المواعظ
%AM, %17 %402 %2016 %11:%تموز

الأحد الثالث من الصيف - حزن وندامة وتوبة حقيقية

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الأحد الثالث من الصيف

حزن وندامة وتوبة حقيقية (2 قور 7: 1- 11)

كتبَ بولس الرسول رسالتهُ الثانية إلى كنيسة قورنثس مُعترفاً بأنه لم يندم على أنه أحزنهم في رسالتهِ، بل فرحَ لهم لأن حزنهم كان من أجل الله. حزنُ دفعهم إلى الندامةِ وأنشاْ فيهم الحماسة والإجتهاد والمحبة والغيرة على الإيمان. لم يتحدثّ بولس بالطبع عن حُزنٍ بشري بسبب فقدان الإنسان لإنسان يعزّه، أو خسارة شيءٍ أو ممتلكات، بل تحدث عن حُزنٍ روحي ناتجٌ عن إيمان الإنسان من أنه خسرَ السلام الذي كان له في علاقتهِ مع الله بسبب خطيئتهِ. لقد كتبَ بولس إليهم فاضحاً حقيقة واقعهم: مَن هم؟ وكيف يعيشون؟ وعرفوا من خلال رسالتهِ إنهم بعيدونَ عن الله، بل منفصلونَ عنه، لذلك حزنوا، مثلما حزِنَ بطرس عندما عرِفَ أنه أنكرَ معلمهُ، فمضى وبكى (لوقا 22: 62). التوبة الحقيقية مسيرة بحاجةٍ إلى يد ربنا يسوع الشافية، لتُبارِك عيون القلب لترى الخطيئة على حقيقتها، وهذا ما لم يراهُ الفريسيون لقساوة قلوبهم.

 نحن مجربونُ للعيش في سلامٍ كاذبٍ ومزيف في القلب متوهمينَ أن كل شيءٍ هو على ما يُرام، مع أن الحقيقة هي: فليس كل شيء ٍعلى ما يُرام ونحن عارفونَ بذلك حتّى لو لم نعترِف به. لأننا لو تأملنا حقيقة حياتنا لوجدنا أننا بعيدون جداً عن الله، بل يُمكن أننا بعيدين عن أبسط ما يتطلّبهُ إيماننا المسيحي منّا. نسعى لنُطبّق أقل ما يُمكن من يتطلّبهُ إيماننا، وإذا ما تعارَض موقفٌ أو قرارٌ مع ما تُريده الكنيسة منّا. نبحث عن كا ما يُرضينا، وأخترعنا لأنفسنا التبريرات اللازمة لذلَك، أو في أحسن الأحوال ترانا نُعزي أنفسنا: محبّة الله هي أعظم من أن تُحاسبني على خطيئة صغيرة مثل هذه! متناسين أن الإنسان لا يُولَد كذوبا أو سارقاً، بل يُصبح كذلك من خلال سلسلة الأكاذيب الصغيرة التي يتعوّد عليها في علاقاتهِ مع الآخرين.

لذا، يفتخَر بولس بأنه ومن خلال توبيخهِ الشديد لكنيسة قورنثس أيقظهم على حقيقة حياتهِم، وجعلهم يحزنزن على خطاياهم، وهذا الحُزنُ قادَهم إلى التعرّف والإعتراف بخطاياهم مثلما هي بصدقٍ ونزاهةٍ من دون أي تبريرات، لا مثلما يصورنها هم. حُزنٌ قادهم إلى ندامةٍ حقيقةٍ، لأنهم عرفوا أنهم بخطاياهمُ يبقونَ ربّنا يسوع المسيح مصلوباً، بل يسترخصونَ عذاباتهِ. ندامةٌ دفعتهم إلى إصلاحِ الذات، وهي أفضل تقدمةٌ نُقدمها لله؛ القلبُ المنكسِر: "إنما الذبيحة لله روح منكسر القلب المنكسر المنسحق لا تزدريه يا ألله" (مز 50: 17). هذه الندامةُ تفتح القلب لله مرّة أخرى ليُطهرهُ من خطاياهُ، ويُعيد البهاء لصورة الإنسان التي تشوهَت بالخطيئة. الإنسان الذي مرارا ًما يُعارِض عمل الله مثلما تُعارِض الطينة الخزاف، ليعودّ الخزاف ويُعيد تشكيل الطينة من جديد: "فوقع عطل في الإناء الذي كان الخزاف يصنعه من الطين في يده، فعاد وصنعه إناء آخر كما حسن في عينيه أن يصنعه" (إرميا 18: 4).

إخوتي وأخواتي بالمسيح، نحن فقدنا حرارة الروح، وإرتضينا بأن نبقى جالسين نستجدي عطفَ الآخرين عوضَ أن نقومَ ونلتقي ربّنا يسوع الذي يمرٌ من أمامنا بأشكالٍ شتّى. إلهنا برحمتهِ ومحبته يعرِف أننا مُصابون بمرض الفتور الروحي وليس فينا الحماسةُ للإيمان، ونُريد إتمام َمُتطلبات الإيمان بأقل ما يُمكن من الإلتزامات والجهود، من دون أن نسمح ليد الله الشافية أن تمُس حياتنا وتُنهضنا من حيثما نحن، وتغسلنا من جديد، لنرى ونفهم، ونتوب ونندم. فصارت توبتنا وغفراننا، وبسبب الفتور الذي فيننا غير كاملٍ. لقد إعترفَ بطرس بخطيئته بحرية ونزاهةٍ من دون تبريراتٍ، وهكذا أتاحَ لله الفرصة ليغسل قلبهُ ويُطهرهُ. لم يستخِف بمحبتة الله ورحمتهِ، بل بكا بكاءً مراً. لم يعتبِر أن القضية محسومة لدى الله: أنتَ مُخلَّص، أنت مغفورٌ لك، بل خرجَ من أمام يسوع المُعذَب، ولم يعد نفسه أهلاً للوقوف أمامه، وبكى. وهذا فقدناه نحن: الإحساس بالخطيئة، لأننا نجد دوما تبريرات لها، أو نتجاهلها، أو نخدَع أنفسنا قائلين: لنا منبرُ الإعتراف وهو كفيل بأن يغسل كل الذنوب! 

التوبة خلقت من بطرس إنساناً جديداً بسلوكيات مُغايرة عمّا كان عليه في السابق. التوبة الحقيقية خلقت في الكنيسة قديسين كبار. بعضنا يندم ويتوب عن خطاياه ويواصل ذات السلوكيات وهذه ليست توبة حقيقية لأنها ليست توبةً كاملةً. بعضنا لا يُريد أن يُعطي الغفران في ظّنه أنه سيُسيطر على الآخرين بذلك إن حبسهم فيما أخطاؤوا إليه، وإن غفرَ لهم مثلما يدّعي فهو سيعود إلى الحديث عن ذات القضية في اقرب فرصة. والحال التوبة والغفران تخلقُ من الإنسان شخصاً جديداً كلياً شرطَ أن تكونَ تامّة. نحن بحاجة إلى مَن يخلقنا من جديد، تماماً مثلما فعلَ ربّنا يسوع مع الأعمى اليوم، إذ وضعَ الطينَ على عينهِ، وطلبَ منه أن يغتسِل منه، فصارَ إنساناً جديداً. نحن بحاجةٍ إلى فعل إيمان مثل إيمان الأعمى الذي راح يغتسِل في البركة مؤمناً أنه نالَ نور القلب قبل نور العين. 

قراءة 1341 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *