المواعظ
%PM, %12 %877 %2019 %23:%كانون2

الأحد الأول من الدنح - ربّنا يسوع المسيح: مُخلص العالم

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الأحد الأول من الدنح

ربّنا يسوع المسيح: مُخلص العالم (لو 4: 14- 30)

أثارّ ربّنا يسوع غضبَ أهل الناصرة في أول لقاء جمعهُ بهم. فالجميع كان يشهد له ويُعجَب من كلام النعمة الذي يخرجُ من فمهِ وكانوا يتأملون منه الكثير، ولكنه إصطدمَ معهم إذ كشفَ لهم أن الماشيحا لن يكون "مُخلّصهم وحدهم" بل هو مخلّص العالم كلّه مثلما بشّر الملاك الرُعاة: "لا تَخافوا، ها إِنِّي أُبَشِّرُكُم بِفَرحٍ عَظيمٍ يَكونُ فَرحَ الشَّعبِ كُلِّه" (لو 2: 10). إعترض كل الذين في المجمع على هذا الموقف، وحاول ربّنا يسوع إقناعهم بأن الله أرسل إيليا النبي إلى أرملة صرِفة، مع أنه كان هناك أرامل كثيرة في بيت إسرائيل، وكذا الحال مع نعمان السوري، وكان له أن يذكر كيف أن الله أرسل يونان النبي إلى أهل نينوى. ولكنهم رفضوا الإصغاء إليه وحاولوا قتلهُ لكنّه تخلّص منهم مُبيناً لهم أنه هو الذي يُقرر مصيره وليس هم.

ونسأل هنا، لماذا ذكرّ ربّنا يسوع أرملة صرفة ونعمان السوري؟ ومَن العبرة من هاتين القصتين؟

أظهرَت أرملةُ صرفة، وهي الوثنية، إيماناً متميزاً بالله (1 مل 17: 7- 16). مرّت ثلاث سنوات على المجاعة في إسرائيل، وأمرَ الله إيليا بالذهاب إلى صِرفة في صيدون، هناك وجدَ أرملة تجمع الحطب لتعدّ طعاماً لها ولأبنها لتأكلهُ وتموت. طلبَ منها النبي إيليا أن تُعطيه كل ما تملُك من الدقيق والزيت، ووعدها بأن الدقيق والزيت لن ينقُص من بيتها، فأطاعت هذا الغريب: "فمَضَت وأَعَدَّت كما قالَ إِيليَّا وأكَلَت هي وهو وأَهلُ بيتِهِا أيَّامًا. وجرَةُ الدَّقيقِ لم تَفرُغ وقارورَةُ الزَّيتِ لم تَنقُص، على حَسَبِ كَلام الرَّبِّ الَّذي تَكلمَ بِه على لِسان إيليَّا" (17: 15- 16). فبيّنت موقف إيمان إكراماً لكلمة الله التي جاءت على لسان النبي إيليا. في فقرها وعجزها لم تحتفِظ لنفسها بشيءٍ حتّى القليل الذي تملكهُ، فأعطت لتنال الوفّرة.

وكذا الحال مع نعمان السوري (2 مل 5: 1- 19) الذي كشفَ عن تواضعٍ وإيمان بإله إسرائيل على نحوٍ لم يُظهره ملكُ إسرائيل نفسها الذي خافَ ولم يتكّل على الله وقتّ الشدّة. كان نعمان ضابطاً مشهورأً في جيش آرام عانى من البرص. أخبرتهُ خادمتهُ أن في إسرائيل (السامرة) نبياً عظيماً سيشفيه، فسمِعَ بكل تواضعٍ لخادمتهِ وخاطِب ملكهُ والذي بدورهِ أرسل إلى ملكِ إسرائيل طالباً تقديم العون لنعمان، فألتقى إليشاع النبي والذي أرسلهُ ليغتسِل بمياه نهر الأردن سبع مرات، وعمِل بما أوصاهُ النبي ونالَ الشفاء وعاد ووقفَ أمام النبي إليشاع ممجداً الله: "هاءنذا قد علمتُ أن ليس في الأرض كلّها إلهٌ إلاَّ في إسرائيل". وأخذ كومة ترابٍ، من تراب أرض إسرائيل، ليتعبّد لإله إسرائيل فقط.

في أولِ لقاء مع الناس في الناصرة بشّر ربّنا يسوع أن رسالتهُ هي إعلانُ محبّة الله المجانيّة للجميع من دون إستثناء، لاسيما للفقراء والمهَمَشين والمأسورين الذين ضاقت بهم الحياة. هذه البُشرى تنتظر إستجابة إيمان بطولية وتواضعٍ صادق أمام الله فتهبَّ له كلَّ شيءٍ. أي، أن تتعلّم أسلوب الله في العيش: العطاء بمحبّة مجّانية. فإن لم نتعلّم هذا الأسلوب سنقع في خطيئة "الحسد" التي أختبرها اليهود الذين كانوا في المجمّع عندما عرفوا أن ربّنا يسوع سيتوجّه بالبُشرى لغير اليهود. اختيار الله لهم أضحى امتيازاً لا رسالة، وهو الذي دعاهم منذ البدء ليكونوا نوراً للأمم: "أَنا الرَّبَّ دَعَوتُكَ في البِرّ أَخَذتُ بِيَدِكَ وجَبَلتُكَ جَعَلتُكَ عَهداً لِلشَّعبِ ونوراً لِلأُمَم لِكَي تَفتَحَ العُيونَ العَمْياء تُخرِجَ الأَسيرَ مِنَ السِّجْن الجالِسينَ في الظُّلمَةِ مِن بَيتِ الحَبْس" (إش 42: 7). التمركّز على الذات (حبُّ الذات) قادهم إلى الغيرة والحسد ودفعهم إلى رفضِ ربّنا يسوع التهجّم عليه والرغبة في التخلّص منه بإخراجه خارج المدينة في إستباقٍ لما سيحصل في أورشليم، وسيتكرر هذا المشهد مع إسطيفانوس (أع 3: 14- 15)، حسد المتدينين هو أبشع أنواع الحسد وأكثرهم تطرفاً وعنفاً وعلينا التنبّه له في حياتنا الإيمانية لاسيما في نظرتنا لمَ، هم مختلفون عنّا في السلوك أو في الإيمان.

لا يكفي إذاً الإعجاب بربّنا يسوع مثلما تعجّب أهل الناصرة، المطلوب هو القُدرة على الإصغاء إليه والإيمان به والتتلمُذ له (الطاعة له)، مؤمنين أنه يحمل لنا وللجميع: بُشرى الله السارة، وهي ليست تعاليم بشرية قابلة للنقاش، كما يعتقد البعض أن بإمكاننا تفسير كلام ربّنا يسوع وفقَ الظروف والمكان والزمان. تعليمهُ هو من الروح القدس الذي حلَّ عليه يوم العماذ ومدّه بالقوة ليواجه تجارب الشيطان وأرسله للكرازة، ونحن مدعوون لا إلى سماع كلامهُ فحسب، بل الى الإصغاء إليه والطاعة له حتّى وإن خالَف ما نعتقده صحيحاً أو جاء معترضا لما نرغبهُ ونريدهُ.

هذا ممكن لمَن يشعر بفقره الروحي ويُقرُّ بتواضعٍ أنه عاجز عن مواصلة الحياة بقواه الذاتية، ويُصلي إلى الله الآب طالباً الرحمة. لذا، يُمكن للفقراء والمأسورين والعميان والمظلومين الشعور بقُربِ الله منهم بيسوع المسيح، والإستجابة لدعوتهِ على مثال بطرس ومتّى وبولس، فهؤلاء كان لهم مهنةُ ومال وصيتُ حَسَن، ولكنّهم كانوا يتطلعون لما هو أسمى من المال والعلم والمكانة، كانوا يبحثون عن الله فوجدوا أن الله ينتظرهم. كانوا على مثال ربّنا يسوع قادرين على "الإفلات" من يدي مبغضيه لأنهم كانوا أحراراً من كل تعلّق، حتّى من أفكارهم ومعتقداتهم وتصوراتهم، فالأهم كان دعوة الله لهم بيسوع المسيح: "إِلاَّ أَنَّ ما كانَ في كُلِّ ذلِكَ مِن رِبْحٍ لي عَدَدتُه خُسْرانًا مِن أَجلِ المسيح، بل أَعُدُّ كُلَّ شَيءٍ خُسْرانًا مِن أَجْلِ المَعرِفَةِ السَّامية، مَعرِفةِ يسوعَ المسيحِ رَبِّي. مِن أَجْلِه خَسِرتُ كُلَّ شَيء وعدَدتُ كُلَّ شَيءٍ نُفايَة لأَربَحَ المسيحَ" (فيلبي 3: 7-8).

قراءة 59 مرات آخر تعديل على %AM, %10 %389 %2019 %11:%شباط

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *