المواعظ
%AM, %07 %333 %2017 %10:%كانون2

الأحد الأول من الدنح - ربّنا يسوع: نداءٌ يدعونا للتوبة

كتبه
قيم الموضوع
(1 تصويت)

الأحد الأول من الدنح

ربّنا يسوع: نداءٌ يدعونا للتوبة (لو 4: 14- 30)

         كانت حياة ربّنا يسوع تحت قيادة الروح وإرشادهِ، فدخلَ ربّنا يسوع المجمّع يومَ السبت كعادتهِ لكي يُصغي إلى كلمة الله لا سامعاً فحسب، بل عاملاً بها ومُعلّما لها، فهو كلمة الله الحيّة. دُفعَ إليه سفر إشعيا ومنه أعلنَ البشارة: الله لم ينسَّ الإنسان لاسيما الفقيرَ والأعمى والمُضطهَد والمسكين والمأسور، ويُبشِرَ بسنة مرضيةً لله. السنة المرضية هي سنة اليوبيل، سنة تحرُر وخلاصٍ للعبيدِ وللأسرى وحتّى للأراضي التي أستُغلّت أو أُستُملِكَت خلال تسع وأربعين سنة (أحبار 25: 8- 55)، فيها يُعلِن الإنسان أن الأرضَ وما فيها مُلكٌ لله في إعترافٍ صريح بآلوهية الله المُطلقَة، وفي هذا الإعتراف ينالُ الإنسان كرامتهُ الحقيقية كونه مخلوق على صورةِ الله ومثالهِ (تك 1: 26). فعلى الإنسان أن يتخّذ قراراه إزاء هذا النداءِ الذي يُعلنهُ ربّنا يسوع فيستجيبَ له بالتوبة، أي العودةِ إلى الله، والحال إن الإنسان ليسَ مُستعداً دوماً لأن يعودَ إلى الله، فوبَخَ ربّنا يسوع أهل الناصرة لقساوة قلوبهم مُذكراً إياهم بما فعلهُ أهل إسرائيل أيام إيليا، فغضبوا منه فصارتَ توبتهم مستحيلة، فحاولوا أن يطرحوهُ من قمة الجبل، ولكنه جازَ بينهم ومضّى.

وَاصَلَ ربّنا يسوع إعلان البشارة فهو إبنُ الله الحبيب، ومحبّة الله غمرتهُ ولا يُمكنه أن يسترِيح أو يتراجع أمام عظمة هذه المحبّة. الله أحبَّ الإنسان ويُريد خلاصهُ، ومحبتهُ أقوى وأعظم من كل خطايا الإنسان، شرطَ أن يفتح الإنسان قلبهُ لرحمة الله. تمتلكُ المحبة قوّة لا يقوى عليها الشّر بكل ما له من سلاحٍ من غضبٍ وحقد وكراهية وعداوة شرطَ قبولنا هذه المحبة بإمتنانٍ وشُكرٍ على الرُغم ممّا نختبرهُ من ضيقٍ وصعوباتٍ. يروي لنا آباؤنا الروحيون عن حادثةٍ حدثت في قديم الزمان في سوقٍ لبيع الرق (العبيد)، أشبهُ ما تكون بالمعجزة. إذ جرت مزايدة بين رجلين لشراء صبيةٍ في ريعانِ شبابها. تميّز أحدهم بالقسوةِ، فيما كشفَ الثاني عن وجهٍ أكثر رقّةً وإنسانية فزايدَ عليها حتّى فازَ بها. نظرت إليه الفتاة والغضبُ على مُحيّاها لأنها صارت عبدة له مفتكرة بما سيكون حالها بعد أن دفعَ فيها كل هذه الأموال. ولكنَّ الأحوال تغيّرت بعدة لحظات، لأن المالكَ، وبمرأى من الجميع مزّق صكَّ المُلكية ونظرَ إليها مُبتسماً: "أنت منذ الآن حرّة وليس لأحد سُلطانُ عليك بعد اليوم، فقد صممتُ أن أُسدد الثمنَ مهما كان غاليا ًلكي اُحررك". فألقت بنفسها على قدميهِ والدموعُ في عينها وهي تقول: "سيّدي، أتبعُكَ حيث تمضي، وأُريد أن أخدمك طوال حياتي". فما لم يقدر صكّ الملكية أن يفعلهُ فعلتهُ المحبة.

         السؤال هو: لماذا غضِبَ أهل الناصرة عندما ذكّرهم ربّنا يسوع بما حصلَ أيام إيليا؟ وهل صارَ صوتُ الله مُزعجاً لدرجة أن الإنسان يحاول التخلّص منه؟ هل أن التوبة أضحت مُستحلية على الإنسان اليوم؟

إنتظرَ أهلُ الناصرة مُعجزاتٍ مُبهرة من ربّنا يسوع، وكان ربّنا ينتظِر منهم معجزة التوبة والعودة إلى الله ليعبدوهِ بالروح والحق، وهذا لم يحصَل، فنالوا توبيخاً منه مثلما وبّخَ إيليا الشعبَ الذي كان يتأرجح في عبادتهِ لله إذ كان يتردد إلى معابد البعل تاركين وصايا الله (1 ملوك 18: 18). ربّنا لا يتطلّع إلى أن نكون مُعجبينَ بكلامِ النعمة الذي بشّرنا به فحسب، بل يُريدنا صادقين في علاقتنا معه. والصدق يتطلّب تغييرا جذرياً فيما نُفكّر فيه ونصنعهُ، والتغيير يبدأ عندما نشعرُ بحاجتنا إلى الله وأننا أخطأنا فنشرَع بمحاسبةِ أنفسنا بذات الحماس الذي نُحاسِب فيه عادة الآخرين وندينهم. محاسبةٌ لا نسعى فيها تبرير أخطائنا وإلقاءِ اللوم على الناس أو الظروف بل بتحمّل مسؤولية خطايانا، وهذه بداية صحيحة لتوبة صادقة. فأولى خطوات القداسة تبدأ بإعترافنا بأن الله صالحٌ ونحن خطأة لا نستحقُ غفرانهُ.

نحن نؤمِن بالتوبة وضرورة التغيير ولكننا لسنا مستعدين لها دوماً، أو ننتظرها من الآخرين حصراً، فلا نلحظٌ الخشبة التي في أعيننا والتي جعلتَ حياتنا ظُلمةً، وإن لاحظناها فسنُبرر ذلك بأنها نتيجة سلوكيات الناس تجاهنا، وليس لنا التواضع والشجاعة لنقول: أنا أتحمّل مسؤولية خطاياي. أو ترانا أحياناً نتطلّع إلى تديّن يُريحنا ونسعى إلى "المساومة" مع الله مُستغليّن محبتهُ التي تغفر لنا خطايانا. فمعَ إيماننا بأن فكرةً أو قولاً أو فعلاً هو خاطئٌ ومُهينٌ لله وللقريب، إلا أننا نواصل العملَ به مُفتَرضينَ أن الله سيغفِر لنا، بل أن البعض منّا يسعى إلى أن يطرحَ الله عن حياتهِ فلا يُزعجهُ بضرورة التغيير مثلما فعلَ أهل الناصِرة، فيكتفي بإشعالِ الشموع أمام العذراء أفضل من أن يجعل حياتهُ شمعةً تحترق أمام الله وأمام القريب.

فلنُصلِّ إلى الله أبينا ليهِبَ لنا نعمة الشجاعة فنبدأ بدينونةِ أنفسنا أولاً، ونرى واقعنا مثلما هو، لا مثلما نتخيلّه أو نُريدهُ، فلا نتهّرب من نداءِ التوبة من خلال التفكير في أخطاء الآخرين وخطاياهم والحديث عنها في المجالس أو في لحظات صلاتنا إلى الله. لنترِك ذلك لله فهو الإله وهو الديّان. لنُطلُب منه بإلحاحٍ أن يُباركنا بأن يُنعِمَ علينا بنعمة التوبة فنفتح له قلوبنا، ونخدمهُ محبةً مثلما اختارنا محبةً. هذا ممكن لأننا عارفونَ أن رحمة الله تقبلنا، وهي أعظمُ من خطايانا.                

قراءة 1390 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *