المواعظ
الأحد, 23 أيلول/سبتمبر 2018 13:05

الأحد الخامس من إيليا والثاني من الصليب - قلّة إيماننا: إستجابة إلهنا

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الأحد الخامس من إيليا والثاني من الصليب

قلّة إيماننا: إستجابة إلهنا (متى 17: 14 – 21)

يروي لنا الكتاب المُقدس أن موسى غضبَ جداً على الشعب عندما نزل من جبلِ سيناء حاملاً كلماتِ العهد العشر، وصُدِمَ بسبب قلّة إيمان الشعب الذي صنعَ له صنماً يعبدهُ (خر 32: 15- 20). وها إنَّ ربّنا يسوع ينزل من جبل التجلي ليواجه قلة ايمان التلاميذ والشعب فغضبَ هو ايضاً. الأب المُسكينُ حزينٌ قلقٌ على مصيرِ إبنهِ، فجرّبَ كل الطُرقِ المتاحةِ أمامهُ، وطلبَ من تلاميذ ربّنا يسوع أن يُساعدوه، ولكنهم عجزوا عن طردِ الشيطان منه. قلّة إيمان التلاميذ جعلتهم عاجزين عن فعلِ شيءٍ أمام هذا الشيطان الذي استحوذ على هذا الصبي، على الرغم من أن ربّنا أعطاهم سلطاناً على الأراوح النجسة ليطردوها (متى 10: 1، 8). هذا الفشل أثارَ في نفوس الناس العديد من التساؤلات، بل احرج كثيراً ربّنا يسوع وبشارتهِ : ما مدى مصداقية هذه البشارة؟

لكّن السؤال الذي يطرح نفسهُ هو: لماذا فشل التلاميذ في طرد هذا الشيطان؟ وكان هذا السؤال الذي طرحوه على ربّنا يسوع: لماذا فشلنا؟ فكان الجواب: لقلّة إيمانكم! وهذا الإيمان ليس تلقائياً ولا يُمكن الإستخفاف به: أنا تلميذ يسوع فالشفاء ممكن! أنا مسيحي فانا مُخلَّص؟

قلّة إيمان الرُسل سببت حرجاً كبيراً لربّنا يسوع: "جئتُ بهِ إلى تلاميذكَ، فما قدروا أن يشفوه"، بل كانت سبب استمرارِ ألمِ هذا الصبي. قلّة إيماني أنا كمسيحي أو قوّتهِ سيُؤثّر إيجابا أو سلباً في حياة الناس والعالم. لذا، يُواجهنا ربّنا يسوع المسيح بحقيقة أن ألمَ العالمِ من حولنا ليس بسبب غلبةِ الخطيئة والفساد، بل بسبب قلّق إيماننا ولربما إنسحابنا عن مسؤوليتنا، فالعالم يتألم لأننا كمسيحيين لسنا مؤمنينَ كما يجب. لسنا مؤمنين الى درجة أن نُرضي إلهنا!

هنا نسأل: ما الإيمانُ؟ وما معنى أنني أؤمن؟

الإيمان، كما تُعلّمنا أُمنا الكنيسة هو أن أخضعَ بكليّتي إلى كلمة الله التي تدعوني إلى أن أشهدَ لمحبتهِ لي وللعالم والتي تجلّت في ربّنا يسوع المسيح. نحن لا نؤمنُ بمُعتقداتٍ بل نؤمنُ بشخصِ يسوع المسيح الذي كشفَ لنا حقيقةَ إنسانيتنا: إننا أبناء الله الأحباء، وعاشها ليكون الأول بيننا: بكرنا.

الإيمان هو القبول الحُر لكلّ الحقيقة التي أوحى بها الله، وهذا لن يكون إلا إذا منحنا الله النعمةَ لنؤمِن مثلما أعلنَ ربّنا لبطرس عندما شهدَ له بأنه إبن الله الحي (متى 16: 17)، وهكذا نخصص حياتنا كلها لله لنُكمّلَ إرادتهُ في حياتنا وحياة مَن هم من حولنا. فالايمان هو فعلُ العقل والإرادة معاً، وهو يفتح عقولنا لنفهمَ أكثرَ فتقوى علاقتنا بالله الذي دعانا إلى الإيمان به. لذا فقد ربطَ ربّنا يسوع المسيح الإيمان بالصلاة. فالتلاميذ كانوا واثقين من قوتهم حتى نسوا العودة إلى الله، وظنّوا أنهم قادرونَ على طردِ الشيطان دون الصلاةِ إلى الله، لأن الإيمان بالله هو العلاقة مع الله، وهذه العلاقة تحيا بالصلاة إليهِ دوماً واستحضاره في حياتنا. وكثيرة هي المرات التي نتناسى فيها ذكرَ الله مُعتمدين على قوّتنا وذكائنا فحسب. يروي لنا آباؤنا الروحيون أن أباً كان ينظر إلى طفله ِالصغير وهو يُحرّك حجرةً كبيرة وتبيّن أنه غير قادر على ذلك فبدأ بالبكاء! سألهُ أبوه: هل جرّبتَ كلَّ قوتِكَ يا بُني؟ فأجاب الطفلُ: نعم يا أبي! فردَّ أبوه ولكنّك لم تسألني المُساعدة. وصلاتنا هي دعوتنا ليكونَ إلهنا سيّدَ حياتنا دوماً، وإلا فعالمنا سيبقى رازحاً تحت آلام كثيرةٍ.

فإذا كان عالمنا يتألم، وإذا إزدادَ صُراخُ من هم من حولنا بسبب عذاباتهم، فهذا ليس بسبب خطاياهم فحسب، بل بسبب قلّة إيماننا نحن أبناء الله وتلاميذ يسوع المسيح وهياكلُ الروح القُدس. فإيماننا لم يكن صلاةً الى الله، ولم يكن متسماً بالمحبة. والأخطر من كلَّ ذلك أننا نحسبُ أن فعلِ الإيمان هو قرارٌ شخصيٌّ منعزلٌ عن الكنيسة، متناسينَ أننا لسنا نحن مَن أوجدنا الإيمان بل أُعطي لنا لنُسلّمهُ نحن أيضاً الى غيرنا. لذا، نُعلنُ في كلِّ قُداس: نؤمنُ، فلسنا نحنُ مَن يؤمن، بل الكنيسة هي التي تؤمن وهي التي ولدتني بالعماذ لأكون إبنها، وهي التي تُغذي إيماني وتقويهِ، وهي التي سلّمت إليَّ وإليكَ وإلينا جميعاً وديعةَ الإيمان لننشرها بشارةً، لا أن ندفنها في الأرضِ خوفاً.

تدعونا الكنيسة اليوم، نحن الذين نحمل هذا الكنز العظيمَ، لأن نشهدَ لإيماننا بنوعيةِ حياتنا، لنكون جيلَ إيمان، فترانا ننحني خجلاً أمام ربّنا الذي يرى كمَّ الشياطين التي بدأت تضربُ حياتنا وعوائلنا ومجتمعنا ونحن نصرخُ: هو الشرُ والخطيئة، من دون أن يكون لنا جُرأة الرسل لنسألهُ: لماذا عجزنا نحن عن طرده؟ كلنا واعونَ بالشياطين التي بدأت تُحارب براءة أولادنا وتجرّهم إلى إنحرافاتٍ وأمراضٍ صعبةٍ من دون أن يُثيرَ ذلكَ حتّى تساؤلاً حول مصيرهم ومُستقبلهم! كلنا يُشاهدُ يومياً أين يجرنا هذا العالم، ونحو أي متاهاتٍ يُضيّعنا، فصرنا جُبناء وضعفاء حتّى درجة اللامُبالاة، وهي إنتحارٌ بل قتلٌ لمسيحيتنا. نحن نعرِف أن ضعفنا وجُبننا وتكبرنا وإهمالنا لله ولإرادته سببُ كلِّ هذه الأوجاعِ، فلنتب مُصلينَ: قوِّ يا ربُّ إيماننا بأفعالِ حياتنا المُحبّة التي تنتظرها منّا. إجعلنا قريبينَ منك، ومُدَّ يدكَ الشافيةَ نحونا.

قراءة 85 مرات آخر تعديل على الأحد, 30 أيلول/سبتمبر 2018 13:09

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *