المواعظ
%AM, %09 %401 %2017 %11:%كانون1

عيد العذراء مريم المحبول بها بلا دنسٍ أصلي - "صنعَ بي العظائم َالقُدوس اسمهُ"

كتبه
قيم الموضوع
(1 تصويت)

عيد العذراء مريم المحبول بها بلا دنسٍ أصلي

"صنعَ بي العظائم َالقُدوس اسمهُ"

 

أعلن البابا بيوس التاسع في 8 كانون الأول 1854 "أَن الطوباوية مريم العذراء حُفظت معصومة من دنس الخطيئة الأصلية منذ اللحظة الأولى من الحبل بها، وذلك بامتياز ونعمةٍ خاصة من الله القدير بالنظر إلى إستحقاقات يسوع المسيح فادي الجنس البشري"، وهو يعني: "أنها كانت أولَ مَن نالَت نعمةَ الفداء التي صارت لنا بيسوع المسيح"، فأعادَ لها بهاء الصورة التي فيها خُلِقَ الإنسان، والتي فقدها بالخطيئة، خطيئة أبينا آدم حواء.  

لم تقصد الكنيسة أن تقول: إن أمنا مريم حُبِلَ بها من الروح القُدس مثلما حبلت هي بربّنا يسوع المسيح، ولم تُعلم يوماً أن أمنا مريم لم تكن بحاجةٍ إلى الخلاص، فهي نفسها أنشدت: "تُعظمُ نفسي الرب وتبتهجُ روحي بالله مُخلّصي"، فهي كانت تشعر بحاجتها إلى الخلاص. فالحبل بلا دنسٍ أصلي يُعظمُ عمل الله الخلاصي مثلما قالت مريم أمنا: "صنعَ بيَّ العظائمَ القدُوس إسمهُ"، فكانت الشاهدة الأولى للفداء الذي صارَ لنا بيسوع المسيح. 

الحبل بلا دنسٍ أصلي يعني أنها صارت مكرسةً لله بشكلٍ مُطلّق، ولم يقترِب منها المُجرّب، لأن الله "ملأها بالنعمة" وحيّاها الملاك: "يا ممتلئة نعمةً" أي: "المُكونّة بالنعمةِ"، فقدّمت نفسها وحياتها خادمة لتدبير الله الخلاصي: "ها أنا أمةُ الربِّ فليكنُ لي كقولِكَ". عطاءُ الذات جعلها "تدخل" إلى تدبير الله الخلاصي بفعل طاعة الإيمان، دون أن يسلبها حُريتها، بل أقدَمَت على طاعة الإيمان لأنها كانت حُرّة، وحفِظَت نفسها إناءً طاهراً لإبنها يسوع المسيح. الله هو الذي بادَرَ وقدس أمنا مريم، مثلما طَهر إرميا وهو في بطن أمه: ”قبلما صورتك في البطن عرفتك وقبلما خرجت من الرّحم قدّستك…” (إر1: 5)، وملأ يوحنا المعمذان من الروح القُدس: "لأنَّه يكون عظيمًا أمام الرّبِّ وخمرًا ومُسكرًا لا يشرب. ومن بطن أمه يمتلىء من الرّوح القدّس." (لو1: 15) بعضهم يقول: "ما دامت ممتلئة نعمةً، ولأن الله اختارها وصانها منذ الحبل بها، فهي ستتغلّب على التجارب بالعون الذي صارَ لها منهُ. ولكنّ القديس لوقا يُشير قائلاً: "وَانصرَفَ الـمَلاكُ مِن عِندِها" في إشارة واضحة إلى أن الملاك لم يُرافقها دوماً ليحميها من التجارب، بل كان عليها أن تواصِل الإصغاء والتأمل في كلمة الله وحفظها: "وكانَت أُمُّه تَحفُظُ تِلكَ الأُمورَ كُلَّها في قَلبِها" (لو 2: 51).

هذه النعمة لم تكن لمَريم أمنا فحسب، بل هي للإنسانية جمعاء، ففي طاعتها فسحت المجال رحباً ليدخل الله تاريخنا الإنساني ويجعل سُكناه بيننا من دون أن يُعيقهُ شيءٌ. في أمنا مريم إنتصرت إرادةُ الله، وفيها أعلَن الله الغلبةَ لأنه آمنَ أن في الإنسان شوقاً إليه لا يبغي المُكافأة أو المُجازاة بل يُحبهُ حُباً طاهراً من دون دنسٍ. فنجحَت أمنا مريم فيما فشلِت فيه أمنا حواء، فكلاهما خُلقا من دون دنسٍ، حواء صارت سبب خطيئتنا بتكبّرها، ومريم سبب حياتنا بتواضعها على حدّ تعبير مار أفرام.

في الإنسان خوفٌ من الله إذ يعتبرهُ الحاكم الديّان القاسي الذي يُريد معاقبتهُ بسبب خطاياهُ. في الإنسان خوفٌ من أن يُزيحهُ الله مُصدقاً كلام المُجرّب لأبينا آدم وحواء: "مَوتًا لا تَموتان، فاللهُ عالِمٌ أَنَّكُما في يَومِ تأكُلانِ مِنه تَنفَتِحُ أَعيُنُكُما وتَصيرانِ كآلِهَةٍ تَعرِفانِ الخَيرَ والشَّرّ" (تك 3: 4- 5). في الإنسان رغبةٌ في أن يكون السيّد والمُتسلّط على حياتهِ فلا يُزعجهُ صوت الله الذي يدعوه إليه. وجميعُنا مُنجذبون إلى "عبادة اصنامٍ كثيرة" أولها إرضاءُ الذات وتمجيدُها، هذه هي الخطيئة الأولى "أن نُكرِم آلهةً أخرى غير الله"، فنبتعِد عنهُ متوهمينَ أنه سببُ تعاستنا. فالخطيئة الأصلية تعبير عن "رغبتنا في أن نكون آلهة من دون الله". أمنا مريم اختبرَت كل هذه المشاعِر الإنسانية، وتألمت بسبب دعوتها وحزَّ في نفسها سيفُ الألم: "وأَنتِ سيَنفُذُ سَيفٌ في نَفْسِكِ لِتَنكَشِفَ الأَفكارُ عَن قُلوبٍ كثيرة" (لو 2: 35)، ولكنها لم تفقد رجاءها بالله، بل واصلت مسيرة الإيمان ورافقت إبنها يسوع لا في أوقات مجده، بل في ساعات الرفض والموت على الصليب، وساندت الكنيسة الأولى بالصلاةِ، وكشفَت في حياتها عن مفاعيل الخلاص الذي صارَ لنا بيسوع المسيح. 

عيد اليوم يُذكرِنا "بالأصل" الطاهِر لجنسنا الذي تشّوه بالخطيئة، إذ مال الإنسان ليُنصّبَ نفسه "إلهاً" ورغباتهِ صنماً يُعبَد. عيدٌ يسنُد خُطاناً ويجعلنا نواصِل مسيرة الإيمان واثقينَ من أن الغلبة ستكون لتدبير الله فينا، إن تجاوبنا بإنفتاح لُحلِم الله هو الذي دعانا لنكون قديسين (روم 1: 7)، مثلما فعلت أمنا مريم، وسارَ على خُطاها قديسون جعلهم الله لنا مناراتٍ على الطريق. عيد اليوم ينزِعُ عنّا الخوف من الفشَل الذي يُجرّبنا مراراً كثيرة أمام الخطيئة التي تأسُرنا. خوفٌ يُبقينا حزانى على ضُعفِنا الذي يجعلنا نعود إلى الخطيئة ظانينَ أننا أضعف من أن ننتصِر. بادَرَ الله في حياة مريم وتجاوَبت مريم معه. لم يدعُها لصُنعِ المُعجزات، بل إلى الإيمان بأنه قادرٌ على أن يصنعَ العظائِم فيها ومن خلالها، فآمنت ومضّت مُجدّة إلى الجبل، إلى جبِل الله لتسمَع تهنئة الروح القُدس: "مُبارَكَةٌ أَنتِ في النِّساء! وَمُبارَكَةٌ ثَمَرَةُ بَطنِكِ! مِن أَينَ لي أَن تَأتِيَني أُمُّ رَبِّي" (لو 1: 42). عيدُ اليوم يُعلّمنا أن محبّة الله هي التي أبدعَت الإنسان وهي التي تُخلّصهُ، وهو ينتظر مَن يؤِمن بهذه المحبّة وأن نسعى لنكون بلا عيبٍ في المحبة (أفسس 1: 4). مريم، بنتُ جنسنا الإنساني وضعت حياتها تحت تصرّف الله، فنالت القداسة والخلاص، وملأها الله بالنعمةِ، وهي تدعونا اليوم قائلة: "سلمّوا حياتكم بيد الله ولا تخافوا، فهو معكم: عمانوئيل". 

قراءة 960 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *