المواعظ
%PM, %02 %499 %2016 %13:%تشرين1

الأحد الثالث من الصليب - كيف لنا أن نعيش الفرح

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الأحد الثالث من الصليب

كيف لنا أن نعيش الفرح (فل 4: 4- 23)

   كتبَ بولس الرسول رسالتهُ إلى كنيسة فيلبي من سجنه طالباً منهم أن: "يفرحوا في الربِّ كل حين"، مع علمهِ بأنه سيواجهُ حُكماً قاسياً. فلا يُمكن أن يكونوا "جسد يسوع" وهم حزانى ومنقسمون، فالحزن والإنقسام برهانٌ على بُعد المسيح عن يسوع. هو يعرِف أننا بشرٌ نختلِف بعضنا عن بعضٍ، ويحدث في الجماعة الواحدة خلافاتٌ ونزاعاتٌ وصراعاتٌ تجعلنا ننقسِم إلى فرقٍ وأحزاب، وهذا عائقٌ كبير أمام أن نعيش "الفرحَ بالربِّ". هنا، يؤكد بولس على قاعدة حياتية لن تتغيّر، وأكدها في بدءِ رسالتهِ: " فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هَذَا الْفِكْرُ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ أَيْضاً" (2: 5). يعني: المسألة ببساطة هي: مَن له فكرُ المسيح عليه أن يُفكِر أفكاره.

   هذا ممكن لمَن إلتقاهُ ربّنا يسوع مثل بولس، وهو يحثُ المؤمنين لأن يتركوا المجال لربّنا يسوع لكي يلتقيهم أيضاً. فهذا اللقاء كفيلٌ بأن يُغيّر حياة الإنسان مثلما غيّر حياة بولس، فتخلّى بولس عن أفكاره وتصوراته وإستسلمَ للمسيح يسوع، فصارَ يُفكِر أفكار ربّنا يسوع، ووجدَ "الفرحةَ بالربّ". المسيحية لم تكن يوماً تطبيق تعاليم أخلاقية سامية، قبلَ المسيح كان هناك فلاسفة ومعلمونَ كُثر أغنوا الإنسانية بالحكِمِ والأمثال ولكن الناس لم تعبدهم. المسيحية لقاء مع ربّنا يسوع منحَ لهم حياةً جديدة. خلاص ربنا يسوع ليس أن تكون سلوكياتنُا الخارجية متوافقة مع التعاليم الأخلاقية السامية، وإلا كان علينا أن نؤمِن بمعلمي الأخلاق الذين سبقوا ربّنا يسوع، وما اختلفَ غير المؤمنين الصالحين عنّا. خلاص ربنا يسوع هو قبولنا دعوة الله لنا في أن نكون أبنائهِ: "أما الذين قبلوه وهم الذين يؤمنون باسمه فقد مكنهم أن يصيروا أبناء الله" (يو 1: 12). إلهنا يُريدنا أبناء احباء له.

   هذا اللقاء بربنا يسوع خلّص كل مَن إلتقاهُ من إهتمامهِ بنفسه وسعادتهِ وراحتهِ وحوّل الفكرَ والقلبَ والذهنَ والأفكار نحو يسوع، نحو الله. ليس المُهم أن تكون أنت فرحان، المهم أن يفرَح بك ربّنا يسوع المسيح: "تعالوا يا مُباركي أبي رثوا الملُكَ المُعد لكم منذ إنشاء العالم". الفرح يكون عندما ننسى ذواتنا وننظر إلى الآخر ونجد أن لنا الكثير لنُعطيه له، والحزنُ يكون عندما ننظر إلى أنفسنا ونجد كم ينقصنا من أشياء وممتلكات فائضة، فنبكي حالنا. لذا، يدعونا بولس قائلاً: إفرحوا بالربَّ، والفرح يكون بالمحبة، بالإصغاء إلى حاجات الآخرين، وسنختبر أعجوبة المحبة التي يصنعها الله فينا ومن خلالنا. أذكركم بكل مرّة أعطيتُم بها بسخاءٍ إلى محتاجٍ أو فقير، تذكروا شعور الفرح الذي إنتعشَ فيكم، هذا قبسٌ من محبة الله.

   سببُ هذا الفرح إذن: هو ما صنعهُ الله لنا بيسوع المسيح ويواصِل عملهُ من خلال مُختاريه وقديسيه في الكنيسة. ميزة هذا الفرح هو أنه مُؤسسٌ في ربّنا يسوع المسيح، وعلينا أن نتقاسمهُ مع كل مَن يهبهم الله لنا في الكنيسة. لقد وجَدَ بولس فرحُ القلب من خلال لقاء ربّنا يسوع به، وغيّر حياتهُ كلّها. هذا الفرح ليس "عطيةً" لشخصٍ يحتفظُ به لنفسه، بل عليه أن يتقاسمها مع الجماعة، لذا، يقول: "أَخِيراً أَيُّهَا الإِخْوَةُ كُلُّ مَا هُوَ حَقٌّ، كُلُّ مَا هُوَ جَلِيلٌ، كُلُّ مَا هُوَ عَادِلٌ، كُلُّ مَا هُوَ طَاهِرٌ، كُلُّ مَا هُوَ مُسِرٌّ، كُلُّ مَا صِيتُهُ حَسَنٌ - إِنْ كَانَتْ فَضِيلَةٌ وَإِنْ كَانَ مَدْحٌ، فَفِي هَذِهِ افْتَكِرُوا" (4: 8). هذا ما ميّز حياة قديسي الكنيسة، فتحوا قلوبهم لنعمة الله، وآمنوا بهذه المحبة، ولم يحتفظوا بها لأنفسهم، بل خرجوا ليتقاسموها مع الآخرين.

   لذا، عندما يُؤكِد بولس من سجنهِ على ضرورة أن يكون الفرحُ بالربِّ علامةً فارقة في حياة كل مسيحي، فهو إنما يُؤكد على أن هذا "الفرح" هو علامةٌ لصدِق الإيمان، ثمرةُ اللقاء بيسوع المسيح. هناك أناس متدينون ولكنهم خائفون ومرعوبون من غضبِ الله الذي يعبدونهُ، المسيحي ليس كذلك، بل هو مؤمنٌ فرحانٌ مع الذي يعبدوهُ، ويخاف من أن يخسرهُ. وأكثرُ من ذلك إن الفرح الأصيل فضيلة مُعدية لا يُمكن إلا أن تُصيبَ الآخرين. مسيحيتنا مسيحية فرحٍ، لذا، فكل مسيحي هو بشرى الفرح، ورسول وشاهد لفرحة القيامة. الفرح هو ما يُوصينا به يسوع: لو كنتم تحبونني لكنتم تفرحون … (يو 14: 28). محبّة يسوع تُنتج فرحاً في حياةِ المؤمن شرطَ أن يتخلّى هو عن أفكارهِ ليكونَ له فكرُ المسيح يسوع، ويكون مواقف يسوع، هو الذي عاشَ إنسانيتنا إلى الملء وفتح لنا الطريق لنعيشَ مثلهُ.

   مراراً لا نعيش مسيحيتنا لأننا نُقدم للناس وجوهاً كئيبة وحزينة وبائسة، فلا تجذبهم إلى ربنا يسوع، وتمنعهم من لقاء الله. نبقى في حزننا وفي أنانيتنا وفي مصائبنا ونمنع الله من أن يُحررنا من هذا الحزن والكآبة. لقد حوّلنا بشارة يسوع إلى الآلام وأحزان وكآبة وخوف. جعلناها كشبهنا وصورتنا: حزن وضيق وأنانية وكآبة. ومسيحتنا تُعلمنا أن الله ليس مثلنا، إنه صالح. إنه الخير. إنه المُحب. إنه القيامة التي تغلب الموت لتكون حياة للأبد. 

04e744abf6a5eb

قراءة 1288 مرات آخر تعديل على %PM, %09 %509 %2016 %14:%تشرين1

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *