المواعظ
%PM, %10 %683 %2016 %18:%كانون1

الثالث من البشارة - ما عسّى أن يكون هذا الطفلُ؟

كتبه
قيم الموضوع
(1 تصويت)

الثالث من البشارة

ما عسّى أن يكون هذا الطفلُ؟ (لو 1: 57- 80)

حلَّ الروح القُدس على زكريا فأنشدَّ متنبأ نشيدَ تمجيدٍ لله الآب وفرحٍ بولادة يوحنا، مُعلناً أن ولادتهُ علامةٌ على وفاء الله لعهدهِ، وبدءُ تدبير الخلاص الذي حققهُ بيسوع المسيح. فكلَّ شيءٍ صارَ بفضلِ رحمة الله: "أظهرَ رحمتهُ لآبائنا ... تلكَ رحمةٌ من حنان إلهنا". زيارة الله لشعبهِ، وحسبما يُعلنُ الروح القُدس بلسان زكريا هي زيارة رحمة نابعة من حنانهِ ومحبتهِ لشعبه فأقام لهم مُخلَصاً قديراً: ربّنا يسوع المسيح. فيوحنا هو في خدمة تدبير الخلاص الذي حققهُ ربّنا يسوع لنا.

يُعلّمنا زكريا أيضاً في نشيدهِ، أن كل طفلٍ يُولدُ في العالم إنّما هو رسالةُ حُبٍ من الله للإنسان، علينا أن نقبلها بشكرٍ وإمتنانٍ، فنرعاهُ ليتقوّى ويتشدد ويأخذ دوه في الحياة. علينا الإهتمام به لا بتوفير ما يحتاجهُ مادياً فحسب، بل بأن يكون قريباً من الله، الآب الذي وهبهُ لنا، مثلما سيقول ربّنا يسوع لأمه مريم وليوسف اللذان بحثا عنه فوجداه في الهيكل: "ولِمَ بحثتُما عنّي؟ ألم تعلما أنه يجب أن أكونَ عند أبي؟" (لو 2: 49).

بشارة إنجيل اليوم توعينا أيضاً على حقيقة أن كل طفلٍ هو "لحظةُ إندهاشٍ وتعجّب": "ما عسّى أن يكونَ هذا الطفلُ؟" هذا ما قالهُ جيران زكريا وأقربائهم. لذلك، إستعدّ زكريا لإستقبال إبنهِ تسعةَ أشهرٍ قضاها مُصلياً ومتأملاً بصمتٍ الرحمة التي صارت له حتّى ينالَ الصلاة التي وهبها الروح القُدس له. زكريا مثلنا لا يُحسنُ الصلاة، لذلك كان عليه أن يصمُتَ طويلاً حتّى يتعلّم الإصغاء إلى صلاة الله فيه. وفي صلاتهِ ذكرَ كل تاريخ الخلاص، تاريخ الله مع الإنسان، وهو تاريح رحمةٍ إذ غفرَ لنا خطايانا. الصلاة ليست لحظة مُنقطعة من الزمان، بل تواصلٌ لصلاةٍ بدأت قبلَ أن نكون. صلاةٌ بادرَ بها الله وهو أمينٌ في محبتهِ ليواصِل معنا الصلاة.

"سَمِعَ جيرانُها وأقاربُها أنَّ الله غَمَرها برحمتهِ، ففرحوا معها". بيت زكريا وإليصابات صارَ بيت الزيارات الانسانية الحقيقية والصادقة. ففي الأحد الماضي تأملنا كيف زارت أمنا مريم وكانت زيارتها وقفة تمجيد الله القدوّس صانعُ العجائب في المرأتين: مريم وإليصابات. زيارة اليوم كانت من جيران وأصدقاء وهي زيارة فرحٍ حقيقي بعيداً عن المُجاملات التي تُسيطر عادة على زياراتنا. زيارة كانت فرصة أخرى لتمجيد الله والسؤال: "ما عسّى أن يكونَ هذا الطفلُ؟" زيارة لم يتمكّن شيطان الحسّد من التغلّب عليهم، فالجميع فرِحَ لإليصابات العجوز. وعندما أرادوا أن يُسموا الطفل أحب جيرانهم وأقربائهم أن يُخلّدوا هذه اللحظة بـإسم زكريا (الله يتذكّر)، مؤمنينَ أن إلهنا لم ينسنا وتذكّر وعدهُ، ففاجئ إليصابات وزكريا الجميع بإسم جديد: يوحنا. هذا الطفل هو علامةُ حنان الله ورحمتهُ، وهما، أي زكريا وإليصابات، قبلا بطاعة الإيمان هذه العطية. وأنشد زكريا نشيده والذي فيه سلّمَ الطفل لله مثلما قبلهُ منه، مؤمناً أنه حارسٌ على أمانةٍ عليه أن يُحافِظ عليها. هذا الطفلُ، مثل كل أطفال العالم، هو مُلكُ الله، أودِعَ إلى عنايتهِ، وعليهِ أن يسهرَ مُصلياً لكي ينمو وتتشدد روحهُ بالربِّ.

وقفُ زكريا وإليصابات ليُمثلاَ مسيرة ما ندعوهُ بالعهد القديم كلّه. فحينَ أرادَ جيرانهم وأقربائهم تسمية الطفل بـ"زكريا"، رغبا في أن يُعلنوا: أن الله لم ينسَ شعبهُ مهما طالَ الإنتظار. أما الله، فسمّى الطفل يوحنّا، لأن كلمتهُ الأخيرة في العهد القديم، والأولى في بدءِ عهدٍ جديد لم تكن: مُحاسبة الإنسان ومعاقبتهِ على خطاياهُ، بل كانت كلمة رحمة لأنه حنون ورؤوفٌ. فصارَ الجميع شاهداً على ذلك، وعندما سألوا عن هويةِ الطفل: "ما عسّى أن يكونَ هذا الطفل؟ أجاب زكريا: هو نبيُ الله، هو مَن يستحضرهُ في حياتهِ. هو مَن سيُعلَّم الناس طريق العودة إلى الله الآب. رحمة الله أكبر من خطايانا وستكون هي الدافع إلى عبادة صادقة من دون خوفٍ. فيكون يوحنا شاهداً لهذه الرحمةِ العظيمة التي غمرنا الله بها، ويدعونا زكريا لنكونَ في حياتنا شهوداً لرحمةِ الله فنعبده دونِ خوفٍ أو مصلحةٍ شخصيةٍ.  

يدعونا ربّنا اليوم، ونحن نحتفل بإفتتاح سنة الرحمة في الإيبارشية إلى أن نفتح له أبواب حياتنا وقلوبنا وعوائلنا ونطلُب غفرانهِ. سنّة الرحمة سنةٌ نعمةٍ ولها بركاتٌ خاصّة إن قَبلنا رحمة الله لكي نولَد إنساناً جديداً. كلّنا يعي أن المُجرَّب يسعى دوماً إلى أن يسرِق منّا النعمة من خلال توجيهِ أنظارنا بعيداً عن دعوةِ الله. فحين وُلدَ يوحنّا إنشغلَ الجميع بالطفل متناسين: ما تدبير الله من هذه الولادة، وحدهُ زكريا وبوحي من الروح القُدس، نبّه الجميع على أن هذا الطفل يُمثّل علامة حضور الله الرحوم، وعلى الجميع الإستجابة لهذا الحضور بفعل التوبة. فالأهم هو الله المُعطي لا العطية التي يهبُها. وعندما تُعلِن الكنيسة الدعوة إلى سنّة الرحمة يوجّه المجرّب أنظارنا إلى أعمال الرحمة الخارجية، ومع أهميتها كشهادة صادقة للرحمة التي قبلناها، إلا أن الأهم هو: كيف نسمح لهذه الرحمة لتخلقنا إنساناً جديداً؟ 

قراءة 1091 مرات آخر تعديل على %PM, %11 %720 %2016 %19:%كانون1

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *