المواعظ
%PM, %19 %882 %2019 %23:%كانون2

الأحد الثاني من الدنح - ربّنا يسوع: نور العالم

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الأحد الثاني من الدنح

ربّنا يسوع: نور العالم (يو 1: 1- 28)

تأمل يوحنّا الإنجيلي في تدبير الله الخلاصي الذي صارَ لنا بيسوع المسيح. لقد إستجابَ لدعوة ربّنا له ورافقه تلميذاً، وأحبّه على نحو خاص ومالَ إلى صدره في العشاء الأخير فوجّه حياتهُ كلياً نحو ربّنا يسوع (يو 13: 25). وعظ بالبُشرى الساّرة وكتبَ إنجيلهُ ليتقاسم مع الكنيسة خبرة الإيمان، وكتبَ في إفتتاحية إنجيليه مُقدمةً مجّد فيه عظيمَ تدبير الله الذي كشفَ عن محبتهِ لنا بيسوع المسيح؛ كلمتهُ منذ الأزل. وحاول من خلال سردِ أحداث الإنجيل شرحَ معنّى هذه المُقدمة. بشّرنا أنه الحياة، النعمة والحق، "النُّورُ الحَقّ الَّذي يُنيرُ كُلَّ إِنْسان آتِياً إِلى العالَم". ولكن الإنسان، ومثلما قال ربّنا يسوع لنيقوديموس الذي زاره ليلاً: "أَنَّ النُّورَ جاءَ إِلى العالَم ففضَّلَ النَّاسُ الظَّلامَ على النُّور لأَنَّ أَعمالَهم كانت سَيِّئَة. فكُلُّ مَن يَعمَلُ السَّيِّئات يُبغِضُ النُّور فلا يُقبِلُ إِلى النُّور لِئَلاَّ تُفضَحَ أَعمالُه. وأَمَّا الَّذي يَعمَلُ لِلحَقّ فيُقبِلُ إِلى النُّور لِتُظهَرَ أَعمالُه وقَد صُنِعَت في الله" (يو 3: 19- 21). فنسأل: لماذا يُفضّل الإنسان البقاء في الظلمة ويرفض النور؟ وما هي الأعمال التي يخاف الإنسان من أن تُفضَح حتّى أنه يتهّرب من نور الحقيقة؟ هل يتحدّث ربّنا يسوع عن "أفعال خاطئة" أم "واقع خاطئ" نعيشهُ؟

"النور" الكلمة الأولى التي نطقّ بها الله: "ليكن نور"، فكان نور" (تك 1: 3)، وعندما يحلّ الله الكلمة بيننا يُقدِم ذاتهُ نوراً لحياتنا يُضيءُ الظلمةَ التي يختبرونها، وينتظر إستجابتنا له، أي أن نخرجَ إليه من الواقع الذي نحن فيه؛ الظلمة، إلى حيثُ يُريدنا أن نكون؛ النور. في إنجيل يوحنّا كل لقاء حصل وقتَ الظلمة لم يكن له عواقبَ طيّبة، فيهوذا خرجَ من العشاء الأخير في الليل وسلّمَ ربّنا يسوع لرؤساء الكهنة وشيوخ الشعب (13: 30)، وقبضوا على ربّنا في الليل (18: 1- 11)، وأنكره بطرس في الليل (18: 11- 27). في المقابل لدينا قصّة لقاء ربّنا يسوع مع السامرية وقد جرى في وضحِ النهار، عند الظهيرة (يو 4: 1- 42)، وقد حظيت بنعمةِ الخلاص وصارت مُبشرّة له، فبيّنت لنا أن النعمة ننالها لنتقاسمها مع الآخري لا لنحتفِظ بها.

عند الظهيرة، حيث الشمس والنوّر في أوجهِ وصل ربّنا يسوع عند بئر يعقوب وجلس ليرتاح من تعب الطريق، الطريق الذي يمّر وسط مدينة سيخاره وهي مدينة سامرية والذي كان يجب على كل يهودي تقي أن يتجنّب المرور فيه، وهذا ما لن يفعلهُ ربّنا يسوع، لأنه جاء لأجل هذا الغرض، جاء ليُخلّص الخاطئ، وجلوسهُ يعني الثبات الاستقرار، يعني إنه مُستعد ليُعلّم ويُرشد. نحن نعلم أنه وبعد كل لقاءٍ عند البئر هناك فرحٌ وعُرسٌ، هذا ما نقرأه في الكتاب المُقدس، حيث إلتقى كبير خدم إبراهيم برفقّة زوجة إسحق (تك 24)، ويعقوب براحيل (تك 29: 9- 14) وموسى بصفورة (خر 2: 16- 22)، فإذا جلس ربّنا يسوع عند البئر فمعناه أنه يرغب في الإرتباط بالإنسان من أجل تقديسه مثلما شبّه بولس العلاقة ما بين المسيح والكنيسة: "أَيَّها الرِّجال، أَحِبُّوا نِساءَكم كما أَحَبَّ المسيحُ الكَنيسة وجادَ بِنَفسِه مِن أَجْلِها لِيُقدَسَها مُطهِّرًا إِيَّاها بِغُسلِ الماءِ وكَلِمَةٍ تَصحَبُه، فيَزُفَّها إِلى نَفْسِه كَنيسةً سَنِيَّة لا دَنَسَ فيها ولا تَغَضُّنَ ولا ما أَشْبهَ ذلِك، بل مُقدَّسةٌ بِلا عَيب" (أفسس 5: 25- 27).

وصلت المرأة بمفردها حاملّة جرّة ماء، وعادة كانت النسوة تأتي إلى البئر كمجموعةٍ باكراً عند الصباح أو عند المساء، أما أن تأتي هذه المرأة وحيدة وعند الظهيرة فهذا يعني أنها كانت خاطئة ومرذولة إضافة إلى كونها سامرية، وكان يجدر بربّنا يسوع أن لا يتحدّث إلياه، ولكنه لأجل ذلك حلَّ بيننا، جاء ليهبَ النعمة والحق. بادرً ربّنا وطلبَ منها أن تسقيهه ماءً، فمثلنا أننا عطشى إليه: "كما يشْتاقُ الأيَلُ إِلى مَجاري المِياه كذلِكَ تَشْتاقُ نَفْسي إِلَيكَ يا أَلله" (مز 42: 2)، هو أيضاً يشتاق إلى محبّتنا لذا طلب منها أن تسقيهِ ماءً. رفضت، فسألها أن تسألهُ هو ماء الحياة؟ وصار يُحدّثها لتتشجّع وتلقي جرّتها عميقاً لا في البئرِ بل في حياتها الفوضوية، فسألها: مَن هو زوجك؟ مَن هو الذي يُسيّر حياتِك؟ لمَن تصغين؟ أسئلة أرادَ ربّنا من خلالها أن تبدأ هذه المرأة مسيرة التعّرف على ذاتها: أين أنت؟ وما هو توجّهكِ في الحياة وجاء الجواب: ليس هناك في حياتي مرجعية فهي تنتقل من واقع إلى آخر، تبحث عن الراحة والسعادة مع هذا الشخص أو ذاك، مع هذا الواقع أو ذاك من دون أن تصلَ إلى "إشباع"، بل تشعر بفراغٍ أكثر ألماً، فكشفَ لها ربّنا أنها تعيش واقعاً فوضوياً وعليها أن تُقرر الآن أن تتخلّى "الآن" عن هذا الواقع، ليس فحسب، وتتبعهُ، وهذا ما حصل، فتركت كل ما تملّك: "الجرّة"، ودخلت المدينة لتُبشِر به من دون خوفٍ: "هَلُمُّوا فَانْظُروا رَجُلاً قالَ لي كُلَّ ما فَعَلتُ. أَتُراهُ المَسيح؟" نالت الغفران وكانت مُستعدةّ لتقدمه بمحبّة وبشجاعة للجميع.

أول خطوة إذاً بإتجاه النور إذاً هي الشجاعة للقاء يسوع، أن أنكشِف أمامه مثلما أنا وأن أسمح لنوره لأن يُضيء كل خفايا حياتي من دون خوفٍ. أن نسمحَ له بأن يُحاورنا صريحاً ويكشِف لنا: مَن نحن؟ وإلى أين نحن منه؟ معرفة الذات ليست ضمن معالجات نفسيّة من أجل قرارات شجاعة في الحياة أو التخلي عن سلوكيات خاطئة والبدء بسلوكيات جديدة، بل هي بالنسبة لنا: لقاء صريحٌ مع ربّنا يسوع ليُعرّفني بذاتي: أين أنا منهُ، فهو الحياة الحق؟ ليكشِف لي، وبنورهِ، عن تدبيره لحياتي: ما هي رسالتي؟ معرفة الذات ليست من أجل العودة إلى الذات، بل من أجل الخروج نحو ربّنا يسوع، نحو الآخرين مُبشرين إياهم بالخلاص الذي صار لنا بيسوع المسيح.

قراءة 940 مرات آخر تعديل على %AM, %10 %389 %2019 %11:%شباط

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *