المواعظ
%AM, %17 %322 %2016 %09:%كانون1

الرابع من البشارة - يوسف: الأبُ البار

كتبه
قيم الموضوع
(1 تصويت)

الرابع من البشارة

يوسف: الأبُ البار (متى 1: 18- 25)

ما الذي كان على يوسف أن يفعلهُ وهو يرى خطيبتهُ مريم حُبلّى قبل أن يتعارفا؟

وفق ما تعلّمه الشريعة وحسبما جرت العادة في تلك الأزمنة، كان على يوسف، وفي أحسن الأحوال يتخلّى عنها لأنها لم تكنّ وفيّة له، ولكنه أختار القرار الذي يحفظَ لمرَيم حياتها: "أن يُخليها سراً". تدّخل ملاك الله، مثلما بشّرَ أمنا مريم ليُعلِنَ له في الحُلم: "يا يوسف إبنَ داود، لا تخَف أن تأتي بآمرأتِكَ، مريم إلى بيتِكَ، فالذي كوِّن فيها هو من الروح القُدس، وستلِد إبناً فسمهِ يسوع". المولودَ منها هو الله الذي أرادَ منذ البدء أن يكونَ معنا": عمانوئيل. لم يستسلِم يوسف إلى شرِّ الظنون السيئة، ولم يسمح للشكوك أن تُجربهُ وتأسرهُ. أرادَ أن يفهَم فأصغى إلى الله، ورفعَ إليه حيرتهُ وأزمتهُ، ونالَ منه التوجيه والإرشاد، وتمكّن من أن يرى مريم بعيون الله، عيون المحبة والحنان والرحمة، وهكذا كشفَ عن نفسهِ أنه إنسانٌ بارٌ، لا يُريد أن يُشهَر مريم بين الناس، لأنهُ جعلَ شريعةَ الربَّ هواهُ، وبيّن ذلِك في فعلِ الطاعة الذي قدّمهُ إذ أخذ مريم خطيبتهِ إلى بيتهِ لأن الربَّ امرهُ بذلِك، واثقاً بتدبير الله له حتّى لو لم يفهَم طبيعةَ هذا التدبير في حينهِ. "برُّ يوسف" كان في سعيهِ إرضاء الله لا إرضاء الناس، وتتميمِ إرادتِه، فغاية الشريعة خلاص الإنسان.

يُوسف إنسان صامتٌ وصمتهُ ساعده ليكون مُصغياً لله. فالصامت إنسان مُستعد ليُصغي إلى الآخر الذي يأخذ أهميةً أكبر منه. الصامت يسمح للآخر بأن يكون في المركز ليختفي هو، فالآخر هو الأهم، ويوسُف أعطى الأولوية لله في حياتهِ، فكبُر الله وصغُر هو. صلّى إلى الله في أزمتهِ. تقدّم نحو الله ومعه قرار إخلاء سبيل مريم سراً، ليرحمها من الإهانة والعقوبة، ويخرُج هو من حياتها، وينسحِب بعيداً عن كل هذه الأجواء. فإذا بالله يدعوهُ ويكشِفَ له تدبيرهُ الخلاصي ويسألهُ أن يكون خادماً في تدبيرهِ الخلاصي. نالَ التعزية ونالَ نعمةَ الأبوة، أي: مسؤولية أن يكون الحارِسَ الأمين على الطفل يسوع وعلى أمهِ، وعليه أن يُريبهِ ويحميهِ. ونالَ ربّنا يسوع، ومن خلال يوسف، النَسَب لبيت داود.

أطاعَ يوسف وقَبِلَ هذه المسؤولية والخدمةَ، ففعلَ في اليوم التالي كما أمره الملاك من دون إبطاءٍ، فدخل في مشروع الله، مثلما قَبِلَت أمنا مريم المهمّة: "ها أنا أمةُ الربِّ، فليكن لي حسبَ قولِك". برُّ يوسف كان في قبوله تدبير الله الخلاصي، تماماً مثل إبراهيم الذي لبّى دعوة الله، وآمن بكلمتهِ فحُسِبَ له ذلك برّاً. وفي مثل هذا البيت تربّى يسوع، مع مريم ويوُسف اللذان قبلا دعوة الله لهما بطاعة تامّة. دعا الله يُوسف إلى الدخول في سرّ تدبيره الخلاصي، وعهِدَ إليه مسؤولية تسمية الابن المولود: "إيشوع: الربُّ يُخلِص"، وخلاصُ الربِّ كان بغفران الخطايا، إي: تصحيح علاقة الشعب بالله. فالله نفسه جاء ليُصالِح الإنسان بيسوع المسيح. كلمة الله الأخيرة لم تكن كلمة دينونة وعقابٍ، بل غفرانٌ وسلامٌ ومُصالحة. فيُصالِحَ الله الإنسان إلى قلبهِ، ليتمكّن الإنسان المغفوُر له من أن يُصالِحَ أخاه الإنسان فيعُم السلام بين البشر.

بشارة إنجيل اليوم تُعلّمنا كيف نستعد لاستقبال كلمة الله المتجسّد في ميلادهِ. هذا الإستعداد لن يتحدد بما سنُنفقه من أموالٍ في تحضيراتنا لزيارة الله لنا، بل في موقف الإصغاء والطاعة لكلمة الله، وأن نتحمّل مسؤولية دعوتنا فنكون حُراس الكلمةَ، والتي فيها خلاص العالم. نحن نؤمِن أن خلاص ربّنا يسوع ليس لنا وحدنا، بل هو للعالِم أجمع، فهو أبنُ داود ومن نسلِ إبراهيم، إبراهيم الذي دُعي ليُبارِكَ الله من خلالهِ الشعوب كلّها. هوذا الله المحبّة يبدأ المسيرة من جديد، بل يتعهّد للإنسان بأنه سيكون معهً دوماً: عمانوئيل: الله معنا، ويختُم متّى إنجيلهُ بنفس البُشرى عندما يُبارِك ربّنا يسوع تلاميذه ويُرسلهم إلى العالم مؤكداً لهم: "ها أنا معكم طوال الآيام إلى نهاية العالم" (28: 20).

يدعونا ربّنا يسوع اليوم إلى أن نُكرِم يُوسف البار لأنه كان الحارِس الأمين الذي حافظ عليه وعلى أمهِ مريم ولم يسمح لهيرودس أن يمُسهما، ووفّر كل ما يلزم ليكبُر يسوع سليمَ الجسد وعلّمهُ "النجارة" ليكون له مهنةٌ يسترزِق بها. تابعه وبحث عنه عندما تاه عن أنظاره. كان مثالاً للأب المُصغي إلى كلمة الله ومُعلماً حكيماً، حتّى أن القديس لوقا الإنجيلي قالَ عن ربّنا يسوع: "وكان طائعاً لهما ... وكان يتسامى في الحكمِة والقامة والنعمة" (لو 2: 51- 52). لقد جاهَد يوسف ليكون بيتهُ مسكنُ الله فربّى يسوع على الإيمان وقبولِ تدبير الله مثلما قبلهُ هو طائعاً. فالأبوّة مسؤولية نعيشها نعمةً إذا كانت لنا صداقةٌ مع الله. الأبوة المسؤولة ليست أن يوفّر الأب الحاجات المادية للبيت فحسب، بل هي أولاً أن يعيش أبوّة الله في بيتِه، فمن خلال إنموذج حياة الأب، سيتعرّف الأبناء على أبوّة الله المليئة حناناً ورحمة.

فلنُصل جميعاً ليُبارِك الله بكل الآباء ليكونوا على مثال يوسف، خُدام تدبيره الإلهي، وحُراس الكلمة، ورُعاة صالحين في بيوتهم. 

قراءة 1453 مرات آخر تعديل على %PM, %11 %722 %2016 %19:%كانون1

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *