المواعظ
الأحد, 16 أيلول/سبتمبر 2018 12:50

الأحد الرابع من إيليا والأول من الصليب - "اِتْبَعاني أَجعَلْكما صَيَّادَيْ بَشر"

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الأحد الرابع من إيليا والأول من الصليب

"اِتْبَعاني أَجعَلْكما صَيَّادَيْ بَشر" (متّى 4: 12- 5: 16)

عندما بدأَ ربّنا يسوع رسالتهُ اختار له تلاميذ ليكونوا معه ويُشاركوه حياة القداسة. اختارهم ليكونوا حيثما هو يكون وهكذا يُدخلهُم في علاقتهِ مع أبيهِ: "أَحمَدُكَ يا أَبَتِ، رَبَّ السَّمَواتِ والأَرض، على أَنَّكَ أَخفَيتَ هذه الأَشياءَ على الحُكَماءِ والأَذكِياء، وكَشفتَها لِلصِّغار. نَعَم يا أَبَتِ، هذا ما كانَ رِضاك. قد سَلَّمَني أَبي كُلَّ شَيء، فما مِن أَحَدٍ يَعرِفُ الابنَ إِلاَّ الآب، ولا مِن أَحدٍ يَعرِفُ الآبَ إِلاَّ الابْن ومَن شاءَ الابنُ أَن يَكشِفَه لَه" (متّى 11: 25- 27). لقد دعاهم إلى تغيير حياتهم تغييراً جذرياً ويقبلوا هويّتهم الجديدة: "اِتْبَعاني أَجعَلْكما صَيَّادَيْ بَشر". ولا يُمكن الفصل بين الدعوة وما ينتظرهما من مصير، وعلى التلاميذ أن يكونوا أمناء في الإستجابة لهذه الدعوة. لم يدعهم ربّنا إلى إلتزامِ مهمّة أو رسالةٍ فحسب، بل الأهم هو دعوتهُ لهم ليُقدّسهم: "كونوا قديسين لأني أنا إلهكم قدوس" (أح 11: 45). وقداستهمُ مؤسسة على مقدار محبتهم الجذرية لله الآب: "أَحبِبِ الرَّبَّ إِلهَكَ بِكُلِّ قلبِكَ وكُلِّ نَفْسِكَ وكُلِّ ذِهِنكَ وكُلِّ قُوَّتِكَ" (مر 12: 30)، وإخلاصهَم للذي دعاهم.

أمام هذهِ الدعوة المجّانية والنداء الحاسِم: "اتبعني" لابد من جواب يتوافّق والدعوة التي دُعيَ إليها التلاميذ. هذا الجواب يتطلّب التخلي الجذري عن كلَّ شيءٍ ليكون المدعو برفقةِ ربّنا يسوع دوماً: "فتَركا الشِّباكَ مِن ذلك الحينِ وتَبِعاه" ... فَتَركا السَّفينَةَ وأَباهُما مِن ذلك الحينِ وتَبِعاه". لقد إستجابا لدعوة ربّنا يسوع لهما بإيمان نزيه ودون شروط: "لقد تركا كل شيءٍ"، ليكونا معهُ دون أن يطلبا ضماناتٍ مثلما أن الذي دعاهم قدّم الدعوة بأيادٍ فارغة. انهما واعيان لحقيقة أنهما يجب أن يعيشا حياة التطويبات، أو أن يكونا نوراً للعالم أو ملحاً للأرض من دون صداقة ربّنا يسوع، فدعوتهم ليست أن يكونا معلمين بل تلاميذ، والتلميذ يُحقق حضورَ معلمّه. يروي لنا آباؤنا الروحيون عن أم أخذت إبنها الصغير في زيارة لكاتدرائية المدينة التي اشتهرت بصور القديسيين على زجاج نوافذها. راحت الأم تمر بالصور وتقف عندها مندهشة بروعة الفن. سألها طفلها: مّن هؤلاء يا ماما؟ فقالت: هم القديسون. ومَن هم القديسون؟ سأل الطفل. أجابت الأم: "أترى يا بُني اشعة النور المنبعثة من هذه الصور؟ القديس هو الذي يسمح لنور المسيح يسوع أن يشع فيه ومن خلاله للناس في الكنيسة ينذهلوا بعظائم الله فيهم.

الدعوة إذاً لم تكن من أجل الانضمام إلى مدرسة لاهوتية أو ليؤسسوا تعليماً جديداً، بل دعاهما ليتبعانه شخصياً: "إتبعاني". هذه الدعوة هي من أجل أن يكونا حيثما يكون هو في فعل طاعة كاملة، وبالتالي أنهما سيلقيان المصير نفسه لأنهم مثل ربّنا يسوع المسيح: "مَن كانَ أَبوه أو أُمُّه أَحَبَّ إِلَيه مِنّي، فلَيسَ أَهْلاً لي. ومَن كانَ ابنُه أَوِ ابنَتُه أَحَبَّ إِلَيه مِنّي، فلَيسَ أَهْلاً لي. ومَن لم يَحمِلْ صَليبَه ويَتبَعْني، فلَيسَ أَهْلاً لي. مَن حَفِظَ حياتَه يَفقِدُها، ومَن فَقَدَ حَياتَه في سبيلي يَحفَظُها" (متّى 10: 37- 39).

اليوم وقد سمعنا إنجيل ربّنا يسوع: "اِتْبَعاني أَجعَلْكما صَيَّادَيْ بَشر"، وعرفنا جواب التلاميذ الأوائل: "فتَركا الشِّباكَ مِن ذلك الحينِ وتَبِعاه" ... فَتَركا السَّفينَةَ وأَباهُما مِن ذلك الحينِ وتَبِعاه". ما هو جوابنا الشخصي؟ الدعوة موجهّة إلى كلٍ منّا، باسمهِ ليتبع ربّنا يسوع ويسير على خطاه في حياة القداسة فينال هويةً جديدة. فما الذي تركناهُ نحن وتخلينا عنه في سبيل الانضمام إلى ربّنا يسوع؟ ربّنا يسوع ينتظِر منّا جواباً شخصياً على دعوتهِ وهو يعلم كلاً منّا ضروري لحياة أكثر إنسانية للعالم. هو يريدنا نوراً وملحاً يحفظُ العالم من الفساد بكل أشكالهِ. وجودنا كمسيحيين مرتبطٌ بفاعلية هويّتنا ورسالتنا: أن نحملَ هذا العالم إلى الله، ونحفظهُ طاهراً، وهذا يعني أن يبقى النور فينا وأن تبقى فينا فاعلية الملح التي تُقاوم الفساد لئلا يصلَ إلى العالم. فما فائدة الملحِ الفاسد؟ وما فائدة المسيحي الذي لا يُظهِر ميزة حياته بل يعيش كباقي الناس؟ ومُشكلة العالم الكُبرى كانت: أننا كمسيحيين لا يرانا العالم مثلما كان يجب أن نكون، ولن يشهد لنا بأننا مُخلّصونَ، بل صرنا مثل سائر الناس، إن لم نكن أكثر شراً منهم وأكثر فساداً. وبهذا فسدت ملوحتنا وصرنا بلا نفعٍ للعالم.

اليوم تأتينا الدعوة: "إتبعني"؟ فهل لنا الشجاعة لأن نترك مكاننا وأن نتخلّى عن ما نعتقد أنه ضروريٌّ للحياة لنكون مع المسيح يسوع؟ ما الذي يُميّز حياتنا عن باقي الناس الذين لا يؤمنون بالمسيح يسوع؟ نحن نُفكر مثلهم! نتعامل مع قضايا الحياة مثلهم! نُخاصم بعضنا بعضاً مثلهم! نحسد ونراوغ في علاقاتنا مثلهم! نغش ونكذب مثلهم! نسرق ونتجاوز على حقوق الآخرين مثلهم! نحكم ونثرثر مُسيئينَ إلى كرامة الآخرين مثلهم! نهتم براحتنا ومكانتنا وغنانا، ونتكاسل حتى عن القيام بعمل يمجد فينا اسم يسوع المسيح؟

أمام وصيّة ربّنا يسوع اليوم، ومع احتفالنا بأسابيعِ الصليبِ، لنوجّه أنظارنا إلى صليبِ ربّنا يسوع ونتعلّم أننا مدعوون لنسير في أثرهِ ونكون تلاميذ أمناء له، وإن تطلَّب الأمر حمل الصليب، فعلينا أن لا نتجنّبهُ. ليكن فينا شجاعة القديسة تريزا الطفل يسوع التي كانت تقول: "أريدُ أن أُحقق بالكامل إرادتَك وأن اصلَ إلى ملءِ القداسة التي أعددتها أنتَ لي في ملكوتِكَ؛ بكلمةٍ أريد أن أضحي قديسة". نحن مدعوون لا لنكون أُناساً صالحين فحسب، بل، الأهم أن نكون "مسيحاً" على الأرض: "فلْيَكُنْ فيما بَينَكُمُ الشُّعورُ الَّذي هو أَيضاً في المَسيحِ يَسوع" (فيلبي 2: 5). أن نُفكّر مثلما يُفكّر ربّنا يسوع، وأن يكون فينا مشاعرهُ، هو الذي أحبَّ حتى بذلَ ذاتهُ من أجلنا على الصليب.

قراءة 80 مرات آخر تعديل على الأحد, 30 أيلول/سبتمبر 2018 13:04

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *