المواعظ
%AM, %25 %332 %2016 %09:%كانون1

الأحد الأول من الميلاد - الطريق إلى النجومية

كتبه
قيم الموضوع
(1 تصويت)

الأحد الأول من الميلاد

الطريق إلى النجومية (متّى 2: 1- 23)

في ليلةِ ميلاد ربّنا يسوع المسيح أعلنَ الملاك للرعاة أن الطفلَ المولود ليس مُخلصا لشعبِ إسرائيل فحسب، بل هو للعالِم أجمع (لوقا 2: 10). فبدأ حُكماء من الشرق، مجوسٌ يتبصرون في الفلك، مسيرة حجٍ وبحثٍ من أجل لقاء ملك اليهود وتقديم الإكرامِ الواجِب له، فجاؤوا وسجدوا له لأنه الملكُ والإله. هم مثلُ الرُعاة الذين كانوا يبحثونَ عن الله وينتظرون مجيئهُ، لم يكتفوا بأنهم عَرفوا أن "المُخلَصً" قد ولدَ، بل أرادوا ن يكونوا بقربهِ، مهما كلّفهم الأمر من تعبٍ وجهدٍ، فاللقاء يستحق كل هذه الجهود، فهذا الملَك ليس كباقي الملوك، بل هو المُخلّص، هو كلمة الله ووجه رحمتهِ.

بشّر الملاك الرُعاة بولادة المُخلِص فأنطلقوا للقاء الطفل وعندما وجدهُ أخبروا عنه ما قيلَ لهم، فحولّهم هذا اللقاء إلى مُبشرين بالمُخلص. أظهرتَ السماء نجمة الملِك للمجوس وحولّـتهم إلى نجوم توجه الناس إلى الملِك الأوحد. كانوا مؤمنين فإنطلقوا بحثاً عن الملِك، وكانوا شجعاناً لا يُبالونَ بمخاطِر الطريق وصعوباتهِ، وكانوا متواضعين في بحثهم فسألوا كل إنسانٍ إلتقوه عن المَلِك، فعبروا بذلك عن متطلّبات اللقاء بيسوع: الإيمان والشجاعة والتواضع

كشفوا عن إيمانهم عندما آمنوا أن الله يُرشدهم إليه بطرق وأنواع شتّى، فالخليقة كلّها تتحدّث بمجده. شاهدوا النجم فما اكتفوا بالإعجاب بل كان هذا علامة من السماء لبدءِ مسيرة للقاء الملك. لم يكن ظهور النجم فرصة للإسترزاق والحصول على مكاسبَ مالية مثلما يفعل البعض، بل علامةً لما هو أهم: الله. عرفوا ان الطريق للقاء الملك لن يكون سهلاً وواضحاً دوماً، فعندما أضاعوا النجم لم يتراجعوا بل واصلوا الطريق، فكان إيمانهم سنداً لهم وقتّ الشّدة. كُلنا مثلهم نشعر في أوقات أن حماس الإيمان خفُتَ، وليس فينا غيرة الإيمان التي كانت تسندنا، وينقصنا وضوح الطريق. تساؤولات مُحيرة تُقلقنا وهمومٌ تُجبرنا أحيانا للتوقف عن الصلاة، لأننا نشعر وكأننا نسير وحدنا في ظلمةٍ مُخيفة ولا يوجد مَن يسمعَ صلاتنا ويُصغي إلى ألمنا. ولكن، علينا مواصلة المسيرة مثلما واصلَ المجوس، حتّى لو جُربّنا بأن نسأل الشخص الخطأ. نحن نؤمِن أن إلهنا لن يتركنا وحدنا، هو الذي وعدنا بأن يكون معنا حتّى إنقضاء الدهر، ومَن يثبُت إلى المنتهى فذاك يخلُص.

شجاعتهم كانت واضحة، فقد حملوا هداياهم وساروا البراري غير مُبالين بقطاع الطُرق والسراق. وعندما وصلوا إلى أورشليم وسألوا وعرّفوا أورشليم كلّها بولادة ملِك اليهود، لم يضطربوا حتّى في إضطراب المدينة العظيمة. لربما إستهزأ البعضُ عندما سمعوا ما يقولهُ المجوس: كيف يُمكن لكم أن تقطعوا كل هذه المسافات البعيدة والمُخطرِة خلف نجمٍ إختفى فجأة؟ مجانين. ولربما يستهزاء البعض بنا: هل ما زلتُم تذهبون للكنيسة؟ بماذا تنفعكُم؟ بالنسبة للمجوس، ويجب أن يكون الحالُ معنا أيضا، لقد مسّنا الله برحمتهِ وأقتربَ منّا فلا يُمكن البقاء في سكونٍ بل بدءُ طريق العودة إليه ولقائه مهما كانت أراء الناس وانتقاداتهم ومواقفهم. وعندما حظي المجوس بلقاء الملك لم يعد مهماً لقاء أي ملِكٍ أرضي، فلم يبالوا بما سيفعله هيرودس أو جنده عندما تجاهلوا أوامرهُ وشدوّا الرحال إلى بلادهم. مَن إلتقى بيسوع لا يُمكنهُ أن يكون مُطيعاً لأي شخصٍ أو حدثٍ في العالم، لذا، حملوا معهم هذا اللقاء ونسوا هيرودس وأوامرهُ بضرورة العودة إليه.

تواضعهم تجلّى في ضرورة بدءِ هذه المسيرة للقاء الطفل الملك، لم ينتظروا ليُصبح ملكاً حتّى يذهبوا ويُقدموا له الإكرام، بل شرعوا في الرحلةِ غير مُبالينَ بحقيقة أنهم الحُكماء والكبار والعارفون قراءة علامات السماء، سيذهبونَ للقاء طفلٍ. حكمتهم لم تجعلهم يتكبرون على الآخرين، هم اعترفوا بأنها حكمة بشرية محدودة وعليهم البحث والتساؤول. تواضعهم دفعهم لأن يسألوا ويستفسروا من الجميع فلا عيبَ وحرجٍ في مواصلة التعلّم، ولكن التعلّم الحقيقي يجد كمالهُ في البحث عن الله من خلال التأمل في الكتاب المُقدس كلمة الله التي تُعطي معنى لهذا البحث كلّه. كلمة الله التي كانت للبعض فرصة للدرس والوعظ، أما بالنسبة لهم فكانت فرصة البحث عن الحقيقة، للسعي للقاء المُخلِص الذي يُنير طريقنا، فالطفل هو الذي يوجّه النجم وليس العكس: "وإذا بالنجم الذي رأوه في المشرق يتقدمُهم حتّى بلغَ المكان الذي فيه الطفل وقفَ فوقهُ" (متّى 2: 9).

دعانا إلهنا وملكنا وعلى لسان بولس الرسول في رسالتهِ إلى أهل فيلبي لأن نكون "نجوماً" تُنير ظلمة هذا العالم (فيلبي 2: 15) المُبتلّى بأمراض "هيرودسية". هذه النجومية والتي صارتَ اليوم طموحاً في حياة كثيرين لا تأتي من خلال القوّة والعنف أو البحث عمّا يُعجِب الناس، بل البحث عن الله، ومَن يبحث عن الله ويهتَم بشؤونهِ سيهتَم بالناس وشؤونهم، وسينال النجمومية من خلال الإيمان والشجاعة والتواضع، وهي تُخالِف مبادئ وأعراف عالمنا الهيرودسي.


قراءة 1053 مرات آخر تعديل على %PM, %11 %723 %2016 %19:%كانون1

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *