المواعظ
%PM, %13 %488 %2016 %13:%تشرين2

الأحد الثالث من تقديس البيعة - طهّر ضمائرنا وقدّسنا بذبيحتهِ

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الأحد الثالث من تقديس البيعة

طهّر ضمائرنا وقدّسنا بذبيحتهِ (عبر 9: 5- 15)

"فَكَمْ بِالْحَرِيِّ يَكُونُ دَمُ الْمَسِيحِ، الَّذِي بِرُوحٍ أَزَلِيٍّ قَدَّمَ نَفْسَهُ لِلَّهِ بِلاَ عَيْبٍ، يُطَهِّرُ ضَمَائِرَكُمْ مِنْ أَعْمَالٍ مَيِّتَةٍ لِتَخْدِمُوا اللهَ الْحَيَّ!" (عبر 9: 14). وجّه كاتب الرسالة إلى العبرانين تأملهُ لجماعة إعتاد تقديم الذبائح في الهيكل، وكانت تترجى دوماً غفران الله من خلال هذه الطقوس. دعاهم إلى التأمل في تأثير هذه الذبائح على حياتهم اليومية، وسألهم: "كم بالأحرى ذبيحة المسيح يسوع؟ لذا، حرضّهم ليسلّكوا أمام الله ومعه مثلما فعلَ هو، فيقدموا حياتهم تقدمةَ شُكرٍ لله الذي قدّم حياتهُ ذبيحة محبّة لهم، لأن الذبيحة في جوهرها الروحي هي فعلُ محبةٍ. وهذه الذبيحة هي "إرسالية" (مُعدية) في طبيعتها: "وأنا أقدّس ذاتي من أجلهم، ليكونوا هم أيضاً مُقدسين في الحق" (يو 17: 19).

في هذا الأحد من آحاد تقديس الكنيسة نسأل: كيف تتقدّس كنيسة ربّنا يسوع؟

هل بأعمالنا الصالحة؟ نعم، ولكن، هذه الأعمال الصالحة يجب أن تُفَهَم بأنها جوابٌ للنعمة التي صارت لنا بيسوع المسيح، الذي قدّم ذاتهُ في فعل طاعّة تامّة لله، ليُشرِكنا في آلوهيتهِ، وهذه هي إرادة الله الآب المُحِب. صارَ هو الهيكل الذي لم تصنعهُ أيادي البشر بل محبّة الله. ذبيحة ربّنا يسوع المسيح لم تكن ليتطّهر الإنسان في سلوكياتهِ الخارجية؛ فلا يسرق أو يزنِ أو يقتل أو يشهد زوراً، بل ليُطهِرَ ضميره ويولَد من جديد، فيُحِب مثلما أحبهُ الله، ويخدُم الآخرين مثلما يخدُمهم نفسه. ذبيحة يسوع هي ذبيحة مُصالحة وسلامٍ الله مع الإنسان، إذ، ووخلافاً لكل الذبائح التي تُقدم في الهياكل، ومنها هيكل أورشليم، والتي تُريد تهدئة غضب الألهة، قدّم الله ذبيحة إبنه لتهدئة عدوانية الإنسان وعنفهِ، ويهديهِ للعودة إلى أبيهِ السماوي. فجاءت ذبيحة سلام ومُصالحةٍ، وإتحادُ المحبة كاملاً.

ربّنا يسوع يدعونا في كل قدّاس نحتفل به: "خذوا كلّوا هذا هو جسدي ... خذوا إشربوا منها كلّكم هذا هو دمي". هو يدعونا أولاً للإتحاد به، فيوحدنا جميعاً في "أفخارستيه"، ويصهَرنا معاً لنكون "جسده". لذلك، نحتفل بكلمة الله اليوم في إنجيل يوحنّا والتي تدعونا إلى أن نقبلَ "هيكلَ جسدهِ"، لا أن نُطهِر أجسدانا (هياكلنا) من الخطايا. تطهير الهيكل جاء بعد أن دخلهُ ربّنا يسوع، وعندما يدخله يغمره بحضوره المُحِب ويوحولّنا إليه. يعتقد البعض منّا متوهماً أنه وبتجنبهِ الخطيئة يتمكنّ من أن يُصبِحَ طاهراً، وهذه ليست القداسة التي دُعينا إليها.

قداستنا تكمُن في "قُداسنا"، أفخارستيا ربّنا يسوع المسيح الذي يُقِدم نفسه مأكلاً ومشرباً، لنتحّد به. هو حاضرٌ اليوم لا للمُشاهدة بل للوحدةِ به، ومنه ننال وُحدتنا، لأنه حضور فاعلٌ يُحقق قداستنا، فنحن لا نقبلُ الآخر ونُحبهُ كقريبٍ لنا إلا بيسوع المسيح، الذي يدعونا إلى أن نتبعهُ في طريق الخدمة، فنخدمَ القريب بمحبةٍ ويدعونا في ذات الوقت إلى خدمتهِ لأنه يُعرّف نفسه بالقريب الذي نلتقيه يومياً: "بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هَؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ فَبِي فَعَلْتُمْ" (متّى 25: 40).

الذبيحة في المفهوم الطقسي تُعبّر عن تقدمة تامّة لله، وهذا لم ولن يحصل معنا عادة، لأننا في أحسن حالاتنا نبقى نبحث عن كلمة إطراءٍ، أو مكافئة في السموات إزاء الخير الذي نُقدمّه للقريب. وحده ربّنا يسوع قدّم نفسه لله كلياً، فكان وجه الله المُحِب والذي ترحمَ على الخاطئين وأشفقَ على الحزانى. نزعاته وإندفاعاتهِ ومشاعرهِ هي كلّها لله، فكان تقدمُة تامّة، فلم يحيا لنفسه، بل عاشّ لله وللإنسان، وهكذا فتحَ لنا "طريق القديسين" الذين ساروا خلفَه حاملين حياتهم تقدمة شُكرٍ لله، لأنهم عرفوا أنهم نالوا كلَّ شيءٍ من الله. وعندما نُقدّم تقدمَة منقوصة، مثل إنسانيتنا الهشَة، يُقبلها الله ويُعيدها إلينا مُقدسة، تماماً مثل الخبز والخمر الذي يقبلهُ منّا في القداس ليُعيده إلينا مُقدساً: جسده ودمهُ. ندخل الكنيسة خاطئين ومنقسمين فيُباركنا بالرحمة والغفران وسلام القلب.

اليوم نسمعُ بشارة الرسالة إلى العبرانيين: "يُطَهِّرُ ضَمَائِرَكُمْ مِنْ أَعْمَالٍ مَيِّتَةٍ لِتَخْدِمُوا اللهَ الْحَيَّ!" ويسأل كل واحد منّا أن يفحص ضميره تحت نور بشارة ربّنا يسوع ويعترِف بالأعمال الميّتة التي فينا، وأولها محاولاتنا في جعل مسيحيتنا طقوساً خارجية لا تمُس كياننا العميق، ولا تُغيّره ليكون هيكلاً لله. كم منّا يتمنّى أن يبقى الحديث على ضرورة تغيير السلوك من دون الرغبة الحقيقية في تغيير الضمير والانفتاح إلى عمل الروح القدس؟ هل تسألنا عن جذور حُب المنافسة والصراع على الأمكنة الأولى والتي يذهب ضحيتها القريب، وتُقسِم الجماعة وتصنفهم مثلما حصل في الهيكل أيام يسوع: فقراء وأغنياء، يهود ووثنين، أصلاء وغرباء، رجال ونساء؟ هل فينا الشجاعة للإعتراف بأخطائنا أم أن تكبرنا يحعلنا متعجرفين نرفض الاهتداء؟ 

فليس المهم تطهير الهيكل (خارج الكأس)، المهم هو الإرتباط الشخصي بربنا يسوع المسيح، الدخول إلى هيكل جسدهِ الذي سيُقيمهُ في ثلاثة أيام، مسيرة الفصح طاعة لإرادة الله الآب، وهذه المسيرة كفيلةٌ بأن تُطهر ضمائرنا.

قراءة 1489 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *