المواعظ
السبت, 14 تموز/يوليو 2018 11:54

الأحد الثاني من الصيف - الفضائل: الرحمة

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الأحد الثاني من الصيف 

الفضائل: الرحمة (لوقا لو 15: 1- 24)

يختصر لوقا كل البشارة "إنجيل ربّنا يسوع المسيح" في ثلاثة أمثال تُعبر عن موقف الله الآب من الإنسان. فهو الآب الرحيم الذي يقبل توبة الإنسان بعد تيه الخطيئة التي اختارها بإرادتهِ الحرّة. أمثال كشف فيها ربّنا يسوع عن الحبّ الذي يكنّه الله الآب للإنسان والذي صار منظوراً وملموساً في ربّنا يسوع المسيح: "ذاك الَّذي كانَ مُنذُ البَدْء ذاك الَّذي سَمِعناه ذاك الَّذي رَأَيناهُ بِعَينَينا ذاكَ الَّذي تَأَمَّلناهولَمَسَتْه يَدانا مِن كَلِمَةِ الحَياة" (1 يو 1: 1). فلم تكن كلمة الله الأخيرة، ربّنا يسوع المسيح، كلمة دينونة أو مُعاقِبة، ولم يُعلِن الله حُكمَ الهلاكِ على الإنسان الخاطئ منتقماً لنفسهِ من أجل الإهانات التي تلّقاها، بل واجه خطيئة الإنسان بالغفران وهداهُ طريق الخلاص بالرحمة والرأفة التي قدّمها بيسوع المسيح، فكان أمينا لطبيعته فهو المحبّة التي تجلّت رحمة على الإنسان. رحمةً أعطت الإنسان حياة جديدة؛ لأن الرحمة لا تتعلَّق بماضي الإنسان إذ تغفِر له خطاياهُ فحسب، بل هي مُوجهة نحو حاضره ومُستقبله فتمنحه حياةً جديدةً، فهو "محبوبُ الله"، وعليه أن يعيش هذه الرحمة إلتزاماً مُحباً للقريب. وهو يدعونا لأن تكون الرحمة أسلوب حياة نلتزم به، فمَن يُرحَم عليه أن يعيش هذه النعمة دعوة وإلتزاماً مسؤولاً في حياتهِ، فيعكس في شهادة حياته طبيعة الرحمة الإلهية التي اختبرها نعمة. 

الرحمة الإلهية حبٌّ يرحَم، يقبل الإنسان ويُعيد له الكرامة ويحوّل تعاسته إلى فرح، بل عُرس. رحمةٌ لا تنتظر عودة الضائع بل تذهب لتبحث عنه، لأنها تشعر بما هو بحاجةٍ إليه. الخطوة الأولى في الرحمة الإلهية هي حضورها إلى جانب الإنسان: "هو الَّذي في صُورةِ الله لم يَعُدَّ مُساواتَه للهِ غَنيمَة بل تَجرَّدَ مِن ذاتِه مُتَّخِذًا صُورةَ العَبْد وصارَ على مِثالِ البَشَر وظَهَرَ في هَيئَةِ إِنْسان فَوضَعَ نَفْسَه وأَطاعَ حَتَّى المَوت مَوتِ الصَّليب" (فيلبي 2: 6-8). رحمة الله الآب ليست إستجابة لطلب أو صلاة من الإنسان، بل مبادرة من الله الآب تجاه الإنسان حتّى قبل أن يكون للإنسان إمكانية السؤال: "إِنّي قد رَأَيتُ مذَلَّةَ شَعْبي الَّذي بِمِصْر، وسَمِعتُ صُراخَه بسَبَبِ مُسَخِّريه، وعَلِمتُ بآلاَمِه، فنزَلتُ لأَنقِذَه مِن أَيدي المِصرِيِّين وأُصعِدَه مِن هذه الأَرضِ إلى أَرضٍ طَيِّبةٍ واسِعة، إلى أَرضٍ تَدُر لَبَناً حَليباً وعَسَلاً" (خر 3: 7- 8). ربّنا يسوع يذكرنا اليوم بأبوّة الله التي ترحم الإنسان قبل أن يطلب منها ذلك: "وكانَ لم يَزَلْ بَعيداً إِذ رآه أَبوه، فتَحَرَّكَت أَحْشاؤُه وأَسرَعَ فأَلْقى بِنَفسِه على عُنُقِه وقَبَّلَه طَويلاً". الله الآب يشعر بآلامِ الإنسان ومأساتهِ وكأنها مأساته وآلامهُ، وهو مُستعدٌ لأن يتحمّل هذه الآلام من أجل تحقيق الشفاء والسلامِ للإنسان. 

الخطوة الثانية في الرحمة الإلهية هي شعور الله الآب بحاجة الإنسان، الضائع: "أَسرِعوا فأتوا بِأَفخَرِ حُلَّةٍ وأَلبِسوه، واجعَلوا في إِصبَعِه خاتَماً وفي قَدَمَيه حِذاءً" فالضياع أفقدَ الأبن الكرامة، كرامته كإبنٍ وكإنسان، ولن يتمكّن من الحصول عليها ثانية إلا بنعمة من الله الآب. لم يطلبها لأنه يعرِف أنه ألحقَ إهانة بالله عندما قرر الإبتعاد عن بيت الآب، لذا، لم يتجرأ ليطلبها ثانية، وكل ما كان يتمنّى هو أن يحظى بالقبول في بيت أبيه ثانية: "يا أَبتِ إِنِّي خَطِئتُ إِلى السَّماءِ وإِلَيكَ. ولَستُ أَهْلاً بَعدَ ذلك لِأَن أُدْعى لَكَ ابناً، فاجعَلْني كأَحَدِ أُجَرائِكَ"، فجاءت الرحمة نعمةً. 

الخطوة الثالثة في الرحمة الإلهية هي إنها مدعاة للفرح وليس للدينونة، فلم يُعاقِب الراعي الخروف الضال ولم يحاسب الآب إبنه، بل إحتفلوا بالعودة وكان الاحتفال عرساً. "وأتوا بالعِجْلِ المُسَمَّن واذبَحوه فنأكُلَ ونَتَنَعَّم، لِأَنَّ ابنِي هذا كانَ مَيتاً فعاش، وكانَ ضالاًّ فوُجِد. فأَخذوا يتَنَّعمون". وبذلك يكشف الله عن أمانتهِ في المحبّة، فهو محبة لن تتغيّر نتيجة خطيئة الإنسان. رحمة الله لا تتجاهَل واقع الخطيئة وتتنكر له، بل تتجاوزهُ؛ لتهبَ الإنسان بدايةً جديدة، لأنه الله، الرحيم والرؤوف قادرٌ على تجاوز أحكامهِ ويروِّض مشاعِر الغضب التي فيه تجاه الإنسان الذي خانهُ وعدّه ميّتاً: "أَعطِني النَّصيبَ الَّذي يَعودُ علَيَّ مِنَ المال"، ليُعامِله وفق احتياجاته الآنية مُستجيباً لواقعه المؤلِم، فيرحمه ويقبله فرحاً. 

ربّنا يسوع عاش الرحمة الإلهية وبيّن أن الرحمة هي التي تُفرِح قلبَ الله، وهو يدعونا اليوم لأن نؤمن بهذه الرحمة التي قبلتنا وغفرت لنا ووهبت لنا بداية جديدة وحياة وافرة. أمثال إنجيل اليوم تؤكد أن الجميع ضائعٌ وتائهٌ، وأساءَ استخدام حريّتهِ بحثا عن "متعةٍ وسعادة عابرة"، ولم يعرف أبوّة الله فأضاع كلّ شيء. الأبن الصغير تاه عن أبيه جسدياً والأبن الأكبر كان تائهاً عنه بالقلب. لكن الله الآب لا ينسانا ولا يتركنا أبدًا. إنه أب صبور ينتظرنا على الدوام، يحترم حريتنا ويبقى أميناً أبداً وعندما نعود إليه يستقبلنا كالأبناء في بيته؛لأنه لا يكفُّ أبداً عن انتظارنا بمحبة، وقلبه يعَيِّدُ كل ابن يعود إليه. يُعَيِّد بسبب الفرح، والله يفرح عندما يذهب إليه خاطئ من بيننا ويطلب مغفرته؛ لأن الله يُريدُ عودتَهُ إليه: "يَقولُ السَّيِّدُ الرَّبّ، لَيسَ هَوايَ أَن يَموتَ الشِّرِّير، بل أَن يَرجعَ عن طَريقِه فيَحْيا" (حزقيال 33: 11).

ربّنا ينتظرنا أن نعيش هذه الرحمة في تفاصيل حياتنا اليومية. نحن نُصلي يومياً: "أغفر لنا خطايانا كما نحن نغفر لمَن أخطأ إلينا"، فهل نقبل بفرحٍ غفران الله للقريب الذي أساءَ وأخطأَ وغفرَ له الله وأنعمَ عليه بالفرحِ؟ هل لنا الإستعداد للإنضمام إلى جماعة المحتفلين أم سنبقى خارج الدار. ربّنا يسوع لم يقل لنا إن كان الأبن قد شارك في الاحتفال أم لا، بل ترك الجواب لكلِّ واحدٍ منا. فما هو جوابنا اليوم؟

قراءة 182 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *