المواعظ
الأحد, 24 أيلول/سبتمبر 2017 10:00

الأحد الثاني من إيليا - أرضٌ طيّبة وثمارٌ وفيرة

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الأحد الثاني من إيليا

أرضٌ طيّبة وثمارٌ وفيرة (متى 13: 1- 23)

أنعمَ الله على الجميع من دونِ إستثناء بالخلاص بيسوع المسيح، كلمتهُ الحاسمِة، فهو لم يأتِ ليدينَ العالمَ بل ليُخلّصهُ. الله بذرَ الكلمة بوفّرة على كل الأراضي، وهو ينتظِر أن تستقبِل هذه الأرض كلمتهُ وتحرُص على أن تأتي بثمارٍ وفيرةٍ. هذا الحرِص يعني: فرحَ قبولِ هذه الكلمةِ، والاجتهاد في حراستها فتنمو بعيداً عن الأخطار والتجارِب التي تسرِق الحياة منها، والسعي لتكون الأرض طرّية تتفاعلُ مع نمّو هذه البذرة ولا تعترِضها حتّى تطلعَ سُنبلةً وثُثمِرٌ ثمراً صالحاً.

إلهنا وملكنا ينتظِر من الجميع إذاً أن يكونوا مُستعدين لقبولِ كلمتهِ، والحال يجد الله أن هناكَ أراضٍ ليس لها حدود أو ضوابط بل هي عُرضة لكل مَن هبَّ ودبَّ. وأرضٌ أخرى سطحيّة ليس لها قُدرةُ الحفاظِ على هذه النعمةِ. وهناك أرضٌ صخرية صلبةٌ لا تتحملُ ولا تتفاعلُ مع نمّو الكلمة، لقد فقدت طراوتها وأصبحت قاسية. وهناكٌ أرضٌ تفرحٌ بالكلمة ولكنها محبوسةٌ في همومِ هذا العالم. وأرضٌ خصبةٌ طرية تستقبلُ الكلمة وتسمح لها بأن تنغرس فيها لتموتَ وتُنمو وتُثمِر وتُعطي ثمراً وفيراً.

هذا هو حالُ الإنسان أمام نعمة كلمة الله التي تُعطى له. بعضٌ له قلبٌ مُتكبرٌ ومتعجرِف لا يعرِف الإنضباط ومُعرضٌ لكل الأهواء والشهوات، متعلقٌ براحتهِ ومصالحهِ وغيرُ مكترثٍ بما يتطلّبة الإيمان. أو مَن له قلبٌ مرائي يفرحُ بالكلمة ويبدو للناس مؤمناً ولكنه غير مُستعدٍ للإلتزامِ بما تتطلّبهُ من جهدٍ وإجتهادٍ لحراستها، فأضحى قلباً جافاً ويابساً لا حياة فيه يغزوه شوكُ الغضب والحسد والخصومة والعداوة، وإن لم يُظهِرها. أو ذاك الذي له قلبٌ حزينٌ ومنشغلٌ بهمومِ هذا العالم: الغنى والسلطة والشهرة. أو مَن إمتلَك قلباً منفتحاً لنعمةِ الله يستقبلُ الكلمة ويتأملَ فيها ويتوبَ إلى متطّلباتها ويجتهِد ليأتي بثمارٍ وفيرة.

مثلُ الزارع هو من الأمثلة التي فسّرها ربّنا يسوع المسيح، ويدعونا لنسأل أنفسنا: أيُ أرضٍ أنا؟ وهل أجتهدُ في الحفاظ على نعمةِ كلمة الله في حياتي؟ هل سعيتُ لأن أنزَع عن حياتي كل ما يعيقُ نمّو هذه الكلمة؟ هل يكفي بأن أُظهِرَ للناس فرحتي بكوني مسيحي أم أن ربّنا ينتظر مني أكثر مما يبدو في الظاهِر؟ هل أن إلهنا ينتظر منّا حماسة التدين أو شجاعة الإيمان؟

لنُصلي ليُنعِمَ علينا الله الآب بالرحمة ويجعلنا رُحماء مثلهُ، ولكن ما الذي تغيّر فينا خلال هذه السنة؟ طلبُ الرحمة وأن نكون رُحماء ليس أمنيةً، بل مسيرة علينا أن نجتهدِ فيها ليكونَ لنا فُكرٌ الآب، حتّى نكون رُحماء مثله. قلوبنا أرضٌ جرداء بسبب المخاوف التي تأسرها. قلوبنا أرضٌ صخرية قاسيةٌ بسبب الهمومِ والخلافات والخصومات والعداوة التي لنا مع هذا وذاك، والتي نرفض الإستغناء عنها، وكأنها لن تُعطّل الأرض أبداً. صرِنا نسألُ الرحمةَ ونحن لا نستحقها في الواقع، فرحمة الله ستأتي لتُبارِك حياتنا بمحبتهِ، وستجدنا مشغولين ومنشغلينَ عنها، ومهمومين بمشاكل وأزمات كثيرة، ولسنا مُستعدين للتنازُل عن ما نعتقد أنه هو الصحيح، وإن طُلِبَ منّا التنازل فنُقدِم أقل ما يُمكِن أن يُقدَم، وليس لنا الشجاعة للإعتذار والتوبة إلى ما يُريده الله منّا، فتُسرَق منّا هذه النعمة، أو تختنِق من دون أن تأتي بالثمار المرجوّة. ونواصِل حياة الإزدواجية فنقِف أمام الله طالبينَ الرحمةَ. فما الذي غيّرتهُ نعمة الرحمة فينا؟

ربّنا يدعونا اليوم لنشكَر الله الآب لأنه يشمُلنا جميعاً بمحبتهِ من دون إستثناءٍ، ويدعونا أيضاً لنبدأ مسيرة التوية من خلال تنظيف قلوبنا من كل ما يُعيقُ نمو كلمتهِ فينا. يدعونا ربّنا لأن نؤمِن أن الحياة هي مع كلمتهِ وليس من دونهِ، وأن كلمتهُ هي أهمُ من أفكاري ورؤيتي. يُنادينا لأن نتخلّى عن ما نعتقد متوهمينَ أن لنا فيه الحياة، فالحياة هي مع كلّمةِ الله وليس من دونها: "فليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله".

ربنا يدعونا ليكون لنا الشجاعة فنقلَع ونرفع عن قلوبنا كل ما يُعيقُ نمّو هذه الكلمة، كلمة الله لا تنمو مع الخصومة والعداوة، ولن تُثمِرَ في قلوب قاسية مشوشة بالحسد والعجرفة. إلهنا يعرِف أن هذه الكلمة ستنمو وسيتطلّب ذلك أن نكون مُستعدين للتفاعل مع هذا النمو الذي يكبُرُ فينا ويحتاج إلى "طراوة" تجعل الكلمة تنمو بأمان، وتأخذ كل ما هو خيرٌ وحسنٌ فينا، ليكون سخاء الثمار نتيجة "نعمةِ" الله وتعاونِ الإنسان الذي يُؤمِن بالكلمةِ، وهذا لن يكون إلا إن كان لنا إستعداد لنتخلّى عن "الأنا" العظيم من أجل "كلمة الله" المتواضعِة.

"مَن له إذنان لتسمَع فلتسمَع"، دعوةٌ إلى التوبة يوجهها ربّنا يسوع للجميع من دون إستثناء. يُخاطبنا على نحوٍ شخصي، ويهبُ لنا الفرصة تلو الأخرى للتوبة، ليُرطبَ جفاف قلوبنا ويبوستها، ويطهر قلوبنا من الأحجار والأشواك ومن ما هو ضارٌ، فيكون القلبُ أرضاً خصبةً. ربّنا عالمٌ بأن السماع يعني "الإجتهاد"، التأملُ والسعي في تحقيقِ إرادة الله في مواجهةٍ إرادتي الشخصية وأهوائي ورغباتي، قبل النظر إلى الآخرين ودينونتهم، وهي تجربةٌ تُبعدنا عن ما يطلبهُ ربّنا منّا: "إجتهد ليكونَ قلبُكَ أرضاً طيبّة لإستقبالِ الكلمة".

 

الثاني من ايليا

قراءة 76 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *