المواعظ
%PM, %15 %560 %2016 %15:%أيار

عيد العنصرة - وحدة وتنوع وإتفاقٌ وسلامٌ

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

عيد العنصرة (الأحد الأول من زمن الرُسل)

وحدة وتنوع وإتفاقٌ وسلامٌ(1 كور 12: 1- 27)

كتبَ بولس رسالتهُ إلى كنيسة كورنثس التي كانت متأزمة بالخلافات ما بين أعضائها، ليُذكرهم بحقيقة الروح الواحد الذي جمعهم وجعلَ منهم كنيسة واحدة؛ الروح القُدس. هذا الروح الواحد وهبَ لأعضاء الكنيسة مواهبَ مُختلفة لخير الكنيسة: الكرازة والنبؤة وتمييز الأرواح والنُطق بالألسنة وشرحُ كلمة الله ... هذه كلّها مواهبُ الروح الواحد الذي يُريد كمال الكنيسة جسدا المسيح ووحدتها، فهذه المواهب ليست لضعِف الكنيسة بل لتقويتها وتثبيتها، فالروح القُدس هو مبدأ وحدة الكنيسة، وسببُ تنوعها وجمالها وإختلافها أيضاً. هو مثل المطر الواحد الذي ينزل على غابة ليبعث الحياة في نباتات متنوعةـ هكذا يُعطي الروح لكل إنسان النعمة بحسبِ ما ينفعهُ.

هذه المواهب هي مجّانية وهي لخدمة الكنيسة، فهي ليس لتقديس الشخص الموهوب فحسب، بل هي في خدمةِ الجماعة. ففي حين أن النعمة تُمنَح للجميع وهي تريد كمال الإنسان، تُعطى الموهبة لخير الآخر؛ القريب والكنيسة. فلا يقصد الروح أن يمنح َالإنسان الموهبة لينغلِق بها على ذاته، ويسير الحياة مفتخراً: بأنه موهوبٌ، بل ليُغيّره أولاً من إنسان خائف ومتردد ومتشكك ومضطرِب إلى مُبشرٍ بالسلام والفرح مثلما حصلَ مع الرُسل اليوم. الرُوح القُدس هو رفيقُ الكنيسة، كنيسة ربّنا يسوع المسيح، لاسيما في الأوقات الحاسمة في حياتها، في أوقات الشّدة والإضطهاد، في أوقات الأزمات والخصومات، ليجعلها كنيسة الأخوة، وبالتالي كنيسة قوية في مواجهة الإضطهادات.

مواهب الروح القُدس إذن هي علامات للأزمنة المشحانية، حيث يملُك الله من خلال إنتصار الحق والعدالة  لصالح الفقراء مثلما يُبشر به إشعيا النبي: "وَيَحِلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الرَّبِّ رُوحُ الْحِكْمَةِ وَالْفَهْمِ رُوحُ الْمَشُورَةِ وَالْقُوَّةِ رُوحُ الْمَعْرِفَةِ وَمَخَافَةِ الرَّبِّ. وَلَذَّتُهُ تَكُونُ فِي مَخَافَةِ الرَّبِّ فَلاَ يَقْضِي بِحَسَبِ نَظَرِ عَيْنَيْهِ وَلاَ يَحْكُمُ بِحَسَبِ سَمْعِ أُذُنَيْهِ. بَلْ يَقْضِي بِالْعَدْلِ لِلْمَسَاكِينِ وَيَحْكُمُ بِالإِنْصَافِ لِبَائِسِي الأَرْضِ" (إش 4: 2- 4). فخلاص المسيح يسوع موجهّة كبُشرى سارة إلى الفقراء، وإلى منكسري القلوب، وأسس الكنيسة على أساس علاقته ِالخاصّة بالله الآب وبالروح القُدس، فلا كنيسة خارج هذه العلاقة. والكنيسة تحيّا بعطية ربّنا يسوع المسيح في الروح القُدس الذي يهبُ النعمة للكنيسة (أعضاءً وجماعة) من خلال قناتين: الأسرار لتقديس أعضائها، والمواهب لتقديس الكنيسة.

ولكن كيف لنا أن نعيش مواهب الروح القُدس التي يُنعِم بها الله علينا؟ بالتأكيد من خلال تباعةٍ أمينة لربنا يسوع المسيح، وأول المواقف هو: "الطاعة"، وطاعةُ ربّنا يسوع كانت أمينةً حتّى في وقتِ الممات. فمَن نالَ موهبةً عليه أن يعرِف هذه الموهبة هي لخدمة كنيسة يسوع المسيح، وليس بحثاً عن إنجازٍ شخصي. مؤسسوا الرهبانيات كانوا موهوبين بضرورة التجديد، ولكنهم عملوا ذلك بطاعة وصمت ضمن الكنيسة. فالموهبة من دون جماعة تُصبح فوضى، والجماعة من دون موهبة تصير جامدة. لذا، يُذكر بولس الكورنثيين بضرورة الحفاظ على وحدة الكنيسة والإبتعاد عن الفوضى والشقاق. إتفاق الكنيسة ووحدتها شرطٌ أساسي لحضور الروح القُدس مثلما يقول سفر أعمال الرُسل عن جماعة التلاميذ: "كانوا مثابرين على الصلاة بقلب واحد" (أع 1، 14)؛ وركيزة الاتفاق هي الصلاة معاً بقلبٍ واحدٍ.

ثم يحتاج الموهوب فضيلة التواضع لكي يعرِف أن لا يمتلِك كل المواهب، بل له موهبة واحدة فقط من مواهِبَ عديدة، وما يمتلكهُ هو عطية الروح وليس إنجازاً شخصياً. فهو بحاجة إلى جميع الأعضاء: "وَلَكِنَّهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ يُعْطَى إِظْهَارُ الرُّوحِ لِلْمَنْفَعَةِ" ( 1كو 12: 7)، فلا يوجد مَ، يمتلكُ كمال المواهب، كمال المواهب هي في الكنيسة التي لها ملءُ الروح: وَإِيَّاهُ جَعَلَ رَأْساً فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ لِلْكَنِيسَةِ، الَّتِي هِيَ جَسَدُهُ، مِلْءُ الَّذِي يَمْلأُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ" (أفسس 1: 22- 23). هكذا لن يبحث الموهوب على ضرورة السماع إليهِ وتنفيذ أوامره، بل يركنُ إلى الصلاة والحوار مع الأخوة والأخوات، ليكون التوافق في الكنيسة والإنسجام بين أعضائها. ففي العنصرة زال الخوف والانقسام  والتباعد، وولدت الوحدة والتفاهم والسلام، وهذه هي عطية الروح القُدس.

وأخيراً يحتاج الموهوب إلى فضيلة المحبة، أي أن يكون مُحباً من أجل العمل على وحدة الكنيسة، فلا تكون موهبتهُ سبب شقاق وإنفصال وفوضى، بل عاملاً على بيان جمال عمل الروح في الكنيسة. فـ" الْمَحَبَّةُ تَتَأَنَّى وَتَرْفُقُ. الْمَحَبَّةُ لاَ تَحْسِدُ. الْمَحَبَّةُ لاَ تَتَفَاخَرُ وَلاَ تَنْتَفِخُ. وَلاَ تُقَبِّحُ وَلاَ تَطْلُبُ مَا لِنَفْسِهَا وَلاَ تَحْتَدُّ وَلاَ تَظُنُّ السُّؤَ. وَلاَ تَفْرَحُ بِالإِثْمِ بَلْ تَفْرَحُ بِالْحَقِّ. وَتَحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ وَتُصَدِّقُ كُلَّ شَيْءٍ وَتَرْجُو كُلَّ شَيْءٍ وَتَصْبِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. اَلْمَحَبَّةُ لاَ تَسْقُطُ أَبَداً" (1 كور 13: 4- 8). فالمواهب تنتهي، أما المحبة فتبقى. الموهوب الذي يتعلّق بموهبتهِ ولا يُحبُ الكنيسة، إنما هو صوتٌ للمجرّب الذي يُريد تجزئة الكنيسة وضعفها. الموهوب الأصيل هو مَن، يُحبُ الكنيسة ويجعل كل شيءٍ في خدمتها، حتّى حياتهُ. لأن المحبة تعمل على تثبيت موهبة الإنسان، بل تجعلها موهبة الجميع. 

قراءة 1184 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *