المواعظ
الخميس, 15 حزيران/يونيو 2017 15:54

عيد الجسد - القُربان المُقدس: عطيّة الحياة

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

عيد الجسد

القُربان المُقدس: عطيّة الحياة (يو 6: 35 – 40)

نحتفل اليوم بعيد الجسد، شاكرين عطّية الله لنا بيسوع المسيح الذي يُبارِكنا في حضوره في سرّ القُربان المُقدس، ويدعونا لأن نتناولهِ ليحوّلنا إلى ذاتهِ، هو المحبّة، وجه رحمة الله على الأرض. فعندما نتناول جسدّ ربّنا يسوع، نُعلِن أننا في شرِكة معه، ونقبلُ بملءِ إرادتنا الرسالة المُلقاَة على عاتقنا في أن نكون نحن أيضاً خُبزاً مُقتسماً للعالم. هو سبقنا إلى الله الآب، ويدعونا لأن نتبعهُ لنكونَ في شِركةٍ تامّة معهُ ومع أبيهِ. فالمناولة تُغيّرنا إلى شخصهِ هو، لنكون مسيحاً لكل مَن نلقتيه في حياتنا.

من هنا، إعتاد القديس يوحنّا ماري فيناي دعوة الناس للمناولة قائلا: "تعالوا إلى المناولة.... صحيح انكم لا تستحقونها، ولكنكم تحتاجون إليها"، ونُعلن في كل قداس: "الأقداس للقديسين وللأطهار تُعطى"، عارفين أننا لسنا بقديسين ولسنا أطهاراً أيضاً، لكننا نؤمِن أن ربّنا يسوع المسيح، إذ يُقدِم لنا ذاتهِ، سيُطهِر قلوبنا ويُقدِس حياتنا إن قبلناهُ وسعينا لأن نفتح قلوبنا له ليوحدّنا في شخصه ويفتح أبواب قلوبنا فنرى محبّة الله لنا وقد تغلّبنا على الأنانية التي تأسرُ قلوبنا وأفكارنا. فيكون الله إلهاً أوحدَ في حياتنا.

"خذوا كلوا ... خذوا إشربوا ..." كلمة للحياة. إلهنا عارفٌ بحاجاتنا الإنسانية والروحية. فنحن بحاجةٍ إلى جماعةٍ تقبلنا بمحبّة غير مشروطة لاسيما في عالم متميّز بالأنانية التي طغتَ على مجمل أنشطة الحياة. نحن بحاجة إلى محبّة معطاءة في عالم يظن إنها من المُستحيلات. لذا، يجمعنا ربّنا وإلهنا في كل أفخارستيا ليُعلّمنا أن هذا ممكن، بل هو موجود على المذبح ينتظر كلَّ مَن يقبلهُ بإيمان فيؤلِّف من المٌشاركين عائلة؛ إخوة وأخوات قديسونَ. فلا أفخارستيا من دون جماعة (كنيسة)، لأن الأفخارستيا هي التي تؤسس الجماعة (الكنيسة) وتدُيمها لأن ربّنا يسوع حاضرٌ حقاً في الخُبزِ والخمر اللذان يُقدمَان على المذبح في كلِّ قداس.

هنا، نأتي إلى أهمية التعبّد للقُربان الأقدس، والذي سعت الكنيسة لنشرهِ بين المؤمنين، فتُعيدنا دوما إلى "العشاء الأخير"، حيث إجتمع ربّنا يسوع مع الذين أحبهم، وأحبهم إلى الملء. هناك تُريدنا الكنيسة أن نكون؛ إلى جانبِ يسوع في ساعتهِ، ساعة العطاء الكلّي لله، مُعلناً البشارة: الله هو الإله الأوحد. لذا، فالسجود للقُربان المُقدس، هو إعترافٌ بسيادة ربّنا يسوع المسيح وربوبيتهُ، فلا نعبدُ إلاّ الله ولا نسجدُ لإلهةٍ أخرى، وعندما نسجدُ للقربان المُقدس نعلِن رفضنا لبقية الأصوات التي تدعونا لعبادتِها ونُستهلِك ونُهلِك حياتنا متعبدين لها.

ربنّا يُقدسنا في الأفخارستيا لأن الافخارستيا دعوة إلى القداسة وإلى هبة الذات للاخوة، لأن دعوة كلٍ منا هي أن يكون مع يسوع، خبزاً يُكسر لأجل حياة العالم. وهكاذ يضعُ لنا ربّنا يسوع توجهاً في حياتنا لحياتنا، فنحن نسيرُ على خُطاهُ، في عطاءٍ ذاتٍ مُحِب، مثلما فعلَ هو. هذا التقديس يكون من خلال تطهير القلب من كل التعلّقات التي تُتعبُنا، ويُحررنا لنكونَ أمناءَ معهُ فنكون ما نتناولهُ: "مسيحاً" "أفخارستيا" لمَن نلتقيهم في طريق حياتنا، لكي لا تكون مُشاركتنا في الأفخارستيا وعبادتنا طقوساً شكلية، بل، فعلُ إيمان من قلبٍ مُحبٍ. ربّنا يُريد من خلالنا أن يُغيّر العالم، مثلما غيّر من خلال جماعة الرُسل شكلَّ العالم كلّه.

وإذ نحتفلُ بعيد الجسد هذه السنة في الأسبوع الأخير من شهر آيار والمخصص لإكرام أمنا مريم، نتذكّر بإمتنان هذه الإنسانة التي اختارها الله لتحمل كلمته، كلمة الخلاص إلى العالم. كيف قبِلّت بإيمان هذه الكلمة، وحملتها بتواضعٍ من دونٍ إفتخار، بل إنطلقت إلى بيت أليصابات لتخدُم، فكانت أول من تناولَ بحقٍ، فحياتها تحولّت بحضور الكلمة فيها، وقدّمت جسدها لتكون مسكنِ العلي، ليس فحسب، بل حافظَت على الكلمة وسهرت عليها، لتساعدنا لنعيش إيماننا بأمانةٍ وإلتزام. 

قراءة 205 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *