الَّذينَ آمنوا جماعةً واحِدة، يَجعَلونَ كُلَّ شَيءٍ مُشتَرَكًا بَينَهم، يَبيعونَ أَملاكَهم وأَمْوالَهم، ويَتَقاسَمونَ الثَّمَنَ على قَدْرِ احتِياجِ كُلٍّ مِنْهُم" (أع 2: 44- 45). فلَم يَكُنْ فيهمِ مُحتاج، لأَنَّ كُلَّ مَن يَملِكُ الحُقولَ أَوِ البُيوتَ كانَ يَبيعُها، ويأتي بِثَمنِ المَبيع، فيُلْقيهِ عِندَ أَقدامِ الرُّسُل. فيُعْطى كُلٌّ مِنهم على قَدْرِ احتِياجِه. (أع 4: 34- 35). 

الطمع والقلق يُبعدنا عن الإيمان: "إِنَّ التَّقْوى كَسْبٌ عَظيمٌ إِذا اقتَرَنَت بِالقَناعة، فإِنَّنا لم نَأتِ العالَمِ وَمَعَنا شَيء، ولا نَستَطيعُ أَن نَخرُجَ مِنه ومَعَنا شَيء. فإِذا كانَ عِندَنا قُوتٌ كُسوَة فعَلَينا أَن نَقنَعَ بِهِما. أَمَّا الَّذينَ يَطلُبونَ الغِنى فإِنَّهم يَقَعونَ في التَّجرِبَةِ والفَخِّ وفي كَثيرٍ مِنَ الشَّهَواتِ العَمِيَّةِ المَشؤُومَةِ الَّتي تُغرِقُ النَّاسَ في الدَّمارِ والهَلاك، لأَنَّ حُبَّ المالِ أَصْلُ كُلِّ شَرّ، وقَدِ استَسلَمَ إِلَيه بَعضُ النَّاس فضَلُّوا عنِ الإِيمان وأَصابوا أَنفُسَهم بِأَوْجاعٍ كَثيرة" (1 طيمثاوس 6: 6- 10).وكان لدينا برنابا إنموذجاً للسخاء المُحِب (أع 4: 36- 37)، وحننيا وسفيرة مثالاً للتقوى الكاذبة التي ينقصها الإيمان الحقيقي بعناية الله الأبوية (أ 5: 1- 11). 

تُزاحِمُ الناس بعضها بعضاً طمعاً بالثروات، ويتقاتلون فيما بينهم حُباً بالمزيد منها، فعلّمَ ربّنا يسوع تلاميذه (الكنيسة) أن الحياة هي أعظمُ هبةٍ من الله للإنسان: "فقالَ لَه الله: يا غَبِيّ، في هذِهِ اللَّيلَةِ تُستَرَدُّ نَفْسُكَ مِنكَ"، في إشارة إلى أن الله هو الذي وهبَ وهو الذي يستردُ من الإنسان ما أودعهُ لديه. وأشارَ ربّنا بذلِك إلى ضرورة الإيمان بالعناية الإلهية والإستسلام إلى تدبيره والعيش متحررين من الخوف من "الغد"، واثقين أن الله، لأنه أبٌ مُحِب لن يتخلّى عنّا، وسيهبُ لنا ما نحن بحاجةٍ إليه. 

الإيمان بالعناية الإلهية ليس دعوة إلى الكسل، فعلى العصافير أن تواصِل الطيران والبحث لتأكل ما يهبهُ الله لها، وهي تُمجّد الله الخالق بذلك، كذلك على الإنسان، أن يترَك لله المجال ليكون إلهاً فيواصل الإنسان العمل فرحاً لا قلقاً. فالقلق على الغد يجعل الإنسان لا يستمتع باللحظة الحاضرة التي يهبُها الله له، فيزداد وتتفاقم مخاوفه. وهذا مايبعده عن العائلة والأصدقاء ويحرمهُ متعة التواصل معهم. الإيمان بالعناية الإلهية لا يعني التقاعس عن العمل تحدٍ لخطيئة الطمع والقلق وفضحِ أُسسها: فهي حالة عدم إيمان بالله الآب. فإذا كُنا نؤمِن بأن الله هو الآب؛ ونُصلي إليه: "أبانا"، فعلينا أن نُعطيه المجال ليكون: "أبانا" من خلال فعل الإيمان به واثقين بأنه لن يتركنا جياعاً أو عطاشاً أو عُراة، بل سيهبُ لنا ما نحتاجه في أوانهِ. ليكون فعل الإيمان دعوة للتحرر من هذا القلق والخلاص من خطيئة الطمع. العمل بحدّ ذاته ليس خطيئة، بل القلق الذي يزرع في قلوبنا الخوف من المُستقبل، ويُطفئ فينا شعلة الإيمان التي يجب أن تُنير العالم: يكفي الله هو للإنسان. 

الرغبة في الحصول على المزيد من المال، (الطمع)، والخوف من الغد تعني عدم الإيمان بأبوّة الله وعنايتهِ، فنظن أن الخيرات المادّية تولينا الراحة والآمان، وهذا شكلٌ من أشكال الاعتقاد الباطل، مثلما ظنَّ الغني الغبي في تفكيره الأناني في مواقفهِ. فعوض أن يكون غنياً بالله من خلال مُقاسمة الخيرات مع الفقراء والمحتاجين، راحَ يُفكِر في توسيع الأهراء معتقداً أنه بذلِك يستعد للغد ليواصِل التنعُم، متناسياً أن الله الذي وهبَ الحياة، سيهبُ معها قوتها لأنه يعرِف حاجات الإنسان، إن إستطاع الإنسان أن يكون حُراً، فيتوقّف عن النظر إلى ذاته والبحث عن إحتياجاتهِ، ويبدأ النظرِ إلى الحياة من حولهِ ليرى عجائب الله، ليكون سخياً في العطاء. 

"بلِ اطلُبوا مَلَكوتَه تُزادوا ذلك" ... "بيعوا أَموالَكم وتَصَدَّقوا بِها" ، ربّنا يسوع يُرشدنا من أين تكون البداية؛ الإهتمام بنشرِ ملكوت الله، ملكوت العدالة والرحمة والتضامن مع الآخرين. ملكوت نختبرهُ من خلال مواقف مُحبّة، فنٌشارِك الآخرين ما وُهِبَ لنا، لكي لا يكون بيننا مُحتاج أو فقير أو معوّز. وبالتالي. التغلّب على مشاعر الحسد والطمع والقلق على المُستقبل التي يدعو إليها ملكوت الإنسان، ملكوت الطمع والجشع والقلق، التي تدفعنا إلى ارتكاب الخطايا: الكذب والسرقة وقتل الآخر من أجل تأمين احتياجات الجسد. 

لذلك، يواصل تعليمه عندما قال: "... "بيعوا أَموالَكم وتَصَدَّقوا بِها"، فلا يكفي أن يكون لنا سخاءٌ في العطاء، بل أن نكون متحررين من رغبّة التملّك، إذ يُمكن للشخص أن يكون سخياً في العطاء ولكنه عبدٌ لثرواتهِ، وهذا ضلال وعوزٌ في الإيمان. ربنا يعرف أننا نبحث دوما عن المزيد، مع أننا لسنا بحاجةٍ إليه، لذا، يُريدنا أن نقف أمامه صادقين في صلاتنا: أبانا، ونحقق في حياتنا هذه الصلاة، من خلال الإيمان بعنايتهِ الأبوية، والتوقف عن معاداة الآخرين بسبب "شهوة مقتنيات القريب".

الاحد السادس من الرُسل

رسالة الكنيسة: الكرازة بالتوبة (لوقا لو: 12: 57- 13: 17) 

"أَقولُ لكم:لا ولكِن إِن لم تَتوبوا تَهِلكوا بِأَجمَعِكُم كذلِكَ". على الكنيسة أن تكرِز بضرورة التوّبة، وتواصِل العمل الذي شرع به ربّنا يسوع: "تَمَّ الزَّمانُ وَاقْتَرَبَ مَلَكوتُ الله. فَتوبوا وآمِنوا بِالبِشارة" (مر 1: 15)، والمطلب الأول الذي أوصى به بطرس الناس الذين سمعِوا عظتهُ الأولى كان: "توبوا، وَلْيَعتَمِدْ كُلٌّ مِنكُم بِاسمِ يسوعَ المَسيح، لِغُفْرانِ خَطاياكم، فتَنالوا عَطِيَّةَ الرُّوحِ القُدُس" (أع 2: 37). الفرصة مؤاتية الآن للتوبة، لتغيير الحياة والخروج من ظلمة الخطيئة إلى نور الله. والله، لأنه محبّة، قرر أن يُعطي الإنسانَ فرصةً أخرى؛ سنة إضافية، ليتوبَ إليه. فمع ربّنا يسوع بدأَ زمن التوبة الذي يجب أن لا يُؤَجّل إلى الغد. اليوم نحن مُطالبونَ بالتوبة، وبأن تكون لحياتنا ثمار صالحة. إلهنا وملكنا قرر أن يهبَ لنا فرصة جديدة لنتصاّلح معه ومع القريب، والمُصالحة تتطلّب ثماراً، فلا يكفي أن تكون أوراق الشجرة خضراء، بل يجب أن تكون الشجرة مثمرة، فتأتي توبتنا صادقة. 

التوبة تعني تغيير الفكر والعقلية والشعور والإرادة والعمل، بل كل كيان الإنسان، إعترافاً منه بأن حياته السابقة كانت خاطئة، وهو مُستعد ليقبلَ الحياة الجديدة التي تأتيهِ من الله، فيعيش هويّتهُ الحقيقية "إبنُ الله"، ويحمل حُبَّ الله إلى عالمهِ. هو لا يعني أنه بالخطيئة عصى وصايا الله وتجاوز القوانين، بل رفضهُ أن يكون إبناً في بيتِ الآب. شعوره بأنه أهانَ محبّة الله: "يا أَبَتِ، إِنِّي خَطِئتُ إِلى السَّماءِ وإِلَيكَ" (لو 15: 21). من هنا نفهَم لماذا يشعر القديس عادة بأنه أكثر الناس خطأة، بعد أن اكتشف محبّة الله له بيسوع المسيح، وعرِف كم أنه بعيد عن هذا الحُب، وكأنه غُصنٍ إنقطعَ عن الشجرة التي كانت تمدّهُ بالحياة.  

التوبة ليست إذاً التوقف عن الخطيئة، بل قبول البُشرى السارة، سُكنى الله بيننا بيسوع المسيح. أن لا تُخطئ لا يعني أنّك إنسانٌ صالحٌ وأنّك تسير وفقَ إرادة الله. التوبة تعني أن تكون "مسيحاً آخر" من خلال شهادة حياتِك. فالمسيحية ليست عقيدة أخلاقية، بل دعوة لمُشاركة الله حياتَه، لذا، يُقدِم لنا ذاتهُ في الافخارستيا فنحيّا به. نحن مدعوون إذاً إلى التوبة، والتوبة فعلُ إيمان، أن نقول نعم للبُشرى السارة التي يوجهها الله إلينا بيسوع المسيح: "أَمَّا الَّذينَ قَبِلوه وهُمُ الَّذينَ يُؤمِنونَ بِاسمِه فقَد مَكَّنَهم أَنْ يَصيروا أَبْناءَ الله" (يو 1: 12)، وأن نبدأ بحياة مسيحية تبرهن عن مصداقيتها بثمار التوبة. 

إلهنا قرر بمحبتهِ أن يهبَ لنا عطية الروح القدس لنكون أبناء الله الصالح الذي أحبّنا أولاً، ومحبتهُ قرّبتّنا منه، وأعادت إلينا الحياة التي كانت قد إنقطعت عنّا بفعل إرادتنا: "نحن مَن قرر الابتعاد عنه والهرب من الآب" (الابن الضآل). محبّة الله وغفرانهِ جعلت التوبة ممكنة ليعيش الإنسان حياة الشُكر والآمتنان لله الذي أحبّه وقبلهُ إبناً محبوباً. فيتحوّل، وبفضلِ النعمة، من إنسان يبحث عن ذاتهِ ليُخدم، إلى إنسان يبحث عن الآخرين ليخدمهم تلبيةً لنداء ربّنا يسوع: "اِذْهَبْ فاعمَلْ أَنتَ أَيضاً مِثْلَ ذلك" (لو 10: 37)، فيبدأ بمحبّة الله من كل القلب وكل النفس وكل القوّة وكل الذهن، ليصل إلى القريب (لو 10: 27)، من دون أن تتجزأ هذه المحبّة، بل تكون صادقة وصافية نقيّة. 

بعضنا يعتقِد أن أهمّ شيء في حياة الإيمان هو أن يكون الإنسان صالحاً، لا يُخطئ ويعمل من أجل عالم إنساني أفضل أكثر عدالة وإنصافاً، وكأن محبّة الله تُترجَم من خلال محبّة القريب. ولكنّ المسيحية لا تبدأ منّا، بل من عند الله: "وما تَقومُ عَلَيه المَحَبَّة هو أَنَّه لَسنا نَحنُ أَحبَبْنا الله بل هو أَحَبَّنا 
فأَرسَلَ ابنَه كَفَّارةً لِخَطايانا" (1 يو 4: 10)، لتكون العلاقة معه، حياةٌ مع الذي أحبنّا أولاً ويدعونا لأن نُشاركهُ حياته. المسيحية ليست "قائمة توصيات وأوامر أخلاقية"، بل هي حياة مع الله: "إِنَّ الَّذينَ يَنقادونَ لِرُوحِ الله يَكونونَ أَبناءَ اللهِ حَقًّا. لم تَتلَقَّوا روحَ عُبودِيَّةٍ لِتَعودوا إلى الخَوف، بل روحَ تَبَنٍّ بِه نُنادي: أَبًّا، يا أَبَتِ! وهذا الرُّوحُ نَفْسُه يَشْهَدُ مع أَرواحِنا بِأَنَّنا أَبناءُ الله. فإِذا كُنَّا أَبْناءَ الله فنَحنُ وَرَثة: وَرَثَةُ اللهِ وشُرَكاءُ المسيحِ في المِيراث، لأَنَّنا، إِذا شارَكْناه في آلامِه، نُشارِكُه في مَجْدِه أَيضًا" (روم 8: 14- 17). هذه البنوّة تهبُ لنا الشجاعة لنواصِل المحبّة من دون أن تتأثّر بموقف الآخر منّا، تماما مثل الذي يواصِل محبتهِ، بل يحوّل له الخّد الآخر عندما يضربه على خدّ اليمين (متّى 5: 39). 

التوبّة إذن هي فعل إيمان، توقفٌ عن الخطيئة، وبدءُ حياة الشِركة مع الله. فلا يُمكن لنا أن نواصِل الحياة متوهيمنَ أننا أفضل من جميع الناس بسبب تقوانا مثلما صلّى الفريسي (لو 18: 10- 14). أو السعي لأن نجعل من تقوانا فرصة لنيل مديح الناس وإكرامهم، فنستغل حياة الإيمان التي تُريد أن تأخذنا إلى خدمة الله والقريب، أن تكون في خدمتنا. التوبة تعني أن نعيش بساطة الأطفال الذين يقفون أمام والديهم واثقين من محبتهم ومُستسلمين كلياً إليهم مثلما أنشدت أمنّا مريم (لو 1 :46 – 52). التوبة تعني عدم البحث عن السلطة والغنى إلهاً يُعبَد، والابتعاد عن القلق بشأنِ الغد: "لا يُهِمَّكُم لِلعَيشِ ما تَأكُلون، ولا لِلجَسدِ ما تَلبَسون، لِأَنَّ الحَياةَ أَعظَمُ مِنَ الطَّعام، والجَسَدَ أَعظَمُ مِنَ اللِّباس" (لو 12: - 22- 23)، وطلب ملكوت الله (12: 31). فالتوبة هي تخلٍ يومي عن "ملكوت الإنسان"، والسير بأمانة نحو "ملكوت الله". فليس الأنا هو المهم، بل الله هو الأهم، لأننا مجربون يومياً بنداءات تجذبنا بعيداً عن الله.  

اليوم، يُبشرنا ربّنا يسوع بأن لنا سنة أخرى، فلنتأمل كيف سنحيا هذه السنة؟ ما الذي سنُغيّره في حياتنا؟ لمَن سنعتذِر؟ ومَن سنسامِح وسنغفر له؟ إلى أي إنسان ستقدم محبّة مُضاعفة نعويضاً عن إهمالِك إياه؟  

الأحد الثالث من الرُسل

رسالة الكنيسة: الرحمة أفعال وليست أقوال (لوقا 10: 25- 37)

تواصِل الكنيسة نشرّ "البُشرى السّارة" وتُؤكِد على ما علّمهُ ربّنا يسوع من أن الله يُريد من الإنسان أن يكون رحوماً مثلما هو رحيمٌ، وأن يُعامِل الآخرين بالرحمة فيكون شهادة حيّة لفاعلية "البُشرى السّارة" في حياته وفي حياة الآخرين. وفي إنجيل اليوم واجه ربّنا يسوع تساؤلات عالم الشريعة التي أرادَ فيها إحراجَه فأرادَ يسوع أن يجيب عليهِ من خلال مثل السامري الرحيم، وبالسؤال: لا تسأل مَن هو قريبي؟ بل قريبُ مَن أنت؟ فالقريب ليس المجروح الذي تتعطّف عليهِ، بل هو أنت في مواجهةِ احتياجات الناس وألمهم، فترى وتُصغي وتَّتخذ موقفاً مسؤولاً منها. فيأتي جديدُ ربّنا يسوع ليُرشدنا إلى أن محبّة الله والقريب لا تنطلِق من رغبة شخصيّة لإشباع حاجّة فينا، بل تنطلِق من حاجةِ الآخر الذي يتطلّب منّا إنتباهاً وإصغاءً وقدرة على الشعور بالرحمة تجاهه (أشفقَ عليهِ)، والتحرِك بشكل فاعلِ لتغيير واقعهِ المُؤلِم فيواصِل الحياة بكرامةٍ. فتأتي المحبّة دعوة ونداءٌ من الآخر موجهةٌ إليَّ بشكل شخصي، لتُخرِج كل الخير والإحسان الذي خلقهُ الله فيَّ، لأنه خلقني على صورته ومثالهِ، فهو الخير (تك 1: 28)، لأحقق إنسانيّتي، مُدرِكاً أن الرحمة هي أفعالٌ (مُحبّة ومجّانية) وليست أقوالاً فارغة. 

لنعد ونتأمل في قصة السامري الرحيم؟ فمعلمُ الشريعة أرادَ أن يُحرِجَ ربّنا يسوع فسألهُ: يا مُعَلِّم، ماذا أَعملُ لِأَرِثَ الحيَاةَ الأَبَدِيَّة؟ ليرى هل سيأتي بما هو جديد فيستحِق كل هذه المكانة والشهرة بين الناس؟ أم سيُناقِض الشريعة وتكون هذه فرصة للإطاحةِ به؟ 

وعلم يسوع ما يدور في ذهن عالِم الشريعة، فأعاد السؤال بسؤالٍ آخر، ووجه سائله ليقرأ الشريعة بعيون واهبها، الله. والمطلوب ليس تطبيق بنود الشريعة بحرّفيتها، بل أن تكون في خدمةِ الإنسان، فليس بمقدور أحدٍ أن يُتمّها ما لم يكن مُستعداً لأن يقبلها نعمةً ومسؤولية. وتبدأ هذه المسيرة من كون الإنسان حُراً ليُحِب: "أَحبِبِ الرَّبَّ إِلهَكَ بِكُلِّ قَلبِكَ، وكُلِّ نَفسِكَ، وكُلِّ قُوَّتِكَ، وكُلِّ ذِهِنكَ وأَحبِبْ قَريبَكَ حُبَّكَ لِنَفسِكَ". الإنسان الأناني بحُبِ ذاته، والذي يبحث عن إشباع رغباتهِ والمحبوس في أفكاره ورؤياهُ لن يكون حُراً بكفاية ليرى "جديد الله"، ويُحِب مثلما يجب أن يُحِب. وهذا واضح من أسلوب حياة الكاهِن واللاوي، فلكل منهما مشروع للحياة: لقاء الله، ليكون لهما صيتٌ حسنٌ ومكانةٌ متميّزة وسط شعبهما، وهكذا تتحقق سعادتهما. كانا مؤمنان بأن هذا اللقاء يتحقق في الهيكل، سُكنى الله، وعليهما أن يكونا مُستعدين لهذا اللقاء بطهارِة الجسد فلا يمُسان ما هو نجس، الجثّة مثلاً فجعلا من الشريعة طريقاً لتحقيق هذا المشروع، وإلتزما بها حرفياً. والرب لم يدنهما على ذلك، ولكنهما لم يَنعما باللقاء الذي كانا يطمحان إليه. وأما السامري، مع أنه غريب عن الديار بل عدوٌ للمُستمعين، فلم يختلِف عنهما فيما يُريد لحياتهِ، فلهُ هو أيضاً مشروعه الحياتي الخاص، ولكنه مشروع منفتحٌ لجديد الله. 

فجأة ظهَر على طريق حياتهم إنسانٌ مجروح بأمسّ الحاجة إلى المُساعدة، إذ كان جريحاً مُهان ومتروكاً بين حيِّ وميّت بسبب شرّ الآخرين وجشعهم. هذا الإنسان كان نداءً ودعوة موجهة إلى المارين الذين كانوا أحراراً قادرين على الإجابة بـ "نعم" أو "لا". حضور هذا الإنسان باغَتَهم ولم يكن بمقدورهم التغافُل عن منظره أو والتظاهر بعدم رؤيتهِ، فمثل هذا الموقف هو كذبٌ وإفتراء. أنت رأيتَ وسمعِت أنينَ هذا المجروح، وعليك أن تتّخذ موقفاً إزاء ما تراهُ وتُصغي إليهِ. فإن ملتَ بعيداً عنه (مثلما فعل الكاهن واللاوي)، فسيموت، وتكون أنت مسؤولاً عن ذلِك، فلستَ أفضل من الذين ضربوه وجرحوه بحثاً عن أمواله وسعادتهم، وإن إنحنيتَ نحوه "رحوماً مُعتنياً" (مثلما فعلَ السامري) فسيحيّا وستكون أنت سببَ خلاصهِ: أنت مُخلصهُ، أنت الماشيحا بالنسبة إليه. 

المحبّة بالنسبة لربّنا يسوع المسيح، ليست "عاطفة وشعوراً وإنجذاباً" تنطلِق منّا نحو الآخر، بل هي وصيةٌ وواجبٌ: "أُعْطيكم وَصِيَّةً جَديدَة:أَحِبُّوا بَعضُكم بَعضاً. كما أَحبَبتُكم أَحِبُّوا أَنتُم أَيضاً بَعَضُكم بَعْضاً. إذا أَحَبَّ بَعضُكُم بَعضاً عَرَف النَّاسُ جَميعاً أَنَّكُم تَلاميذي" (يو 13: 34- 35). فتكون المحبّة فعل رحمة مجّانياً وليس تأملاً وتعليماً، ولم يحاول السامري أن يعرّف بنفسه للمجروح. الرحمة، بحسبِ تعليم ربّنا يسوع، ومثلما اختبرها هو، ليست تعاليم بل هي تكريسُ الحياة لخدمة الآخر، خدمةٌ سخيّة حتّى بذل الذات. إنحناءٌ نحو الآخر، وتعاطفٌ مع حاجاتهِ: أنت مُحتاجٌ لأن أغسلَ لكَ قدميك: و"إِذا لم أَغسِلْكَ فلا نَصيبَ لَكَ معي" (يو 13: 8). رحمة تتطلّب وقتا وجهداً: إيقافٌ لمسيرة الحياة وإنحناء نحو المجروح وصرف الزيت والخمر؛ مؤونةَ الطريق، واستخدام كل ما هو شخصي (دابتهُ) من أجل إنقاذ حياة المجروح. 

الكنيسة التي إنطلقت في يوم العنصرة لتنشر البُشرى السارة التي صارت لنا بيسوع المسيح، يجب أن تلتفِت نحو الناس، ولا سيما الفقراء والبؤساء، وتُصغي إلى آلامهم واحتياجاتهم الأساسية، ألا وهي: الله. للكنيسة مشروع واحدٌ فقط وهو مشروع الملكوت الذي تحقق بيسوع المسيح، وعندما تنظر إلى العالم بعيون الله، عيون الرحمةِ، ستُلاحِظ كم من الناس تُركوا أحياءً جسدياً ولكنهم أمواتٌ روحياً. فعلى الكنيسة (علينا) أن نعي ونفَهَم أن رغبتنا في السعادة وفي تقديس ذواتنا، يجب أن تمر من خلال خدمةِ الآخرين، وليست لتحقيق رغباتٍ وتطلّعات شخصية: "وأُكَرِّسُ نَفْسي مِن أَجلِهمِ لِيَكونوا هم أَيضاً مُكَرَّسينَ بِالحَقّ" (يو 17: 19). هذا هو معنّى عبارة: "أَحبِبِ الرَّبَّ إِلهَكَ بِكُلِّ قَلبِكَ، وكُلِّ نَفسِكَ، وكُلِّ قُوَّتِكَ، وكُلِّ ذِهِنكَ وأَحبِبْ قَريبَكَ حُبَّكَ لِنَفسِكَ". فالآخر هو الله الذي خرجَ للقائنا بالشكل الذي اختاره هو لنا، وليس مثلما يحلو لنا أن نراه ويسألنا أن نكون "قريبا" له.

الأحد الثاني من الرُسل

رسالة الكنيسة: الرحمة مقابل النميمة (لوقا 7: 31- 50)

إنطلقت الكنيسة إلى العالم حاملة رسالة المسيح بدافعٍ من الروح القُدس: "ولكن المؤيد، الروح القدس الذي يرسله الآب باسمي هو يعلمكم جميع الأشياء ويذكركم جميع ما قلته لكم". وعلى الكنيسة أن تُقدِم للعالم ما علّمهُ ربّنا يسوع وعملهُ، فلن تأتي بتعليم جديد. وتعليمهُ الأول والأهم هو: "الله محبّة. وهذهِ المحبة تقبلُ الجميع لاسيما الخاطئين"، فمَن يؤمِن بهذه المحبّة ويتوبُ ينالُ نعمةَ الغفران، ولن يُستثنّى أحدٌ من هذه النعمة. هذه المحبّة تستبقُ كل مبادرة يقوم بها الإنسان، بل تُطالِبُ الإنسان بإستجابة مماثلة، فتضحى محبّةُ الإنسان جواباً سخياً على محبّةِ الله التي بادَرت وانتشلتهُ من ضياعهِ ووهبت له حياة جديدة. هذا ما أكدَّ عليه ربّنا يسوع في المثل الذي قدّمهُ لسمعان الفريسي الذي فَهِمَ الدَرسَ وأجابَ بالصواب لكنه، بسبب قساوة قلبهِ، لم يتمكّن من تلبية متطلبات هذا الدرس شأن ما فعلتهُ المرأة التي اقتحمَت المجلس وسجدت عند قدمي يسوع. هذه المرأة الخاطئة أحبّت كثيراً، وعبرت عن محبّتها العظيمة بسخاءٍ. هي مؤمنةٌ بأن الله أحبّها بيسوع المسيح وإستقبلها على نحوٍ لم تتوقّعهُ، بخلاف سمعان الفريسي الذي كان يودّ طردها من المجلس. 

زار الله شعبهُ زيارة خاصّة تحمل الكثير من الحب والمودّة. زاره ليتقاسم معه الغذاء على نفس المائدة. فحضور ربّنا يسوع في بيت سمعان الفريسي يجب أن يُفهَم مثل زيارة الله حاملاً الخلاص والفرح للبيت، حتّى لو كان هناك عوزٌ في الضيافة من قبل الإنسان، مثلما قال للذي دعاه للمأدبة. لم تنتقد المرأة الخاطئة سمعان الفريسي بسبب نقص الضيافة هذا، بل راحت تُكملُ النقص بتواضعٍ وجعلت كلّ هيبتها (شعرها) ومالها تحت أقدامِ المُخلِص، وسمحَت لربّنا بأن يتحدّث عنها أمام الحاضرين، فجعلت من هذا اللقاء لقاء صلاة صادِق. هي لا تحتاج إلى كلمات تقولَها لربّنا عن نفسها، بل تؤمِن بأنه يعرفها جيداّ، وهي مؤمنة بمحبتهِ لها. فقررت أن تبدأ مسيرة التوبة من عند قدميهِ، وتكون شاهدة لغفران الله لها الذي قبلتهُ مجاناً من النبي- المسيح يسوع. لقد عرِفت حقاً إلى من تلتجئ، فلم تذهب عند الفريسي لأنها كانت تعرِف أنه سيطردها لكونها خاطئة- نجسة، بل إرتمت عند قدمي ربّنا يسوع مؤمنةً بمحبتهِ التي تتجاوز عن خطاياها. هي تعرِف أن قلب الإنسان أقسى من أن يقبلها، وكانت تُدرِك خطورة المسيرة للقاء ربّنا يسوع، ولكنّها لم تُبالِ بشيء سوى بلقائهِ. 

محبّة الله أعظمُ من خطايا الإنسان. بهذا الإيمان والرجاء دخلَت هذه المرأة بيت سمعان الفريسي غير مُباليةٍ بإنتقادِ الناس ورفضهِم لها، ووصلت حيث يجلُس ربّنا يسوع وسجدتَ تغسل قدميه بدموعها وتمسحهما بشعرها. بخطايا فقدت كرامتها، وبحضورها عند قدمي ربّنا إستعادَت كرامة "إبنة الله الآب". وأرادَ ربّنا يسوع أن يجعل هذا اللقاء فرصة فيها يدعو سمعان الفريسي إلى الإنفتاح على "الخلاص" الذي حلَّ في بيتهِ. ربّنا يسوع أشارَ إلى سمعان الفريسي أنه ليس أكثر نزاهةٍ من المرأة، فهو خاطئٌ أيضاً، وعليه أن يترُك لله مهمّة دينونة الناس، ويقبَل نعمةَ الغفران المجّاني الذي صارَ للجميع بيسوع المسيح. وهكذا، تأتي توبة الإنسان لا إدعاءً بإستحقاقٍ، بل جواباً من الإنسان على نعمة الله التي بادَرت وغفرت للجميع خطاياهم قليلة كانت (خمسونَ ديناراً) أو كثيرة (خمسمائة دينار). 

وهناك المزيد في هذا اللقاء. ربّنا يسوع تجاوزَ لسمعان الفريسي عن نقص الضيافة وأشارَ إلى خطيئة النميمةِ التي اقترفها الفريسي، وذلك ليس عن طريق التوبيخ بل في "شكل المحبّة التي ينتظرها الله منهُ". لقد شاهَد سمعان الفريسي عظيمَ محبّة المرأة وسخاءَ القلبِ الذي لم يكن هو مُستعداً لأن يُقدمهُ للضيّف المُميّز: المعلم يسوع الناصري. وعوَضَ أن يتوبَ ويعوّض عن ذلك، صبَّ جام غضبهِ على المرأة فراحَ يُفكِر في خطاياها لا في محبتها، فعبّرَ إلى الوثنية لأنه تنكّر لوجود الله وجعل نفسه الديّان الذي يُحاكِم الناس ويحتقرهم، وأرادَ بتفكيره هذا أن يمنعَ ربّنا يسوع من استقبال المرأة لأنها خاطئة ونجسة، أرادَ أن يتحكّم بمواقف ربّنا يسوع وقراراتهِ. ولأنه جبانٌ مثل كل النمامين عادة، لم يكن له الشجاعة ليُفصِح علناً عن أفكارهِ، وفي حالةِ سمعان الفريسي فهو يُناقِض نفسه، فهو من جهةٍ يُقيمُ مأدبة في بيتهِ لأصدقائه، ومن جهةٍ أخرى يُقدِم نفسه "نماماً" يُفكِر بالسوء في الآخرين ويسعى إلى الحطّ من كرامتهم، ويقول سفر الأمثال: "إِنْسانُ الخَدائع يُثيرُ الخِصام والنَّمَّامُ يُفَرِّقُ الأَصحاب" (16: 28).فالنمام يدمّر العلاقات الإنسانية ويُنهيها لأنه يزرع الشكوك بين الناس، ويُصبح هو نفسه شخصاً غير موثوقٍ به، فالجميع يتساءَلون: "ما الذي سيقوله عنّا في غيابنا". فعلينا أن نُصلي يومياً مع المزمزّ: "أَقِمْ يا رَبِّ حارِسًا على فَمي وراقِبْ بابَ شَفَتَيَّ"، لئلا تنطق شفاهنا بالسوء: "لا تَخرُجَنَّ مِن أَفْواهِكم أَيَّةُ كَلِمَةٍ خَبيثَة، بل كُلُّ كَلِمةٍ طيِّبةٍ تُفيدُ البُنْيانَ عِندَ الحاجة وتَهَبُ نِعمَةً للسَّامِعين" (أفسس 4: 29). 

لقاء ربّنا يسوع اليوم بسمعان الفريسي وبالمرأة الخاطئة دعوةٌ لنا إلى التوبة، وهي رسالةُ الكنيسة التي تحملها للعالم أجمع: "الله الآب ينتظركُم ومحبتهُ تتجاوز لكم خطاياكم، ورحمتهُ تستقبلكم بفرحٍ، فتوبوا إليه".

عيد العنصرة (الأحد الأول من الرسل)

رسالة الكنيسة: أن تُحدِثَّ الناس عن يسوع المسيح 

(يوحنا 14: 15- 16، 25- 26/ 15: 26- 16: 4)

احتفل شعبُ إسرائيل بعيد العنصرة مُستذكراً حدث إقامة العهد في سيناء حيث أعطى الله الشريعة: الكلمات العشر، لتنظّم شكل العلاقة التي تربط الله بشعبه والإنسان أخيه الإنسان. واستلم الشعب هبة الشريعة وإنغلقَ على نفسهِ متوهماً أَنه الأفضل بسبب اختيار الله له، وانغلقَ على الله مكتفياً بالشريعة. عوض أن تكون عطيّة الله دافعاً وانطلاقةً نحو الآخرين حاملين رسالة الخلاص: "أخترتُكم لتكونوا نوراً للأمم"، أضحت، بسبب أنانية الإنسان فرصة للتفاخر، بل حافزاً للصعود وإزاحة الله والإستيلاء علىمكانتهِ مثلما حصل مع جماعة برج بابل (تك 11: 1-9). والأمرُ الأهم الذي سيقوم به الروح القُدس هو أن يذكر الُرسل: "بعمل ربّنا يسوع" الذي كان عمل محبّة تجاه جميع الأمم، وعليهم أن يتعلّموا أولاً محبّة الأخوة مثلما هو أحبهم، محبّة حتّى بذلِ الذات. وهذه المحبّة ستجعلهم يفهمون بعضهم بعضاً حتّى لو إختلفوا في الطباع والجنس والأعراق واللغة، فالجميع اليوم يفهَم ما قاله الرُسل. هذه المحبّة تنمو في تربة التواضع، وتنتعِش من خلال الحضور معاً، والصلاة معاً بعيداً عن روح التنافس التي تخلق الإنقسامات داخل الجماعة، وتقتل فرص الحياة فيها. 

ولأن إلهنا وملكنا محبّة، قرر النزول إلى الإنسان ليرفعهُ إليه بيسوع المسيح، الذي انحدرَ حتى ركع امام رُسلهِ وغسل لهم أقدامهم. لذا، فالشريعة الجديدة التي يريدها اللهلشعبهِ هي: شريعة المحبّة: "إن كُنتُم تُحبوني"، فمحبّة الله تسبُق الوصية وتفترضها، إذ لا يُمكن أن يكون لنا محبّة الأبناء لأبيهم ما لم تتأسس على "المحبّة"، هذه المحبّة التي نتقاسمها مع الاخوة والأخوات من خلال "الكون معاً في الصلاة"، وهذا ما طلبهُ ربّنا يسوع من رسُلهِ: "كانوا يواظبون جميعاً على الصلاة بقلب واحد، مع بعض النسوة ومريم أم يسوع ومع إخوته" (أع 1: 14). فالصلاة معاً هي أول الأنشطة التي طلبها ربّنا يسوع من تلاميذه مؤكداً على أهمية نقطة الإنطلاق: الله. فالكنيسة ليست مشروع الرُسل، بل مشروع الله الذي يستلمها الرُسل مسؤوليةً وإلتزاماً، في مجابهة صريحة لأنانية الإنسان وتكبره الذي يعتقد أنه صاحبُ المشروع ومالكهُ، وهذا ما يدفعهُ إلى تدمير الآخرين وتدمير نفسهِ بسبب مشاعر الحسد التي تجعله شخصاً غضوبا يُثير في الآخرين مشاعر الخوف ويخلق الإنقسام لأنه يُريد السيطرة على مجريات الأحداث والتحكم بحياة الآخرين. 

اليوم، يبعث الله روحهُ، محبتهُ لتُرشِدَ التلاميذ والكنيسة فيجمَع ما كان مُشتتاً ويُقرِّب البعيدين ويخلق جواً من التفاهم بين المختلفين، لأن المحبة تجّمع وتجعل الإنسان يشعُّ، لذا، فألسنةُ النار التي تنزل على التلاميذ لا تُحرقُهم بل تجعلهم أكثر تشبُهاً بالله، أكثر محبّة. تُحرِق فيهم كل ما يعيق توهج المحبّة: الأنانية والكذب والخداع والرياء والفساد ورغبة التسلط والتملُك التي تجعل الإنسان ينغلق على ذاتهِ فيُعادي نفسه والآخرين. نارٌ تُحرِق أشكال الخطيئة وتُبطِل الخوف الذي يمنعُ الإنسان من أن يكون صادقاً في استجابتهِ لدعوة الله له. وهكذا تتطهّر علاقة الإنسان مع الله الآب ومع أخيه الإنسان، غير خائفٍ أو متردد من إلتزامات هذه العلاقة، التي تتطلّب تخلّيات عديدة، وإستعدادات إستثنائية لمواجهة رفض العالم لمثل هذا الروح: "سيفصلونكم من المجامع بل تأتي ساعة يظن فيها كل من يقتلكم أنه يؤدي لله عبادة." (يو 16: 2). 

هذه هي متطلّبات الإنتماء إلى شعبّ الله الجديد: الكنيسة، أن يكون فينا فكرُ المسيح، وأن نعمَل تحت إرشاد الروح لنجعلهُ حاضرا ًفي حياة العالم: "ولكن المؤيد، الروح القدس الذي يرسله الآب باسمي هو يعلمكم جميع الأشياء ويذكركم جميع ما قلته لكم". ربنا يسوع المسيح اختار الكنيسة والروح القدس ثبّتها، فالروح القدس لن يأتي بما هو جديد، لأن الله قالَ كل ما كان يريد أن يقولهُ بيسوع المسيح، بل جاء يُذكِرّ التلاميذ (الكنيسة) بما قالهُ ربّنا يسوع وعملهُ من أجل أن يتمجّد اسمُ ربّنا يسوع: " فمتى جاء هو، أي روح الحق، أرشدكم إلى الحق كله لأنه لن يتكلم من عنده بل يتكلم بما يسمع ويخبركم بما سيحدث، سيمجدني لأنه يأخذ مما لي ويخبركم به". وعلينا أن لا نتوقّع قبولاً من العالم لنا، لأننا سنقدِم لهم ربّنا يسوع المسيح، وليس أنفسنا أو أفكارنا ومُخططاتنا. 

نحن مدعوون اليوم إلى الصعود نحو العُلية، العُليّة التي وهبَ فيها ربّنا يسوع المسيح جسده ودمه للتلاميذ، ينالون اليوم هبّة الروح القُدس. نحن مدعوون لأن نقبلَ ربّنا يسوع في أفخارستيّتهِ ونسمحَ للنار التي أرادَ أن يُلقيها على الأرض بأن تضطرم فينا (لو 12: 49)، وتُحرِق فينا كل مشاعر التنافس والمُخالفة التي تُبعدنا عن الآخرين. نارٌ تجمعنا في الصلاة معاً وتخلُق فينا مساحة لقبول الاخرين في تفهّم ومسامحة. علينا أن نتجنب الرغبة في "أن نخلقُ الآخرين على صورتنا ومثالنا"، ونسمح لروح الله بأن تجعل صورة الله المحبّة تشعُّ فينا وأن يكون لإرادة الله الكلمة الأولى والحاسمة في حياتنا فتعطينا قلبا جديداً ولساناً ولغةً تُقربّنا من الآخر. فمحبة الله تجعلنا أكثر قُربا منه وأكثر تضامنا مع الإنسان: الأخ والقريب. محبة الله ستجعلنا نُحدِث الناس عن يسوع المسيح، وهذا لن يُخيفهم مثلما يحصل عندما نُحدِثهم عن أنفسنا وأفكارنا ورؤيتنا. فلنُصلِ إلى الروح القُدس ليُذكّرنا بكل ما قاله ربّنا يسوع وعملهُ، ونحدّث الناس عنه.  

 

الأحد الثاني من القيامة (الأحد الجديد)

"طوبى لِلَّذينَ يؤمِنونَ ولَم يَرَوا" (يو 20: 19- 31)

كلما قُرئَ علينا هذا الإنجيل يتركّز اهتمامنا حول توما وشكوكهِ متناسين أن الإنجيلي يوحنّا كان مُهتماً بالبشارة بربّنا يسوع المسيح، الذي كشفَ عن نفسهِ مرّة أخرى إنه الراعي الصالح والمُحِب والذي يعرِف خرافه وهو قريبٌ من حاجاتهم، فتراءَى للتلاميذ وسجناء الخوف، ووهب لهم ما كانوا بحاجة إليه: "السلام"، ومنح لهم الروح القُدس ليبدؤا رسالتهُم في العالم، ثم عاد وظهرَ لتوما ليُثبتهُ في الإيمان، ويسمع منه مجاهرة إيمان شخصي: "ربّي وإلهي"، مثلما ظهرَ لمريم المجدلية وسمِع منها مجاهرة إيمان شخصي أيضاً: "رابوني أي يا مُعلمي"، وجعلَ منها رسولة قيامتهِ. 

حظي التلاميذ على رؤية ربّنا يسوع القائم من بين الأموات "وأَراهم يَدَيهِ وجَنبَه"، وفرحوا لِمُشاهَدَتِهمِ له بغياب توما الذي لم ينعَم بهذه المشاهدة، فطالبَ بها، وعبّر عن موقفهِ من قيامة ربّنا يسوع: "إِذا لم أُبصِرْ أَثَرَ المِسمارَينِ في يَدَيهِ، وأَضَعْ إِصبَعي في مَكانِ المِسمارَين، ويدي في جَنْبِه، لن أُومِن". فعلى الصليب كشفَ الله عن عظيمَ محبتهِ للإنسان. وحضرَ ربّنا يسوع بين تلاميذه، وتوما معهم، ولبّى طلبهُ دون أن يُوبخهُ بسبب عدم إيمانهِ بشهادة الرُسل، مثلما لم يوبّخ تلاميذه لأنهم لم يؤمنوا بشهادة مريم المجدلية، فأغلقوا الأبواب عليهم خوفاً من اليهود. إيمان توما هو أمرٌ مهم بالنسبة لربّنا يسوع من شروط الإيمان التي وضعها توما، فأعطى له علامة الإيمان التي طلبها، ودعاه ليرى ويؤمِن، فجاهرَ بإيمانهِ على نحو شخصي: "ربّي وإلهي". 

محبّة ربّنا يسوع لتلاميذه لم تنتهِ عند موتهِ، بل واصلَ رعايتهُ لهم ولكل الكنيسة التي تؤمِن بالبشارة من خلال البركة التي أعلنها أمام التلاميذ: "طوبى لِلَّذينَ يؤمِنونَ ولَم يَرَوا". محبتهُ كراعٍ جعلتهُ يمّر عبر الأبواب المغلقة التي حبَس التلاميذ انفسهم خلفها خوفاً من اليهود. جاء ربّنا يسوع، وهو "بابُ الخراف" (يو 10: 9)، ودعاهم ليدخلوا ويخرجوا فيه ومن خلاله ليجدوا المرعى (الحياة). فالأبواب البشرية تحبُس الإنسان الخائفِ، أما باب يسوع فيُحرر الإنسان للحياة لأنه بابُ المحبة التي تقبل الإنسان مثلما هو وتحضر إلى جانبهِ حيثما يكون. وعادَ ربّنا يسوع وتراءَى للتلاميذ وتوما معهم، ومرّ عبر الأبواب المغلقة بسبب شكوك توما، ليفتح بابَ الإيمان للجميع: "طوبى لِلَّذينَ يؤمِنونَ ولَم يَرَوا". فالقيامة لا تُحررنا من مخاوفنا وشكوكنا، بل تجعلنا رُسلاً نشهدُ لمحبتهِ ونُبشِّر بالغفران الذي صار لنا نعمةً: "خُذوا الرُّوحَ القُدُس. مَن غَفَرتُم لَهم خَطاياهم تُغفَرُ لَهم، ومَن أَمسَكتُم عليهم الغُفْران يُمسَكُ علَيهم". 

لم تكن ترائيات ربّنا يسوع لإثبات قيامتهِ فحسب، بل هي إعلان بدءِ رسالة الكنيسة، بدءُ الإرسال لمواصلة عمل ربّنا يسوع: الغفران. فمن خلالنا يُريد ربّنا يسوع أن يمّر عبر القلوب المُغلَقَة بسبب الخوف والشكوك، ويُظهِر لهم أيضاً عظيمَ محبّة الله الآب لهم. فروحهُ هو فينا ويخلقنا من جديد مثلما نفخَ الله في آدم وصارَ نفساً حيةً: "ونَفخَ في أَنفِه نَسَمَةَ حَياة، فصارَ الإِنسانُ نَفْسًا حَّيَة" (تك 2: 7). والشهادة للخلق الجديد تكون عندما نمنح الآخرين الغفران، فالغفران علامة على حضور القائم من بين الأموات فينا، وانتصار محبّة الله بيسوع المسيح، وعدم الغفران إشارة إلى أننا ما زلنا تحت سُلطان الخطيئة، سجناء الحزن والألم والغضب تجاه الآخرين. هذه هي رسالة الكنيسة: إعلانُ محبّة الله بيسوع المسيح في لقاءٍ شخصي معه من خلال التأمل في إنجيليهِ وفي شهادة الذين آمنوا به: "وإِنَّما كُتِبَت هذه لِتُؤمِنوا بِأَنَّ يسوعَ هو المسيحُ ابنُ الله، ولِتَكونَ لَكم إِذا آمَنتُمُ الحياةُ بِاسمِه". فما كُتبَ ليس ليكون تاريخاً، بل ليتسامى بالتاريخ ويسمهُ بوسمٍ إلهي فيكون للإنسان ملءُ الحياة بربّنا يسوع المسيح. 

قيامة ربّنا يسوع دعوة لنا جميعاً لأن نفتح أبواب قلوبنا المُغلقَة لأسباب كثيرة (خوفُ وإرتيابٌ وتكاسلٌ وفتور حماس الإيمان ويبوسةٌ روحية، شعورٌ بغياب الله ...)، وتنكشِف أمام نورِ المسيح يسوع ويُنير ظلمتها ويزرع فينا كلمة الإيمان به، فيتحقق اللقاء معهُ في ومن خلال الكنيسة (جماعة التلاميذ) مثلما حصلَ مع توما. لقاء يتعزز بأمانتنا له، هو الربُّ والإله: "ربي وإلهي"، فهذا ليس إعلان إيمان فحسب، بل مُجاهرة ستُكلّف توما حياتهُ، إذ عليه بدء مسيرة التبشير بالمسيح الذي أحبّهُ ولم يتركهُ ضائعاً في شكوكه، بل حضرَ إلى جانبه وقت الشّك (الظلمة) وثبّتهُ في الإيمان. هذه المجاهرة الإيمانية تهبُ لنا سلام القائم من بين الأموات الذي لا يقوى عليه خوفٌ أو حزنٌ أو شكُّ.

الصفحة 1 من 15