المواعظ
%PM, %25 %596 %2016 %16:%حزيران

الأحد السابع من الرُسل - كونوا ... متقدمين في عمل الرب

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الأحد السابع من الرُسل

كونوا ... متقدمين في عمل الرب (1 قور 15: 58- 16: 25)

ختمَ بولس رسالتهُ إلى كنيسة قورنثس المُضطربة بأزماتها الداخلية وبجدالاتها العقيمةِ حول مواضيعَ شتّى منها قيامة الأموات، ختمها بعبارة: "كونوا إذاً، يا إخوتي الأحباء، ثابتين راسخين، متقدمينَ في عمل الربِّ دائماً، عالمينَ ان جهدكم لا يذهبُ سُدى في الربِّ". فبولس ومع معرفته بالعواصف التي تضربُ الكنيسة الناشئة والضيقات التي تختبرها يُوصيهم بأن يبقوا ثابتين وراسخين في المسيرة  إيماناً منهم بأن الله سيُكمِل ما شرعَ به بيسوع المسيح، بمعنى آخر: "آمنوا أنكم لستُم وحدكم في هذه المسيرة"، فالله يسمع صُراخكم، مثلما سِمعَ صراخ فقرائهِ في مصرَ، فنزلَ وخلّصهم، وسَمِع صُراخ ربنا يسوع فأقامهِ من بين الأموات.

ولكي يتحقق هذا الثبات عليهم أن يتقدموا في عمل الربِّ، عارفين أن عملهم هذا ليس باطلاً. قيامة ربّنا يسوع المسيح كانت ثمرة الإنتصار على الخطيئة والموت، والضمانة الحقيقية من أن الكلمة الأخيرة هي لفعل الله الخيّر. فليس كافياً أن يكون المؤمن ثابتا وراسخاً، بل عليه أن يتقدّم في أعمال الله، وأعمال الله هي أعمال المحبّة. مواصلة العمل بُرهانٌ على الثبات والرسوخ. عندما يُضايقنا الشر، ويحُيط بنا المجّرب من كل حد وصوب، علينا أن نرتكِز على إيماننا بالله من أنه لم ينسانا، وهو إلى جانبنا، وهو يدعونا لنستدِل على حضوره "السري" بيننا، ونتلمّس إرشادهُ، ونسأل الأسئلة الصحيحة ولا نسمح للشر بأن يتغلّب علينا في مثل هذه الأوقات، بل نستسلِم لقيادة الروح لا مثلما نُريد نحن بل مثلما يُريد هو.

يروي لنا آباؤنا الروحيون عن مؤمنٍ يهودي عاش في مُعتقلات النازية أيام الحرب العالمية الثانية. كان يسمع رفاقه يتسألون بحسرة: ما هي خطيئتنا حتّى يعاقبنا الله بمثل هذا العقاب؟ أين هو الله من كل هذا الشر الذي يحصل لنا؟ لماذء تخلّى الله عن شعبهِ؟ أما هو فكان يسأل يومياً: كيف لي أن أهربُ من هذا المكان؟ كيف لي أن أتخلّص من هذا المعتقل؟ وعدّت أسئلتهُ جنوناً.

في يوم من الأيام سمع نداء رئيس المعتقل للتوجه إلى ساحة المعتقل الكبيرة ليشهد إعدام رفاق له عصوا الأوامر، وتم تنفيذ الحُكم بهم، وغادرَ الجمع الساحة بعدها. أما هو، فتجمّد في مكانهِ حتّى المساء، وخطرت له فكرة المغامرة في أن يندسَ بين جثث القتلّى وقد تعرّى تماماً مثلهم، وجاء الحرس وحملوا الجثث في عربة ليرموها بعيداً عن المعتقل في حفرة أعدت خصيصاً لهذا الغرض. وبقي بين الجثث في الحفرة لساعاتٍ حتّى تأكد من لا أحد في المكان، فخرج من الحفرةِ وسارَ لساعات عارياً حتّى وصل إلى مكانٍ آمنٍ، وتمكن لاحقا من أن يروي قصته وكم الشر الحاصِل في المعتقلات.  

ثباتهُ راسخاً في الإيمان بالله من أنه لم يترك شعبهُ ليكونوا ضحية الشر جعلهُ مختلفاً في رؤيتهِ لما يختبره من صعوبات، مع أن الظروف لم تتغيّر في المُعتقل، ولكن قلبهُ كان غير قلبِ رفاقهِ تماماً. الخطيئة والشر تمكنتَ منهم وجعلتهم يائيسين بل نزعت عن قلوبهم الإيمان، ولكنها لم تتمكن من التغلّب على صلابة إيمانهِ، فكان خلاصهُ حقيقة. كان واثقاً أن الغلبة هي لكلمة الله المُحيّة، ولن يسمح الله للشر أن يكون له كلمة الفصل. لذا، لا يُمكن أن نتخيّل مؤمناً يندُب حظهُ ويتباكى على ما يعيشهُ من أزماتٍ وصعوباتٍ، بل عليه، وبسبب إيمانهِ بالله أن ينفتح على نعمة الله التي لن تتركهُ وحيداً، فيُصلي لله في ضيقهِ، ويرفع إليه شكواهُ وينتظر منه الجواب.

مسيرةُ حياة مثل هذه هي مُكلفِة، بل هي أشبهُ بدخول بابٍ ضيقٍ مثلما يقول ربّنا يسوع اليوم في الإنجيل. مسيرة تتطلّب الإجتهاد لاسيما الإيمان وسطَ ظروفٍ تُضادد الإيمان. إيمانٌ ليس إعترافاً بعقائد أو مُشترعاتٍ أو تعريف بمعلوماتٍ، بل سعيٌ حثيثٌ لتحقيق ملكوت الله في قلوبٍ صخرية ترفضُ حضورهُ. كثيرون سيطلبون الدخول، وليس بالضرورة أن نكون نحن من بين أولئِك الذين سيُمكنهم الدخول، لأن دخول الباب يتطلّب جُهداً. لذا، علينا الإنشغال بأعمال الله، وأعمال الله كُشِفَت لنا بجلاء في يسوع المسيح.

علينا أذن أن نستحِق مسيحيتنا، لا في أن نأكل ونشرَب مع الربّ فحسب، بل أن ندع أفخارستيتهُ تُقدّس حياتنا، وتُغيّرنا لنكون نحن "أفخارستيا للذين هم حولنا". مسيحيتنا ليست "بطاقة تعريف": "هوية" فحسب. مسيحيتنا ثباتٌ وجهادٌ في أعمال الله، وسيلاقي المسيحي بسبب مسيحيتهِ مخاطِر جمّة، وتهديداتٌ بالموت: "اخرج من هنا فإن هيرودس يُريد قتلَك". مسيحيتنا تتطلّب إستعداداً وجهوزية ولن تقبلَ بالتراخي أو أنصاف الاختيارات، أو أن نعيش مسيحية المناسبات. الملكوت يُؤخَذ عنوةً، وقد يكون الثمنُ باهضاً: حياتَك، مثلما فعلَ ربّنا يسوع. ومَ، يثبُت إلى المنتهى فذاكَ يخلُص. 

قراءة 1585 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *