المواعظ
%AM, %04 %353 %2016 %10:%حزيران

الأحد الرابع من الرُسل - الويل لي إن لم اُبشِر

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الأحد الرابع من الرُسل

الويل لي إن لم اُبشِر (1 قور 9: 13- 27)

يُبرِز الكتاب المُقدس حقيقة موهبة التبشير بأنها هبةٌ من الروح القُدس، يُنعِم بها الله على الأنبياء والرُسل، وعلى أتقيائه، لخير شعبه والكنيسة. الروح القُدس هو الذي يضع الكلمة على شفاهه، وهو الذي ينطق فيه ومن خلاله. الروح القُدس يُعطي الكلمة، والروح القُدس هو في الكلمة، لأن الروح الروح ينبثق من محبة الآب والأبن. الله، وبسبب محبتهِ يهبُ الروح القُدس، وهو الذي يجعل كلامهُ في فم "النبي الذي سيختاره ليخلِف موسى" (تث 18: 18)، والروح القُدس يحلُّ على أمنا مريم ويملأها نعمةً فيتجسّد كلمة الله فيها ومن خلالها. وأعلن ربّنا يسوع أن الروح سيحلُّ على تلاميذه وكل مَن يؤمِن به ويُهبهم حكمةً لا يستطيع الخصوم مقاومتها (لو 12: 12). فلا يستطيع مَن حلَّ عليه الروح القُدس أن يصمُت ولا يُعلِن البشارة التي صارَ لها خادماً وعبداً.

ولكن بماذا يُبشِر بولس؟ وبماذا يُريدنا الله أن نُبشِر؟

البُشرى السارة ليست قصّة ربّنا يسوع المسيح: تعاولوا أحكي لكم قصة رجلٍ عاشَ قبلَ ألفي سنة، الذي تحدث بكلام الحكمة وصنعَ المُعجزات! البشارة هي: تعالوا أحكي لكم ما صنعَ بيَّ قدوس الله، لقد إنتشلني ربّي يسوع فأهتديتُ إليه، وتخلّصت من نفسي. هذه هي البشارة؛ نحن نُبشر بيسوع المسيح رباً، أي نُبشرُ بمَن نخضعَ له ونعترِف به مُخلصاً، ونسمع كلامهُ لأنه المُعلمُ الأوحد وله أهبُ كلَّ شيءٍ. بحث عن خلاصهِ وتقديسهِ، فوهَبَ له الله ما أرادَ من دون أن يكون له فيه إسهامٌ، ولأنه قَبلَ من الله النعمة والقداسة، فلا يستطيع السكون، بل تحرّك من أجل تقديس الآخرين. هو يؤمِن أن لا يُمكنه مساعدة الآخرين ليكونوا قديسين ما لم يكن هو أولاً قديس، مثلما علّم يوحنا في رسالتهِ الأولى: "إن نحن أحببنا بعضنا بعضاً أقامَ الله فينا وكانت محبتهُ كاملةُ فينا". (1 يو 3: 12)

لا أعتقد أننا نستوعِب حقاً هذه الربوبية، فمُعظمنا لا يُفكّر في جدية إيمانهِ، وإن فكّر في ربنا يسوع سيُعلِن أنه قُدوس الله، مثلما قالت الشياطين أيضاً، ولكن نتردد في الإعتراف عملياً بربوبيتهِ، لأن مثل هذا التبشير يتطلّب شجاعة متميزة ويعني عمليا التخلي عن عباداتٍ كثيرة نُقدم لها الكثير من التضحيات. كثير منّا وضعَ سعادتهُ إذا مات حصلَ على منصبٍ ما، أو إن حقق إنجازاً، أو نالَ أموالاً، وهذه طموحات تستهلِك قوانا وجهودنا. أن نُبشِر بالمسيح يسوع ربّا، يعني التخلي عن هذا كلّه للحصول على المسيح، والمسيح وحده يكفينا جوابٌ على نعمةِ الله التي خلّصتهُ من هذه الهموم المُهلِكة.

لذلك لا يُمكن لبولس أن يصمت لأنه يختبر فاعلية الروح القُدس في حياتهِ، لقد وُلِدَ من جديد بيسوع المسيح الذي إلتقطهُ على الطريق إلى دمشِق، وأزالَ عنه العمى الذي أصابهُ من جرّاء البحث عن تقديس ذاتهِ بنفسهِ. أمام هذه البشارة لم يصمت، بل تخلّى عن حقوقهِ كلها، وعدّها كلّها خسارةً من أجل أن يربحَ الناس، كل الناس للمسيح. لقد وجدَ نفسه في حلبةٍ وعليه الإجتهاد والسعي الحثيث، مُحارِباً الكسل والرتابة، والإتكاء على مفهومٍ غير صحيح عن التبرير، لينال إكليل الفوز، عارفاً أن ذلك يتطلّب منه التنازل حتّى عن حقوقهِ الشخصية، ولا يدعي بها، وأن يُجبِر نفسه لينضبِط بأسلوب حياة، مثلما يفعل الرياضيون، لينالَ الإكليل الغير الفاني: أن يكون شريكاً في الإنجيل. وهذا كلّه جوابٌ هلى الحُب الذي اختبره بيسوع المسيح.

يُعلمنا بولس اليوم أن محبتنا لله يجب أن تكون من خلال اختيار ما هو ضروري من قرارات ومواقف تُحقق مشروع الله الأخير: ملكوتهُ. هو حُر، والحرية نعمةٌ من الله، ولكنه يعرف أنه حُريتهِ لا تعني أن يختار ما يُلائم حقوقهُ، بل ما يُعزز البشارة. جعلَ بولس من نفسه عبداً متنازلا عن حقوقهِ الشخصية من أجل بشارة الإنجيل وخدمة للاخرين. المسيحي، وعلى مثال بولس، لن يتوقف عن الحقوق، بل يختار حقَّ الله أولاً، فيواصِل البشارة بيسوع المسيح ربّاً. سيختار كلما من شأنهِ أن يُعزز البشارة، كلما يُثبِت الخير العام. خيرُ الآخرين يسبق الحقوق الشخصية، تماماً مثل ربّنا يسوع الذي جادَ بحياته من أجل خاصتهِ؛ أحبائهِ. لذا، أعلنَ بولس أنه، ومن البشارة بربنا يسوع المسيح، سيذهب إلى الفقراء والعبيد والأغنياء والوثنين من دون أن ينتظر قدومهم. مؤمناً أن البشارة قادرة على أن تضمهم جميعاً، لأن الروح القُدس هو الفاعِل هنا، وهو الذي يجمع الكل ليجعل منهم جسد المسيح الواحِد.

في كل هذا يُبيّن بولس أن محبّة الله هي التي تُحركهُ، ومثلما جاءه ربّنا يسوع وإنتشلهُ في الطريق إلى دمشق، واختاره من حيث هو، يجد نفسه اليوم مُلزما لأن يقتدي بربنا يسوع المسيح، ليذهب إلى الناس حيثما هم ويُبشرهم بمحبة الله التي تبحث عنهم.

قراءة 1364 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *