المواعظ
%PM, %30 %668 %2018 %18:%آذار

الجمعة العظيمة - " ولكن لا كما أَنا أَشاء، بَل كما أَنتَ تَشاء!"

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الجمعة العظيمة

" ولكن لا كما أَنا أَشاء، بَل كما أَنتَ تَشاء!" (متّى 26: 36)

رأى ربنا يسوع في الإنسان ما يراه الله: الابنَ: "فَصَلُّوا أَنتُم هذِه الصَّلاة: أَبانا الَّذي في السَّمَوات" (متّى 6: 9)، وأحباء: "لا أَدعوكم خَدَماً بعدَ اليَوم لِأَنَّ الخادِمَ لا يَعلَمُ ما يَعمَلُ سَيِّدُه. فَقَد دَعَوتُكم أَحِبَّائي لأَنِّي أَطلَعتُكم على كُلِّ ما سَمِعتُه مِن أَبي" (يو 15: 15). فبشّر بأبوّة الله وصداقته للإنسان، وبمحبته المجّانية التي تحتضنُ الجميع لاسيما الخطأة والمُهَمَشين الذين ابتعدوا عن صداقة الله بسبب طياشتهِم أو بسبب مُتطلّبات الشريعة. بشارة عارضها الكتبة والفريسيون ورؤساء الكهنة، الذين طالبوا الجميع: بالإلتزام بالشريعة طريقاً للخلاص. جادلوه وعارضوه وضايقوه، لكنّه لم يتراجع عن بشارتهِ. ذهبَ إلى أورشليم ليدافِع عن بشارتهِ، مدافعاً بذلِك عن الله الذي تعود على أن يدعوه: "أبّا"، وعلى الصليب ثَبّتَ ربنا هذه البُشرى، فلم يتنازل عنها ولم يتراجع عن مواقفه وعن ما بشّرَ به من الجليل حتى أورشليم، بل إلى العالِم أجمع: ومضمون البُشرى السارّة: الله معنا؛ عمانوئيل، وهو ينتظرُ عودتنا لأنه يُحبنا مجاناً، ويُريد أن نشاركه هذه المحبّة المجانية من خلال مقاسمتها مع القريب: "أَخَذتُم مَجَّاناً فَمَجَّاناً أَعطوا" (متّى 10: 16). 

علّم الكتبة والفريسيون ورؤساء الكهنة أن "المُصالحة مع الله ممكنة" من خلال توبةٍ صادقة وموقف ندامة نزيه وتقديم ذبائح حيوانية فيها يحمّلونَ الضحيّة وزرَ الخطيئةَ وشرّها. ويُمكن للإنسان أن يعود إلى بيتِ أبيهِ خادماً: "يا أَبتِ إِنِّي خَطِئتُ إِلى السَّماءِ وإِلَيكَ. ولَستُ أَهْلاً بَعدَ ذلك لِأَن أُدْعى لَكَ ابناً، فاجعَلْني كأَحَدِ أُجَرائِكَ" (15: 18- 19). ففي احسنِ الأحوال يبقى الإنسان فريسة الشعور بالذنب وهو يخاف مخالفة الشريعة وتجاوز الناموس. لكنّ بشارة ربّنا يسوع تجاوزت ذلِك، لأنه بشّرّ أن الله، أبٌ محُب، وهو مُستعدٌ ليقبلَ عودة الخاطئ فيهِبَ له نعمةّ البنوّة التي خسرها الابن الأصغر بطياشته وللأبنِ الأكبر بتكبرهِ. هذه هي مشيئةُ الآب التي أتمّها ربنا يسوع بطاعتهِ: "يا أَبتِ، إِن أَمكَنَ الأَمْرُ، فَلتَبتَعِدْ عَنِّي هذهِ الكَأس، ولكن لا كما أَنا أَشاء، بَل كما أَنتَ تَشاء!" (متّى 26: 36). لم يخف الألم ولم يتمكّن من زعزعةِ إيمانهِ بأبيه، فواصل الصلاة إليه بعبارة: "أباّ"، "إلهي إلهي ... سأُبَشِّرُ أُخوَتي باْسمِكَ وفي وَسْطِ الجَماعةِ أُسَبِّحُكَ" (مز 22). 

إيمان ربّنا يسوع بأبيهِ وبتدبيره المُحِب جعلهُ يقفُ أمام الجميع محتفظاً بسلامهِ الداخلي، إذ ترك كل شيء لعناية الله الآب. واجه يهوذا الصديق الذي سلّمهُ بقبلة الخيانة، وشهدَ حماس رجل رفع السيف ليُدافع عنه ثم هربَ مع التلاميذ، ونظر إلى بطرس الذي نكرهُ ثلاث مراّت. شاهد غضبَ رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب وإضطراب بيلاطس وأورشليمَ وقلقَ هيرودس. طالبهُ الجميع بأن يتخلّى عن هوية: "ابنُ الله"، وهو يعرف أن إعلان هويته هو توقيع مرسوم إعدامه، ومع ذلك، وإيماناً منهُ بأبوّة الله أعلنَ أنه المسيح، إبنُ الله (لو 22: 66- 71)، وسيُعلِن عن محبّة الله للإنسان الخاطئ على الصليب بالغفران المُقدَم له نعمةً: "يا أَبَتِ اغفِرْ لَهم، لِأَنَّهُم لا يَعلَمونَ ما يَفعَلون" (لو 23: 34). فاليوم اختار يسوع أن يُواصل الطريق دون تراجع، وأكثر من ذلك يموت بدل إنسان يستحق الموت. فبرأبا القاتل كان مُستحقاً الموت. حضور يسوع أنقذَ برأبا ليحيا ويشهد للخلاص الذي ناله، فبرأبا، هو كل إنسان أُطلق حُراً بسبب يسوع. فلم يعد الله ينتظر من الإنسان أن يُقدِم له الذبائح، بل قدّم إبنهُ ذبيحةً ليجذُب الإنسان إليه. 

"لا كما أَنا أَشاء، بَل كما أَنتَ تَشاء!"، ومشيئة الآب هي أن يعودَ الإنسان إليه إبناً مُطيعاً حاملاً حياتهُ كلّها لتكون ذبيحةً مُقدسة مرضيّة عند الله، والذي يُقدسها هو الله نفسه. فما نفعُ أن يحمل الإنسان الذبائح إلى الله تكفيراً عن عصيانهِ وخطاياهُ ويعودَ ويذبحَ القريب خفيةً أو علناً؟ ما نفعُ ذبائحنا إذا لم يكن في قلوبنا رحمةٌ ومحبةّ للقريب؟ ما نفعُ صلواتنا ولساننا لا يكفُّ عن ذمِ القريب والإساءة إليه؟ إلهنا يبحث عن إنسانٍ يُحبّهُ من كل القلب والفكر والذهن والقوّة ويحب القريب حُبهُ لنفسهِ، وهذه المحبّة كفيلةٌ بأن تُطهِر الإنسان وتجعلهُ يعبدُ الله بالروح والحق. 

ولأن الإنسان لم يكن قادراً على قبولِ محبّة الله الأبوية مجاناً، خرجَ الله بنفسهِ ليدعو الإنسان ليِشاركهُ الفرحة، فرحة عودة الخاطئ إلى بيت الأب: ولكِن قد وَجَبَ أَن نَتَنعَّمَ ونَفرَح، لِأَنَّ أَخاكَ هذا كانَ مَيتاً فعاش، وكانَ ضالاًّ فوُجِد" (لو 15: 32). فما يطلبهُ الآب ليس طاعة عمياء مؤسسة على الخوف منه أو على الحصول على عطايا وهبات، بل يُريد طاعة أساسها المحبّة التي تتألمُ لخطيئة الإنسان، تحزن لإبتعاد الأخ عن بيتِ أبيهِ. طاعة يتنازل فيها الإنسان عن رغباتهِ وطموحاتهِ حُباً بالله، فتقديم ذبيحة حيوانية أسهلُ بكثير من التخلّي عما يُريحني من أجل إبقاء حياة الشِركة في بيتِ الآب. 

"لا كما أَنا أَشاء، بَل كما أَنتَ تَشاء!" تتطلّب إذاً طاعة كاملة كطاعةِ أمنّا مرّيم التي قالت "نعم" كلياً لله واستقبلته في حياتها متأملةً فيه في قلبها: "وكانَت مَريمُ تَحفَظُ جَميعَ هذهِ الأُمور، وتَتَأَمَّلُها في قَلبِها" (لو 2: 19)، فأعطت لنا ربّنا يسوع المسيح، بخلافِ بيلاطس الذي رأى حقيقةَ ربّنا يسوع، الإنسان البريء الذي يطلبون معاقبتهُ: "لا أَجِدُ في هذا الرَّجُلِ سَبَبَاً لاتِّهامِه" (لو 23: 4)، "فأَيَّ شَرٍّ فَعَلَ هذا الرَّجُل؟ لم أَجِدْ سَبَباً لديه يَستَوجِبُ الموت" (لو 23: 22)، لكنّه، خوفاً على كُرسيهِ وحفاظاً على منجزاتهِ اختارَ صداقة قيصر ورفض صداقة الله: "إِن أَخلَيتَ سَبيلَه، فَلَستَ صَديقاً لِقَيصَر، لِأَنَّ كُلَّ مَن يَجعَلُ نَفْسَه مَلِكاً يخرُجُ على قَيصَر" (يو 19: 12). الطاعة لمشيئة الله تعني بالضرورة اختيار إرادتهُ أسلوبَ حياة: "أَنا أَمَةُ الرَّبّ فَليَكُنْ لي بِحَسَبِ قَوْلِكَ" (لو 1: 38). خطيئتنا هي أننا كلما صلينا: "لتكن مشئيتك"، ينتابُنا خوفٌ وتساؤلٌ: ما الذي يُريده الله مني؟ يمكن لله أن يطلب كل ما يُريد شرط أن لا يُكلفني راحتي؟ أنا مستعد أن أُساعد وأحب القريب ولكن وفق ما يسمح به الوقتُ والمزاج! هناك دوما شروطٌ مُسبقة من أجل إتمامِ مشيئة الله، وطاعتنا دوما ضعيفةٌ والإرادة الشخصية تسعى بإستمرارٍ إلى فرض ذاتها على حدِّ تعبير البابا بندكتٌس السادس عشر. 

إلهنا وملكنا يُريد رحمةً لا ذبيحة، والرحمة تأتي من قلبٍ مُحب، مُحبٌ حتّى بذل الذات. قلب صادق في محبتهِ وأمين في وعدهِ، وهذا ما حصل على الصليب. فذبائح الهيكل لم تُقدم هذه المحبّة، بل كانت تُشير دوماً إلى خطيئة الإنسان الذي يقرّ بها ليعوّض عن خطاياه. "ذَبيحةً وتَقدِمَةً لم تَشأ لَكِنَّكَ فَتَحتَ أُذُنَيَّ ولم تَطلبْ مُحرَقةً وذَبيحَةَ خَطيئة. حينَئِذٍ قُلتُ: هاءَنَذا آتٍ فقَد كُتِبَ علَيَّ في طَيِّ الكِتاب. هَوايَ أَن أعمَلَ بِمَشيئَتِكَ يا الله شَريعَتُكَ في صَميمِ أحْشائي. قد بَشَّرتُ بِالبِرِّ في الجَماعةِ العَظيمة ولم أحبِسْ شَفَتَيَّ يا رَبِّ وأَنتَ العَليم." (مز 40: 8-9). فالله هو الذي سيُعطينا ما يطلبهُ منّا، لأننا لم نتمكّن من أن نُعطيهِ ما ينتظره منّا، فأعطانا يسوع المسيح وأعدَّ له جسداً وأخذ على عاتقه خطايانا (عبر 10: 5-6)، وقدمها لله وسمّرها على الصليب في ولاء تام له، كلّفه حمل الصليب والموت عليه. "ذلك بِأَنَّ اللهَ كانَ في المَسيحِ مُصالِحًا لِلعالَم وغَيرَ مُحاسِبٍ لَهم على زَلاَّتِهم، ومُستَودِعًا إِيَّانا كَلِمَةَ المُصالَحَة. فنَحنُ سُفَراءُ في سَبيلِ المسيح وكأَنَّ اللهَ يَعِظُ بِأَلسِنَتِنا. فنَسأَلُكُم بِاسمِ المسيح أَن تَدَعوا اللّهَ يُصالِحُكُم. ذاكَ الَّذي لم يَعرِفِ الخَطيئَة جَعَله اللهُ خَطيئَةً مِن أَجْلِنا كَيما نَصيرَ فيه بِرَّ الله.". (2 كور 5: 19- 21). 

بمعنى آخر: لقد كُشِفَ ظُلمَ العالم وخطاياه في صلبِ ربّنا يسوع المسيح، ولكن ربّنا أخذها ليُطهرها بمحبتهِ من خلال الغفران الذي يطلبهُ من الله: "يا ابتِ أغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ما يفعلون" (لو 23: 34)، من دون أن يسمح لهذا الظلم والعنف بأن يُنتِجَ عنفاً وشراً، فانتصرَ الخير، الله، على هذا الشر. هذا الشر الذي لا يُريده الله، لأنه شرٌّ يُسيءُ إلى الإنسان ويدمر صورة الله، ولكنه واقعٌ موجودٌ في العالم بسبب خطايا الإنسان وطياشتهِ، ولا يُمكن أن يتجاهلهُ الله بل أخذه على نفسه، وحوّلهُ بطاعةِ ربّنا يسوع المسيح ليكون سببَ حياةِ الإنسان. فالطاعة حلّت محل الذبيحة، والعيش بمُقتضى مشيئة الله هو ما يُطلبه الله من مؤمنيهِ، وهو ما لم نتمكّن من تحقيقه لأن إرادتنا تُعارض مشيئة الله. لذا، يُناشدنا القديس بولس قائلاً: "إِنِّي أُناشِدُكم إِذًا، أَيُّها الإِخوَة، بِحَنانِ اللّهِ أَن تُقَرِّبوا أَشْخاصَكم ذَبيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسةً مَرْضِيَّةً عِندَ الله. فهذِه هي عِبادَتُكمُ الرّوحِيَّة " (روم 12: 1). فالعبادة الحقيقية هي أن نجعل حياتنا كلّها لله على مثالِ ربّنا يسوع. 

لقد أتمَّ ربّنا يسوع فصحهُ من أجلنا، وهو ينتظر أن نقوم نحن بفصحنا جواباً على المحبّة التي أظهرها لنا على الصليب. الجمعة العظيمة ستكون عظيمة حقاً إذا قبلنا أن نُحب الله والقريب مثلما أحبنا هو. ومحبتهُ تتطلّب أن ننزعَ عنّا ثوبَ الإنسان العتيق، ثوبَ الخطيئة. ثوب الكذب والرياء والافتراء. ثوب الكبرياء والحسد والجشع والطمع، ثوب التمرد واللامبالاة. هذه الأمور التي تجعلنا مُشاهدين لما يحصل على الصليب لا مُشاركينَ المصلوب ألمهُ وعذابهُ. 

الجمعة العظيمة ستكون عظيمة إذا قبلنا أن نلبس الإنسان الجديد، يسوع المسيح، هذا الثوب الذي يُعطى لنا كلّما قررنا العودة إلى بيت الله الآب، الذي أعدَّ لنا وليمة فرح عظيمة. فلنتُب ولنرجع تاركين عالم الأكاذيب الذي حبسنا أنفسنا فيه. لقد عبرَ الله إلينا بيسوع المسيح، فلنتواضع ونقبل يديه الممدودة ولنعبر إليه، فهو قادرٌ على أن يمحو خطايانا ويملاْ أنفسنا بالمحبة واللطف والمُسالمةِ، بالوداعة والحكمة. 

فهل سنخرجُ من هذه الكنيسة مثلما دخلناها؟ أم نتيح للماء والدم الذي خرجَ من جنب المصلوب بأن يغسلَ حياتنا كلّها ويُطهرها من شرورها؟ 

هل سنبقى نُفكر في ضرورة أن يُغيّر هذا وذاك حياتهُ، ويُخرج القذى من عينهِ قبل أن نتصالح معه، أم سنسمح لإلهنا بأن يمد يده ويُخرج الخشبة من عيوننا، ونبدأ بتغيير حياتنا؟ 

ينظُر إلينا ربّنا يسوع من على صليبه وينتظر أن يُفكِر كل واحد منّا في خطاياهُ من دون تبريرات نحاول فيها الهربَ من مسؤوليتنا في صلبِ ربّنا يسوع: "فَالْتَفَتَ الرَّبُّ وَنَظَرَ إِلَى بُطْرُسَ فَتَذَكَّرَ بُطْرُسُ كَلاَمَ الرَّبِّ كَيْفَ قَالَ لَهُ: «إِنَّكَ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ الدِّيكُ تُنْكِرُنِي ثَلاَثَ مَرَّاتٍ». فَخَرَجَ بُطْرُسُ إِلَى خَارِجٍ وَبَكَى بُكَاءً مُرّاً. (لو 22: 15- 16). لنسمحَ لنورهِ بأن يشعَّ في قلوبنا ويفضح كبرياءَنا، ويكشِف عن حقيقةِ حياتنا الملطخة بالحسد والأنانية والغضب والحقد والمرارة والبحث عن المجد الباطل والتراكض لإرضاء شهواتِ الجسد بعيداً عن الله. 

البُكاء الذي ينتظره ربّنا اليوم هو بكاء على خطايانا وليس بُكاء عليهِ: "يا بَناتِ أُورَشَليمَ، لا تَبكِينَ عَليَّ، بلِ ابكِينَ على أَنفُسِكُنَّ وعلى أَولادِكُنَّ" (لو 23: 28).  فنحن نسعى دوماً إلى تغيير حياة الآخرين وإصلاح أفكارهم ومواقفهم، فنوجه أصابعَ الاتهام إلى هذا وذاك، ونغسل أيدينا لنبرّئ مسؤوليتنا في التفكير في تغيير أنفسنا وحياتنا ونزع الكبرياء الذي يُسمّرنا في الأرض بتشامخ، ويدفعنا إلى التنافس الذي يقتل روح الأخوة فينا ويجعلنا أعداء واحدنا للآخر. 

فالسؤال هو: أين أنا من محبّة الله هذه؟ 

إذا أردنا أن نُنزِل ربنا يسوع من على الصليب فعلينا أن نرفع عنه المسامير، وإذا لم يكن بالمُستطاع أن نرفعَ مسامير الآخرين، فلنبدأ برفع خطايانا، المسامير التي تُبقي ربّنا مصلوباً. فإن لم نشعرَ بأن ما حصلَ على الصليب يخصّنا فلن يكون بإمكاننا أن نستوعِب عمقَ محبة الله من أجلنا. هذا الشكل من الفصل بين آلام المسيح وبين حياة الإنسان، وهو وسيلة أخرى للهرب من تبعات ألمِ المسيح يسوع، وخدعة أخرى تجعل الإنسان يتكيّف مع الشر دون أن يُقحِم نفسه في إلتزامِ بمسؤولية محاربة الشر بدءاً من الذات. فكثيراً ما ننشغل بخلاص غير المؤمنين، والحال أن علينا أن نهتمّ بخلاص الذين يؤمنون ولا يعيشونَ متطلبات هذا الإيمان، فيعرفون الله ولكنهم يعيشون وكأنهم لا يعرفونه. 

"أَمَّا الآن فأَلْقُوا عَنكم أَنتُم أَيضًا كُلَّ ما فيه غَضَبٌ وسُخْطٌ وخُبْثٌ وشَتيمة. لا تَنطِقوا بِقَبيح الكَلامولا يَكذِبْ بَعضُكم بَعضًا، فَقَد خَلَعتُمُ الإِنسانَ القَديم وخَلَعتُم معَه أَعمالَه. ولَبِستُمُ الإِنسانَ الجَديد، ذاك الَّذي يُجَدَّدُ على صُورةِ خالِقِه لِيَصِلَ إِلى المَعرِفَة. فلَم يبْقَ هُناكَ يونانِيٌّ أَو يَهودِيّ، ولا خِتانٌ أو قَلَف، ولا أَعجَمِيٌّ أَو إِسْكوتيّ، ولا عَبْدٌ أَو حُرّ، بلِ المسيحُ الَّذي هو كُلُّ شيَءٍ وفي كُلِّ شيَء. وأَنتُمُ الَّذينَ اختارَهمُ اللهُ فقَدَّسَهم وأَحبَّهم، اِلبَسوا عَواطِفَ الحَنانِ واللُّطْفِ والتَّواضُع والوَداعةِ والصَّبْر. اِحتَمِلوا بَعضُكم بَعضًا، واصفَحوا بَعضُكم عن بَعضٍ إِذا كانَت لأَحَدٍ شَكْوى مِنَ الآخَر. فكما صَفَحَ عَنكُمُ الرَّبّ، اِصفَحوا أَنتُم أَيضًا. والبَسوا فَوقَ ذلِك كُلِّه ثَوبَ المَحبَّة فإنَّها رِباطُ الكَمال. ولْيَسُدْ قُلوبَكم سَلامُ المسيح، ذاكَ السَّلامُ الَّذي إِلَيه دُعيتُم لِتَصيروا جَسَدًا واحِدًا. وكُونوا شاكِرين" (قولسي 3: 8- 15).

هذا هو الطريق الذي من خلالهِ نشهَد لمحبة الله فينا، محبةٌ تُحارِب العداوة لا العدو، محبة تغفرُ، محبة تُصالِح وتجمع شتات أبناء الله. محبةٌ أمينةٌ تقفُ إلى جانب المصلوب مثلما وقفت النساءُ اللواتي لم يتركنَ ربنا يسوع يواجه الموت وحده، بل رافقنهُ بدموعٍ (لو 23: 55)، لأنهنَّ أحببنَ كثيراً (لو 7: 47)، ومَن يُحب عليه أن يخدُم، فالخدمة هي الترجمة الحقيقية للمحبة، لأن المحبة ضيافة، والضيافة تتطلّب الخدمة، والخدمة طاعة لمحبّة الله: "أَنَّ ابنَ الإِنسانِ لم يَأتِ لِيُخدَم، بل لِيَخدُمَ ويَفدِيَ بِنَفْسِه جَماعةَ النَّاس" (مر 10: 45).

في هذا اليوم المُبارك نتقدّم إلى يسوع المصلوب مُقدمين له ذواتنا طالبين منه أن يغسلها بدمه ويُطهرها بماء الحياة الذي خرج من جنبهِ. لأننا نؤمِن بأنه صُلِبَ من أجل خطايانا، وعليه يسألنا اليوم لا لنحزَن عليه بل لنحزنَ على خيانتنا ونُكراننا له. 

نتقدم إليه ونقبل بفرح المُصالحة التي صارت لنا بالصليب، فنعيشها غفراناً للقريب، فلا نطلب الانتقام، بل نعفو ونغفر ونضع كل الإهانات التي وُجهِت إلينا تحت أقدام الصليب، فنسير إلى مجد القيامة. 

نتقدم إليه ونطلب منه أن يصلبَ معه إنساننا العتيق، ونلتزم بمسؤوليتنا عن خير القريب عندما نسعى لخيره وفرحه، بكلامنا الطيّب، وبعملنا الصالح، بنوايانا النزيهة، فيراها الآخرون فيُمجدوا الآب السماوي (متى 5: 16). 

نتقدّم إلى صليب ربنا طالبين منه أن يقبل خطايانا: تكبرنا وتعالينا وغضبنا وأنانيتنا وتفكيرنا الضيق. وأحكامنا وتصوراتنا. شرّنا وطمعنا وفسادنا. أقنعتنا المُزيفة ومقاصدنا الشريرة ... هذه التي تُصيب جسد الكنيسة بجروحٍ عميقة وتُبقي ربّنا يسوع مصلوباً. 

نريد اليوم أن نسمع ونقبل عطية الله بيسوع المسيح. يا أبتاه اغفر لهم، إنهم لا يدرون ما يفعلون ... وهذا حق، فنحن لا نعرف كيف تجاهلنا نعمة الله وعطيته لما رفضناه وتبعنا إغراءات الحياة. اليوم مات يسوع، وأمات معه جسدنا الذيبلي بالخطيئة، ليُصيرنا لله وحده. لقد اشترانا ودفع الثمن عنّا، فصارت لنا الحياة الأبدية. 

نريد اليوم أن نتقدم واحدنا إلى الآخر بسلامٍ صادق، وقُبلة مُقدسة تعبيراً عن إمتناننا العظيم لمحبة الله التي ظهرت لنا بيسوع المسيح

قراءة 3955 مرات آخر تعديل على %PM, %30 %699 %2018 %18:%آذار

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *