المواعظ
%AM, %18 %256 %2017 %08:%شباط

الأحد السابع من الدنح - رحمة الله: دواء شافٍ من أمراضنا الروحية

كتبه
قيم الموضوع
(1 تصويت)

الأحد السابع من الدنح

رحمة الله: دواء شافٍ من أمراضنا الروحية (متى 7: 23- 8: 13)

تجرأ أبرصٌ أجبره المرض على الإنعزال بعيداً عن الناس، وتقدّم نحو ربّنا يسوع متجاوزاً المحرمات وسجدَ أمامه قائلاً: "إن شئتَ فأنت قادرٌ على أن تُطهرني!" توسلٌ نابعٌ عن إيمانٍ عميقٍ بربّنا يسوع المسيح الذي جاء ليُقرّبَ الإنسان إلى الله ويُزالَ كل ما يُعيقُ هذا التقرب إن مرضٌ جسدي أو روحي. كان على الأبرص أن يتحمل مرضهُ والعقاب الذي حلَّ به، فهو محكومٌ عليه بالتهميش المؤبَد، فحُرِمَ من مخالطة الناس، وحُرِمت الناس من مخالطتهم. أمام هذا الإيمان مدّ ربّنا يسوع يدهُ ولمسَ الأبرص، وهو فعلٌ مُحرمٌ عليه أيضاً ليقول له: "لقد سَمِعَ الله صُراخَك"، وشئتُ أن تبرأ. ربّنا يسوع سمع ولاحظَ صُراخ وألم الآخر، ولأنه محبّة لا يُمكنه أن يبقى بعيداً أو غيرَ مُبالٍ لما يختبرهُ المتألِم، بل يقترِب مُتجاوزاً كل الحدود لأنه يُحِب. وقُربهُ يتطلّب حضورَ الإنسان وقُربهُ أيضاً. ربّنا يرى في الإنسان الأبرص، وفي الإنسان الخاطئ، صورةَ الله. لا يراه من خلال مرضهِ (خطاياه)، بل يره بعيون الله الآب، فيتحرّكَ تجاهه بخطوة لا يتوقعها الإنسان: سخاء في العطاء المُحِب. 

أقدَم الأبرص وقائد المئة على خطوةٍ تطلّبت إيماناً راسخاً، من أجل التقّرب من ربّنا يسوع مؤمنين أن حامل بشارة الله، فلا يُمكن للناس أن يمنعوهم من التقّرب منهم، ولا الإمتيازات الشخصية والمناصب التي نحن فيها. لقد زرعَ الله إيماناً في قلبِ هذا الأبرص ووهبَ له الشجاعة ليتركَ مكانه متحملاً توبيخات الجماعة، وذهبَ ليلتقي ربنا يسوع مؤمناً أن له القُدرة على أن يُبرأهُ. ووهبَ الإيمان أيضاً لقائد المئة فوقَفَ أمام ربنا يسوع طالباً الشفاء لفتاهُ غير مُبالٍ بما سيقولهُ الناس عنه هو الذي يأمُرُ ويُطاع، فجعل نفسه تحت أُمُرة الله. فمِن أجل شفاء خادمهِ كان مُستعداً للذهاب أينما تطلّبَ الأمر ليحصلَ على ذلك. محبتهُ عنايةٌ وإلتزامٌ جعلتهُ يتركَ مهامهُ وإمتيازاتهِ ليحظى ببركات لقاء ربّنا يسوع، وكشفَ عن إيمان راسخٍ ومتواضعٍ في ذات الوقت: "يا ربُّ لستُ مُستحقاً أن تدخلَ تحتَ سقفي ولكن قُل كلمة فقط فيبرأ فتاي". إيمانهُ جعلَ المعجزة ممكنة وليس العكس، فالمعجزات ليست سببا للإيمان بل علامات له. أعلنَ ربّنا يسوع أنه جاء ليُعلِنَ الخلاص والتحرر لكل مأسورٍ، هذا الإعلان يعني التقّرب منهم وخدمة حاجاتهم، فرحمة الله ليست تعاليمَ تُدرَس، بل مواقف مُلتزمة تبدأ بلمسِ الخاطيء ومحبتهِ ليتحرر من خطاياهُ، ويقفَ شاكراً الله على هذه الرحمة التي نالها نعمةً. 

إذا تأملنا حياتنا في ضوء كلمة الله فسنجد أننا مُرضى من دون أن نشعُر بأمراضنا الروحية، وهذا هو المرض الأخطر في مسيرة الإيمان. صِرنا نشعُر بأننا لسنا بحاجة إلى محبّة الله ورحمتهِ. نحن قادرون على أن نتولّى أمرَ حياتنا ونتعايش مع آزماتنا. ليس فينا الحماس والشجاعة لنُحدِث ربّنا يسوع عمّا نٌعانيهِ من قلقٍ وخوفٍ. صِرنا نشعُر أن "واقعنا" هو ظاهرة مقبولة، بل أن مَن يعيش بخلاف هذا الواقع يُرفَض ويُهَمَش، وهذه شكلٌ من المساومة التي ستكون وباءً قاتلاً لأنها تُسبب تأكل في روحيتنا، وسيُصيبُنا الإنهيار الروحي لاحقاً. 

ربنا يهَبُّ لنا فرص نعمة وبركة، تجعلنا نواجه أمراضنا الروحية ونضعها تحت أنظار ربّنا يسوع الشافي وهو مُستعدٌ ليلمُسها بمحبتهِ ويُطلقنا أحراراً منها. فلنفتح أبواب قلوبنا ليدخل الله فيها ويهبَ لها القوّة والشجاعة لتجاوز ما يُعيقُ عمل الشفاء. يقول البعض: أنا غفرتُ لهذا خطيئتهُ ضدي ولكنني لا أقدر أن أسمامحهُ على ما فعل! كرامتي لا تسمح لي بأن أغفرَ له وتركتُ أمره بيد الله! لقد جرحني بشكلٍ مُؤلِم ولا أستطيع نسيان ما حصل! سامحتهُ ولكني لا أرغب لقائهُ! ... وغيرها كثير من هذه العبارات التي تُبيّن أننا مازلنا محبوسون في أمراضنا والأتعس أننا أبقينا الله على أبواب قلوبنا ولم نسمحُ له بعدُ ليدخل خوفاً من أن تُطالبنا رحمتهُ بالتغييّر. ليبقَ السؤال: إلى متّى سنُبقيهِ واقفاً؟ أوليستَ هذه كلها أمراض بحاجة إلى لمسة الله الشافية؟ كيف ستُشفَى إن لم نُقدمها لربنا لنتخلّص منها؟ 

إنجيل اليوم يتحدّانا لنواجه أمراضنا الروحية، والتي تجعلنا ننعزل بعيداً عن الناس وهمومهم، أو نحبُس انفسنا في همومنا فلا نشعر بما يختبره القريب من ألمٍ. نحن مُصابون بأمراض روحية نتيجة الغضب والإستياء والقلق والحزن الذي يملأ قلوبنا. أمراض تُجبرنا على الابتعاد عن الناس، وأحيانا نلبسُ أقنعة مزيفة لنختبئ ورائها ونُخفي عن الآخرين، عن ربّنا، أمراضنا هذه. نحن محبوسون بإنجازاتنا وطموحاتنا ومُصابون بمرض "المنافسة" القاتلة التي تُربك حياتنا وتجعلنا مهووسون بالإنجازات الشخصية، فلا نشعرُ بألمِ القريب ولا نُبالي بما يختبرهُ من ضيقٍ وألمٍ، ويبقَ القلبُ مُغلقاً أمام رحمةِ الله التي تُريد أن تشفينا من كل هذه وتجعلنا نُدرِك أن لا معنى لكل هذا التنافُس القاتِل. ربّنا يسوع لم يتجسّد ليقولَ لنا مَن هو الله الآب، بل ليعيش هذه الأبوة محبة وحناناً ورحمةً. 

فلنسمَح لكلمة الله، ربّنا يسوع المسيح، أن تُنير ظلمات القلبِ وتُحرره من مخاوفهُ. الصوم الكبير على الأبواب وهو فرصة أخرى لتُشفّى قلوبنا وتستعد للخروج مع يسوع الحامِل صليبهُ إلى الجُلجلة طاعة لله الآب وحُباً بنا. 

قراءة 1898 مرات آخر تعديل على %AM, %18 %260 %2017 %08:%شباط

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *