المواعظ
الأحد, 25 آذار/مارس 2018 10:48

الأحد السابع من الصوم (أحد السعانين) - "مُباركٌ الآتي بإسم الرب"

كتبه
قيم الموضوع
(3 أصوات)

الأحد السابع من الصوم (أحد السعانين)

"مُباركٌ الآتي بإسم الرب" (متّى 20: 29- 21: 22)

خطط ربّنا يسوع لهذا اليوم الذي فيه يتمجّد الربُّ الإله لأنه أتمَّ وعدهُ بأن "يُخلّصنا من خطايانا"، فهذا هو معنّى إسمهُ ومضمون رسالتهِ التي كشفها الملاكُ ليوسُف في الحلم (متّى 1: 22). فأعدّ ربّنا يسوع ترتيبَ الأحداث، في إشارة واضحة إلى أنه سيّد حياتهِ وهو الذي يُسلّمها إلى الله الآب طاعة لمشيئتِه. واختار أن يدخل المدينة راكباً على جحش، حيوان يمتلكهُ بُسطاء الناس والفقراء منهم. فلم يدخلها راكباً جواداً مثلما يفعل ملوك الأرض، محاطين بعساكر ومركبات تمجيداً لاسمهم تاركين خلفهم ضحايا أبرياء. فالملوك كانوا يركبون الخيل ويبدون استعدادهم للحرب، فيما كانوا يركبون البغالِ وقت السِلم والطمأنيةَ، ولنا مثالُ في سفر الملوك حينما أركبَ صادوق الكاهن وناثان النبي الملِك سُليمان بغلةَ الملِك داود أبيهِ (1 مل 1: 38)، سعياً منه للمُصالحةِ مع الناس ولم شملهم.

رافق دخولهُ جموع المؤمنين تُمجّد الله وأطفال تُنشد له: "هُوشَعْنا لابنِ داود! تَباركَ الآتي بِاسمِ الرَّبّ! هُوشَعْنا في العُلى!" فالهدف هو: دخول أورشليم ودخول الهيكل، مكان لقاء الله بالإنسان، ليكون بيت صلاة حيث يلتقي الله جميع الأمم بيسوع المسيح. أرادَ ربّنا أن يكون دخوله بدءَ حياة سلام، فلا خيول ولا عساكر ولا مركبات حربية بعد الآن. لا قتال ولا عنفٌ في المدينة (العالم)، بل سلامٌ (زكريا 9: 10)، وسلامُ الله هو الذي يملُك على قلوبنا. إلهنا يدعونا إلى السلام، إلى التخلي عن العنف ومدِّ يد المُصالحة وقد صارَ لنا سلاماً على خشبة الصليب. 

أعلنت الجموع ملوكيتهُ: "هُوشَعْنا لابنِ داود! تَباركَ الآتي بِاسمِ الرَّبّ! هُوشَعْنا في العُلى"، ولكنّ سلطتهُ ليست كسلطان ملوك هذا العالم، لأنه أرادَ أن يكون ملكاً على قلب الله، ملك الفقراء، فصارَ فقيراً مثلهم ولأجلهِم. فقيرٌ مؤمنٌ بأبوة الله وبتدبيرهِ فلم يبحث عن سُلطة أو مكانةٍ متميّزة، مثلما طلب إبنا زبدى منه، ولم يرغب في غنّى مادي يأسرهُ ويُبعده عن محبّة الله. لم يكن متعطشاً إلى التملّك، فقلبهُ هو كلياً لله. هو المحبّة والسلامٌ والغفران والمُصالحةٌ. ملكٌ لا يُخيفُ ولا يُثير في نفوس الآخرين مشاعر الحسد والعنف، لذا، إستقبلته الجموع بأغصان الأشجار مُعترفين أنه هو المسيح، المخلص، هو الملك، إبن داود، فقدّمت له حياتها: "ثُمَّ وضَعا على الجحش ثيابهم، فركِبه يسوع. وكانَ مِنَ النَّاسِ جَمعٌ كَثير، فبَسَطوا أَردِيَتَهم على الطَّريق"، تعبيراً عن الإستسلام والطاعة الكاملة له، وقبول الطريق الذي اختاره هو ليكون ملكاً، طريق الغفران، طريق المُصالحة طريقُ الصليب. في حياتنا اليوم مظاهر كثيرة تدعونا لأن نتبعه، وأصوات كثيرة تجذبنا إليها بعيداً عن محبّة إلهنا. سعانين ربّنا يسوع دعوة ليكون هو "الملكُ الأوحَد" في حياتنا. ولكي يكون السير في اثره صادقاً، علينا أن نبحث عن الله، لا أن نسيرَ مع الجموع حيثُما تسير. والله اختار الصليب طريقاً ليصلَ إلى قلوبنا. 

دخول ربّنا يسوع إلى أورشليم لم يكن ليتمجّد إسمهُ هو، بل من أجل تمجيد اسم الله الآب: "مُباركٌ الآتي باسم الربِّ". وتطلّب تمجيد اسم الربِّ أن يُطهِر هكيل الله، حيث يلتقي الله الإنسان في الصلاة، فيُزيل كل ما يُعيق الصلاة، ويُنقي الأجواء ليكون التواصل مع الله صحيحاً، فتكون العبادة بالروح والحق. إلهنا يطلبَ منّا أن نحبهُ من كل القلب والفكر والذهن، انه يُريد محبتنا. إلهنا يتطلّع إلى صلاة صادقة لا رياءَ فيها. يُريدنا أن نُكمِل مسيرة التطواف لا إلى أورشليم فحسب، بل إلى جلجلة الصليب: جلجلة المحبّة، فدخول أورشليم ما هو إلا محطةٌ أولى على الطريق، طريق المحبة وبذل الذات. ولأننا لا نفهَم معنى هذه المحبة ومضمونها، نعرجٌ ذات اليمين واليسار في مسيرتنا الإيمانية. لذلك شدّد القديس متّى في إنجيل اليوم على أن ربّنا يسوع شفى عميانا وعُرجاً في الهيكل، ليكون دخوله مُطهراً وشافياً، حاسماً وطيّباً. نحن مثلهم لا نرى حضورَ الله في حياتنا لأننا خطأة، ولا نسير في الطريق الذي اختاره هو، طريق المحبّة، طريق الصليب، وهو يدعونا لأن نتبعهُ في تطواف السعانين الذي يتقدمنا فيه الصليب

اليوم، وقد خرجنا لإستقبالِ ربّنا يسوع في سعانينهِ، هل لنا أن نُفكر في كلِّ ما يُفسِد مسيحيتنا ويُشوهّ صورة الله المطبوعة في قلوبنا، وهي هياكل الروح القُدس؟ أو لسنا نحن أيضا ًبحاجةٍ إلى "سعانين ربّنا يسوع" ليُنقي حياتنا من الرياء والكذبُ والنفاق والغش والغضب والعداوة والإحتيال ويجعلها طاهرة نقيّة تستحق أن تكون هيكلاً له: "مَن ذا الَّذي يَصعَدُ جَبَلَ الرَّبِّ ومَنْ ذا الَّذي يُقيمُ في مَقَرِّ قُدْسِه؟ النَّقِيُّ الكَفَّين والطَّاهِرُ القَلْبِ الَّذي لم يَحمِلْ على الباطِلِ نَفسَه ولم يَحْلِفْ خادِعًا (مز 24: 3-4). نحن بحاجةٍ إلى قلبِ يقبلُ المسيح ملكاً أوحد. وقبول ملوكية ربّنا يسوع تعني بالضرورة التحرر من عبودية ما يُناقضهُ والإيمان به ملكاً مُستسلمينَ إلى مشيئتهِ ليقودنا حيثما يُريد هو. أن لا تكون راحتنا هي الهدف، ولا يكون الغنى والتملّك غاية، ولن نبحث عن منفعتنا الشخصية، فهذه كلّها تجعل القلب يقسو ويكذب ويُخادع، بل أن نرغب ونحب عيش محبّة يسوع المسيح الذي يُطهّر القلب ويمد جسور السلام والمُصالحةِ بين الله والآخرين. علينا أن لا ننتظر أن يقوم ربّنا يسوع بثورة لتغيير الآخرين، بل نسألهُ بتواضع أن يُغيّرنا نحن، ويشفينا من أمراضنا ويسند ضعفنا، وهذا يتطلّب وجود إنسانٍ حُر، قادرٌ على أن يتخلّى عن كل شيءٍ ليكون مثلما هو من دون خوفٍ أو خجلٍ أمام ربّنا يسوع ليُشفى فيتبعه، ولذِلك ابتدأ إنجيل السعانين بقصّة شفاء الأعميين، لأننا مثلهم لا نُبصِر، ويتطلّب الأمرُ أن يُباركنا ربّنا بلمستهِ الشافية. فوقَفَ يسوعُ ودعاهما وقال: "ماذا تُريدانِ أَن أَصنَعَ لَكُما؟"، قالا لَه: "يا رَبّ، أَن تُفتَحَ أَعيُنُنا". فأَشفَقَ يسوعُ عليهِما، ولَمَسَ أَعيُنَهما، فأَبصرا لِوَقتِهما وتَبِعاه.

قراءة 1676 مرات آخر تعديل على الأحد, 25 آذار/مارس 2018 11:03

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *