المواعظ
%PM, %20 %899 %2018 %23:%كانون2

الأحد الثالث من الدنح - "هذا حمل الله"

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الأحد الثالث من الدنح

"هذا حمل الله" (يو 1: 29- 53)

شِهدَ يوحنّا أمام تلميذيهِ بأن يسوع هو "حملُ الله"، وكانت هذهِ العبارة كافية ليترُكَ التلميذان مُعلمها ويتبعا ربّنا يسوع. ولكي نفهم معنى هذه العبارة علينا أن نعود إلى كُتبِ العهد القديم حيث أوصىّ الله العبرانيين إذ كانوا في مصرَ أن تذبحَ كل أُسرةٍ حملاً صحيحاً وتأكلهُ ليلاً وترش من دمهِ على أبواب بيوتها، فيجتاز ملاك الموت مساكنهم (خر 12: 5). وإستخدمّ إرميا النبي نفس العبارة "حمل" عندما عانى إضطهادَ أعدائهِ (إرميا 11: 19)، وتحدّث إشعيا عن عبد يهوه الذي سيموت ليُكفّر عن خطايا شعبهِ، ويظهَر كشاةٍ سيقَ إلى الذبح، وكحمل صامتٍ أمام الذين يجزونهُ ولم يفتح فاهُ (إش 53: 7). ورأت الكنيسة الأولى في ربّنا يسوع صورةَ الحمل، إبنُ الله المحبوب، وكلمتهُ الذي حملَ خطايا العالم، وبموتهِ صارَ للإنسان الحياة، لأن الله صالحَ الإنسان مع نفسهِ بيسوع المسيح.

أخطأ الإنسان وكان للخطيئة عواقِبُ على حياتهِ، فهي حرمتهُ من أن يكون في شِركة مع الله ولم يعدْ حارساً على حياة القريب بل أضحى ظالماً. ولأن الله محبّة ولا يُريد هلاكَ الإنسان بل خلاصهُ، أرسلَ كلمتهُ وصارَ بشراً وحملَ على نفسهِ عواقِبَ الخطيئة، مع إنه لم يُخطئ، ليتمتّع الإنسان بحياة الشِركة مع الله. في الخطيئة رفضَ الإنسان محبّة الله: "كانَ في العالَم وبِه كانَ العالَم والعالَمُ لَم يَعرِفْهُ. جاءَ إِلى بَيتِه. فما قَبِلَه أَهْلُ بَيتِه". أرادَ الإنسان أن يعيشَ إنسانيتهُ وأن يكون َإلهاً من دون الله، فارتكبَ جرائمَ بحقِ القريب. لقد رفض واقعهُ الخاطئ، متجاهلاً أنه صارَ عبداً للخطيئةِ: "الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكم: كُلُّ مَن يَرتَكِبُ الخَطيئَة يَكونُ عَبْداً لِلخَطيئَة. والعَبدُ لا يُقيمُ في البَيتِ دائِماً أَبَداً بل الابنُ يُقيمُ فيه لِلأَبَد. فإذا حَرَّرَكُمُ الابنُ كُنتُم أَحراراً حَقّاً" (يو 8: 34- 36). 

لم يستطع الإنسان بقواهُ الخاصة إذاً أن يتجاوز واقعهُ الخاطئ من جراء الخطيئة، فكانت حياةُ الشِركة مع الله مُستحيلةً. حاولَ الإنسان أن يستخِدم الشريعة التي وهبها الله له عوناً ليظهرَ من خلالها كاملاً ويعوّض عن الإهانة التي ألحقها بالله، ولكنه فشِل في كل مرّة، بل إزدادَ الدين عليهِ. فجاءت البشارة بيسوع المسيح: لن يكون عليكَ دينٌ؛ أنا سأوفيه عنّك، إبدأ العيش إبناً لله. عشّ حياتَك مُتحرراً من سطوّة غرائزِكَ ومن عبودية الخطيئة، لأنك مدعو لأن تعيش الحياة الإلهية. مغفورة لك خطاياك، واقبل الروح القُدس. 

إلهنا وهبنا إمكانية أن نكون مُبرَّرين بالإيمان بيسوع المسيح، لأنه في يسوع المسيح لم يطالب بحقهِ في التعويض عن الإهانة والتجاهل الذي لحِقَ به، بل عامَلنا بالمحبّة والرحمة والحزم ومنحَ لنا فرصة العيش كأناس جدد: "يَا امْرَأَةُ أَيْنَ هُمْ أُولَئِكَ الْمُشْتَكُونَ عَلَيْكِ؟ أَمَا دَانَكِ أَحَدٌ؟ فَقَالَتْ: "لاَ أَحَدَ يَا سَيِّدُ". فَقَالَ لَهَا يَسُوعُ: "ولاَ أَنَا أَدِينُكِ. اذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أَيْضاً" (يو 8: 10- 11). كانت ثمة حاجة إلى إنسان بريءٍ لتتمَ المُصالحةُ بواسطتهِ، ليس لإرضاء غضبِ الله بل، بسبب الخطيئة التي أسرت الإنسان وجعلتهُ يُفكِر بأنه لن يحظى بالشِركة أبداً: "أَقومُ وأَمضي إِلى أَبي فأَقولُ لَه:يا أَبتِ إِنِّي خَطِئتُ إِلى السَّماءِ وإِلَيكَ. ولَستُ أَهْلاً بَعدَ ذلك لِأَن أُدْعى لَكَ ابناً، فاجعَلْني كأَحَدِ أُجَرائِكَ" (لو 15: 18- 19). فالخطيئة إستغلّت الشعور بالعدالة تجاه الله لتُبقي الإنسان بعيداً عنه. وبسبب عدم وجود مثل هذا الإنسان تجسّد كلمة الله، ليأخذ على نفسهِ وزرَ الخطيئة، فتحمل الخيانة والنكران والرفض والسخرية والعذاب والصلبَ. لقد جعلَ ربّنا يسوع نفسه محروماً من الله ليعود الإنسان إلى بيتَ الآب ويستمتِع بالعُرس إحتفالا بعودتهِ. تعاملَ الناس مع يسوع كما نتعامل تماماً مع الله، مُستغلينَ طيبتهُ ومحبتهُ وصبرهُ، ونتمادى في الخطيئة.

عندما يُشيرُ يوحنّا إلينا للنظر إلى ربّنا يسوع بعبارة: "هُوَذا حَمَلُ الله" فهو يدعونا إلى أن نواجه حقيقة خطايانا، فهذا هو حمل الله الذي يحمل خطايا العالم، وهو يعني أنه يحمل خطيئتي أنا. النظر إلى يسوع المتألم والمرفوع على الصليب يجب أن يكون صادقاً إلى مرحلة فيها يواجه ربّنا يسوع قلوبنا الصخرية، ويكسِر صلابتها، ليبعَث فيها الحياة من جديد، تماماً مثلما فعلَ مع بطرس: "فالتفت الرب ونظر إلى بطرس، فتذكر بطرس كلام الرب إذ قال له: "قبل أن يصيح الديك اليوم، تنكرني ثلاث مرات" فخرج من الدار وبكى بكاء مراً." (لو 23: 61). وأمام هذه النظرة اعترفَ بطرس بخطيئته بحرية ونزاهةٍ من دون تبريراتٍ، وهكذا أتاحَ لله الفرصة ليغسل له قلبهُ ويُطهرهُ. لم يستخِف بمحبة الله ورحمتهِ، بل بكا بكاءً مراً. 

فإذا مات المسيح من أجلنا فهذا معناه أننا نحن مَن قتلَ ربنا يسوع وصلبهُ، خطايانا هي سببُ عذابهِ وموتهِ على الصليب: تجاهلنا لمُتطلّبات إيماننا المسيحي وتصرّفنا وكأننا لا نعرِف المسيح يسوع؟ تعظيمُ راحتنا ومصالحنا بل جعلها إلهاً يُعبَد فصرنا بسبب هذه العبودية فاسدينَ في نظرتنا وفي مواقفنا؟ ربّنا يسوع يسألنا من على الصليب: لماذا تتهم بطرس بنكراني، ويهوذا ببيعي؟ ماذا فعلتَ أنت اليوم؟ هل كنت زوجاً صادقاً في عائلتِك؟ هل كنت أماً مسؤولةً في بيتِك؟ هل عشتم دعوة الله لكم بمحبةٍ وبنزاهةٍ لا غشَ فيها؟ كل خطيئة فرصة للمُجرّب ليقول لربنا يسوع: أمِن أجل هؤلاء صُلِبتَ؟ 

قراءة 1231 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *