المواعظ
الأحد, 18 شباط/فبراير 2018 19:34

الأحد الثاني من الصوم - أنبياء كذبة وتلميذ صادق

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الأحد الثاني من الصوم

أنبياء كذبة وتلميذ صادق (متّى 7: 15- 21)

"إحذروا الأنبياء الكذبة"، هذا ما يطلبهُ ربّنا يسوع اليوم من تلاميذه، ومنّا أيضاً. الأنبياء الذين يسعون إلى تقديم تعليم فيه "مُساومة" على المبادئ التي أعلنها ربنا يسوع، وشكلاً من "الميوعة الروحيّة"، وعقيدة مُبسطة، و"كرازة بمغفرة الخطايا بدون الحاجة إلى التوبة، وبمعموذية بدون تأديب كنسي، وبشِركة بدون اعتراف، وبمحو الخطايا بدون ندامة. نعمةٌ رخيصة وغير مكلفة، فالنعمة الرخيصة هي نعمة بدون تتلمُذ. نعمة بدون صليب. نعمة بدون يسوع المسيح الحي والمُتجَسِد"(بونهوفر). 

يسعى الأنبياء الكذبة، وهم ذئابٌ خاطفة، إلى دخول الحظيرة بهيئة مقبولَة ومريحة للوصول إلى الخرِاف لا إلى الراعي. يُقدمونَ "تديناً وتقوى" تجعل الرعية تشعر بالراحة والإمتنان، إلى درجة أن الرعيّة لا تشعُر بالحاجة إلى "مُخلِص"، مثلما أن الشوك لا يحتاج إلى الكثير من الرعاية (الجهد) من الفلاح لينمو، فالأرض إذا تُرِكتَ ستُعطي شوكاً على نحوٍ طبيعي. هم مُخادعونَ ويُضلّون الجميع ويتنكّرون خلف أقنعة روحية وتقوى باطلّة. يطمحون إلى الحصول على "إمتيازات الخدمة": السلطة والنفوذ والشهرة والمال، لا على المسيح يسوع، فيعملون على إبعاد الرعية عن راعيها، ليعبثوا بالمؤمنين من أجل مصالحِهم. وباب هؤلاء "الأنبياء الكذبة" واسعٌ وطريقهم رحبٌ: "أَيُّها الفِرِّيسِيُّون، أَنتُمُ الآنَ تُطَهِّرونَ ظَاهِرَ الكَأسِ والصَّحفَة، وباطِنُكم مُمتَلِئٌ نَهبْاً وخُبْثاً" (لو 11: 39)

​مُشكلة هؤلاء "الأنبياء الكذبة" هي أن لهم "رِضى عالٍ عن ذواتهِم"، ويحسبون أنفسهم أكثر فهماً للحقائق، هذا من جهةٍ. ومن جهة أخرى حضورهم يزرع الشكوك داخل الجماعة (الكنيسة)، وحالة من "عدم الثقة" بين المؤمنين الذين يتساءلون دوماً: "مَن هو النبي الصادِق إذن؟" لذا، علّم ربّنا يسوع التلاميذ ضرورة الانتظار وعدّم التسرّع في الحُكم: "من ثِمارِهم تَعرِفونَهم". فالشجرة الرديئة ستُعطي ثماراً رديئة، فلا يستطيعون مواصلة الخداع طويلاً، لابد من أن تنكشِف حقيقتهم، لأن الإعتراف بالمسيح يسوع ربّا كان وما يزال مُكلفاً إذ يتطلّب تخلّيات عديدة، والتنازل عن امتيازات معنوية ومادية، حتّى إنه لا يُعطينا الحق بمُطالبةِ ربّنا يسوع بأي مُجازاة: "إِن الكأَسَ الَّتي أَشرَبُها سَوفَ تَشرَبانِها، والمَعمودِيَّةَ الَّتي أَقبَلُها سَوفَ تَقبَلانِها. وأَمَّا الجُلوسُ عن يَميني أَو شِمالي، فلَيسَ لي أَن أَمنَحَه، وإِنَّما هُوَ لِلَّذينَ أُعِدَّ لهم" (مر 10: 39- 40). 

"يا ربّ، يا ربّ، أَما بِاسْمِكَ تَنبَّأْنا؟ وبِاسمِكَ طرَدْنا الشِّياطين؟ وباسْمِكَ أَتَيْنا بِالمُعْجِزاتِ الكثيرة؟ محاولات من قبِل كثيرين لجذبِ إنتباه ربّنا يسوع إلى منجزاتهِم، وهي شكلٌ جديد من الفريسيّة التي طالبَ ربّنا يسوع تلاميذه أن يتجاوزوها، بل أن يزداد برّهم على برِّ الفريسيين. لم يطلُب الربّ من تلاميذه التنبؤَ بإسمهِ أو طرد الشياطين أو صُنعَ المُعجزات، فهذه لم تكن غاية التلمذة، بل نتيجتهُا. ربّنا يُشيرُ إلى "هؤلاء الأنبياء الكذبة" قائلاً: "لقد عملتُم ما لم أطلبهُ منكم. سعيتُم وراء أفكارِكُم وتأملاتِكم. أنا أعرِفُ تلاميذي من خلال شهادة حياة تُبرِز إرادةَ أبي". لذا، ما عرَفْتُكُم قَطّ. إِلَيْكُم عَنِّي أَيُّها الأَثَمَة!"

​مَن هو التلميذ الصادِقُ إذاً؟ هو: مَن يَعمَلُ بِمَشيئَةِ أَبي الَّذي في السَّمَوات". كلماتُ ربّنا يسوع هي دعوةٌ للعملِ إذا سمحنا لها بأن تتجسّد في حياتِنا، مثلما "جسّد" هو في شخصهِ إرادةَ الآب. فحياتنا المسيحية، وحياة التكريس على وجه الخصوص، دعوة لإظهارِ حياة الثالوث، حياة المحبّة. أن نسمحَ لها بأن تدخُل قلوبنا وتُغيّرنا (توبة) لتُعطيَ ثمراً صالحاً ووفيراً. هو بناء على الصخرة، اختيارٌ أساسي للإنسان العاقِل، يتضمّن "الإجتهاد في الحفر" وتعميق الأسس ورفعِ كل العوائق متجنباً السقوط في تجربة "الكسَل" التي يوفّرها "الرمل". ليس المُهم إذاً حجمُ البناء ومساحتهِ، بل "أين يُقام هذا البناء وعلى أي أُسس تمَّ بناؤهُ؟. والإنسان العاقِل يختار البناء على الصخرة، أي أن يكون إنسان التطويبات، مُصلياً الأبانا، ومُتكلاً على تدبير الله، متخلياً عن دينونةِ الآخرين. 

فأن تكون تلميذاً للابن يعني أن تحاول الإقتداء به، فتعمَل إرادتهُ وتُظهِر أبوتّهُ في واقعِ حياتِك اليومية، وهو يعني أن تسمَح له بأن يُعيد تنشئة حياتِك بكل أبعادها وجوانبها لتكون على صورةِ حياة الابن، الابن الذي كشَف عن صورةِ إبن الملكوت في "التطويبات": فقير الروح ووديعٌ، رحومٌ وطاهرُ القلبِ، مُسالمٌ وجائعٌ وعطش إلى البِر ومُستعدٌ لتحمّل الضيق والإضطهادِ، مُحِبٌ لأعدائهِ، بل مُستعدٌ لأن يموتَ من أجلهِم، تماماً على صورةِ الابن. فلن يسعى التلميذ إذاً إلى أن ينالَ إعجابَ الآخرين أو جذبَ أنظارِهم، بل يرغبُ في أن "يعرفهُ الربّ"، وسيعرفُه عندما تظهَر صورةٌ الابن فيه، هذه الصوّرة التي عملت على تغييرهِ. وسيقِف أمام الله الآب دون أن يُطالبهُ بمكافأة أو مجُازاة، مثلما يصرُخ المدعوون بالتديّن، بل أن دعوة الله تُفاجئه: "تَعالَوا، يا مَن بارَكَهم أَبي، فرِثوا المَلكوتَ المُعَدَّ لَكُم مَنذُ إِنشاءِ العَالَم: لأَنِّي جُعتُ فأَطعَمتُموني، وعَطِشتُ فسَقَيتُموني، وكُنتُ غَريباً فآويتُموني، وعُرياناً فَكسَوتُموني، ومَريضاً فعُدتُموني، وسَجيناً فجِئتُم إِلَيَّ". فيُجيبُه الأَبرار: "يا رَبّ، متى رأَيناكَ جائعاً فأَطعَمْناك أَو عَطشانَ فسَقيناك ؟ومتى رأَيناكَ غريباً فآويناك أَو عُرياناً فكَسَوناك ؟ ومتى رَأَيناكَ مريضاً أَو سَجيناً فجِئنا إِلَيكَ؟" (متّى 25: 34- 39)

قراءة 1300 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *