المواعظ
%AM, %04 %002 %2017 %02:%شباط

الأحد الخامس من الدنح - ولادة من الروح القُدس

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الأحد الخامس من الدنح

ولادة من الروح القُدس (يو 3: 1- 21)

إعتاد معلمو الشريعة والرهبان والنُساك أن يقضوا الليل في التأملِ في كلمة الله، مثلما تعوّد ربّنا يسوع أن يقضي الليل في الصلاةِ. هوذا نيقوديموس، أحد علماء الشريعة، إختارَ الليلَ ليأتي عند ربّنا يسوع المسيح، كلمةُ الله، ليُحدّثهُ عن علاقتهِ بالله والتي تحددت بمعرفته من خلال تطبيق لكل ما تُوصي به الشريعة. وإذا عرفنا أن ربّنا كان يقضي ليلهُ في الصلاة، فمعنى هذا، أن لقاء نيقوديموس كان لقاءَ صلاةٍ إلى الله إيضاً.

كانت علاقة نيقوديموس بالله علاقة معرفية من خلال إلتزام أسلوب حياة رصين ومتميّز (تطبيق لما تأمر به الشريعة) وعبّر عنها قائلاً: "نحن نعِرف" ولم يقل "نحنُ نؤمِن"، والحال أن إلهنا يبحث عن أكثر من معرفة الكُتبِ وكلام الأنبياء، وينتظر منّا طاعة الإيمان، طاعةٌ تتجاوز طاعةَ الأبن الكبير لأبيهِ الحنون (لو 15: 29). إلهنا يبحث عن لقاءٍ شخصي لأنه اختارَ أن يكون "إنساناً" بيسوع المسيح. ربّنا يبحث عن تباعةٍ وتلمذة صادقةٍ، فكلّمهُ عن الولادة الجديدة بفعل الروح القُدس. وهذا ما يجهلهُ معلّم الشريعة الذي صرّحَ في بدءِ الحديث: انه يعرِف. لذلِك، حدّثَ ربّنا يسوع المسيح نيقوديموس لا كشخصٍ بل كشعبٍ شاخَ ورفضَ التجدد والتغيير والإيمان بكلمة الله، يسوع المسيح، الذي أرسلهُ الله لا لليهود فحسب، بل خلاصاً للعالمِ أجمعِ.

أظهرَ نيقوديموس معرفةً ولكنّها معرفة يعوزها الإيمان، لذلِك دعاهُ ربنا يسوع إلى أن يلبَس الإنسان الجديد، أن يُولَد من جديد. أن يتركَ معرفتهُ جانباً وينحني متواضعاً ليؤمِن أن لله طُرقا ًليس كطُرقنا وتدابير ليست مثلُ تدابيرنا. لقد إعتادَ نيقوديموس أسلوبَ حياةٍ وتفكير باتَ يرى من الصعب عليه جداً أن يتغيّر ويقبلَ جديد الله، مثلنا نحنُ قد إعتدنا أسلوب حياة وطريقة تفكير، بل ألفنا خطايانا، فيصعُب علينا الإنتقالِ نحو حالةٍ جديدة، على الرغم من معرفتنا للحقيقةِ. لذا، طلبَ ربّنا يسوع من نيقوديموس، ومنّا، أن يتشجّع ويخرجَ إلى النور ليولَد ثانية بفعل الإيمان من دون خوف. فالمعرفة وإلتزامُ الطقوس لن تُقرّبَ الله إلى الإنسان، الله هو الذي نزلَ وتقّربّ من الإنسان، وينتظر الله قبول الإنسان له، وأن يفتح له باب قلبهِ ليدخل (رؤ 3: 20).

ولأن ربّنا يسوع هو "وجهُ رحمةِ الآب"، لم يترك نيقوديموس في حيرتهِ، بل رأى فيه أرضاً طيبةً يُمكن لها أن تُؤتي بثمارٍ حتّى وإن تأخرَ في الإنفتاح لنعمة الله. لقد بحث نيقوديموس عن الله من خلال قراءة الكُتب المُقدسة والتأمل فيها وتطبيق كل ما تأمر به الشريعة، ولكنهُ لم يستطع أن يلاحظهُ واقفاً أمامه في شخصِ يسوع المسيح، لأن قلبهُ لم يُفتَح للروح القُدس بعدُ. جاء نيقوديموس، إلى ربنا يسوع مُبدياً إعجابهُ بتعليمِه ومُقراً بسلطانهِ السماوي، فرأى فيه ربّنا أرضاً طيبةً فزرعَ فيها كلمتهُ وحمّلهُ تساؤلاتٍ ليتأمل فيها ويتخذ على ضوئها قراره الأخير: هل سيستجيبُ للبشارة أم سيرفضها؟ هل سينفتِح لها قلبُه ويؤِمن ويتحمّل كل ما تتطلّبه من مواقفَ، أم سيكتفي بما يعرفهُ هو عن الله ويواصِل العيش مُطيعاً للشريعة وأوامرها؟ لكنّ نعمةَ الله حلّت عليه ولن ترجِع فارغةً، فجذبتهُ، لذا، حضرَ عند الصليب وحملَ جسدَ ربنا وقدّم له الإكرامَ الواجِب غير آبهٍ بما سيقوله زملائهُ علماء الشريعةِ.

ونحن نسأل مثل نيقوديموس أيضاً: كيف تكون هذه الولادة؟ وما المطلّوب من نيقوديموس (ومنّا)؟

ما تتطلّبهُ هذه الولادة هو "الإيمان" بالخلاص الذي صارَ لنا بيسوع المسيح. والإيمان يتطلّب الإصغاء والطاعة: "ها أنا أمةُ الربّ فليكن لي حسبَ قولِك" (لو 1: 38). معرفة الله وحفظ الشريعة وكُتبُ الأنبياء ليس إيماناً، الإيمان هو أكثر من المحافظة على الطقوس. الشرائع والطقوس تُحدد محبة الله لنا وتجعل خلاصهُ مُحدداً بمقاييسنا، والله يُريد منّا كل شيءٍ: "أَحبِبِ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلبِكَ، وَكُلِّ نَفسِكَ، وَكُلِّ قُدرَتِكَ، وَكُلِّ فِكرِكَ، وَأَحبِب قَرِيبَكَ كَنَفسِكَ. أن تقبلَ خلاص الله بيسوع المسيح الذي جعلَ نفسه خطيئة من أجلنا، فكل مَن ينظر إلى صليب ربّنا سيتذكّر خطاياه التي جعلت يسوع يُصلب، مثلما رفعَ موسى الحيّة في البرية ليُذكِر الشعب المُتمرَّد بخطيئتهِ (عدد 21: 4- 9).

الولادة من الروح القدس تعني الإيمان والإيمان هو قبول الدخول في علاقة شخصية مع ربّنا يسوع المسيح، والسير خلفهُ مهمّا كلّف الأمر والاستعداد للتغيير الذي سيُحدثهُ فينا هذا اللقاء. هذا الإيمان يتطلّب شجاعةً وتفانياً وجهداً صادقاً يدفعنا لأن نقوم من حيثما نحن ونفتح باب قلبنا لله ليُعمذه بالروح القُدس، عطيتهُ التي ستُغيّر كلَّ حياتنا. والصعوبة تكمُن دوماً في رغبة القيام وفتح الباب، لذلك، يبقَ الله ينتظر طويلاً قبلَ أن يُفتَح له الباب. تطبيق الشرائع الإلتزام بالطقوس، يجعلنا في رتابةِ وروتين وهي شكلٌ آخر من أشكال الموت، أما الإيمان فيدفعنا للسير خطوات، لربما تكون جنونية، ولكنها تجعلنا أحياء بالروح القُدس الذي يُنعمهُ الله علينا. فلنُطلب من الله أن يهبَ لنا الشجاعة لأن نفتح أبواب قلوبنا له، ليُعمذها بروحهِ القُدوس، فنولَد فيه وله إنساناً جديداً. 

 

الاحد الخامس من الدنح 2

قراءة 1238 مرات آخر تعديل على %AM, %04 %008 %2017 %02:%شباط

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *