المواعظ
%PM, %08 %520 %2016 %14:%أيار

الأحد ما بعد عيد الصعود - الحياة بالمسيح يسوع

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الأحد ما بعد عيد الصعود

الحياة بالمسيح يسوع (فيلبي 1: 27- 2: 11)

يُؤكد بولس في رسالتهِ إلى أهل فيلبي على أهمية أن يعيش المؤمن إيمانهُ في سلوكيات تترجم هذا الإيمان واقعاً، إذ لا يُمكن الفصل ما بين الإيمان والسلوك فيُوصيهم قائلاً: "فلتكن سيرتُكم كما يليقُ ببشارة المسيح"، ويضع حياة ربنا يسوع إنموذجاً لهم، ويُذكرهم أنهم: "في المسيح". هذه الحقيقة: "أنهم في المسيح"، تفترِض أن يكون هناك إتحادٌ ما بين المؤمن والمسيح، وأن يتحّد الواحد بالآخر فالمسيح يجمع الكل ويوحدهم في جسدهِ. والأمر الثالث هو أن وحدتهم بالمسيح تُمكنهم من أن يعرفوا فكر المسيح ويتقاسموهُ، فيسلكوا في حياتهم على مثال المسيح. معرفتهم (ومعرفتنا) ليسوع ليست عقلانية فحسب، بل سلوكية. فلا يكفي أن أعرِفَ يسوع وأحبهُ، بل أن أُحبهُ وأُعرفهُ للناس وأجعلهم يُحبوهُ أيضاً، بل أن نقبل الأم من أجل يسوع المسيح، مثلما تألم هو لأجلنا.  

المطلوب إذن هو أن يتحلّى المؤمن بالتواضع والطاعة، مثلما عاشَ ربنا يسوع المسيح أمام الله والناس، لأن التواضع والطاعة هما من طبيعة الله. هذا التواضع وهذه الطاعة تظهَر من خلال إلتزام العيش بأسلوب: "أن نحسَب الآخر أفضل منّا، وأن لا نعمل شيئاً للبحث عن المجد الباطل، وأن نسعى لخير القريب قبل التفكير بخيرنا الشخصي، واعينَ لحقيقة أن هذا كلّه يُعاكِس ما يتصارَع من أجلهِ الإنسان، وما تُريده حضارة اليوم التي ترفع شعار: الإنسان الأفضل هو: الأكثر شهرةً، والأكثر قوة، والأكثر غنى، والأكثر معرفة ... هذه الخطوات الأربع: أن نكون متواضعين ومطيعين، وأن نحسِب الآخر أفضل منّا، وأن نبحث عن خيرهِ قبل السعي نحونا خيرنا الشخصي، وأن نمدَح إنجازات الآخرين ولا نسمح لشيطان الحسد أن يُفسِد قلوبنا، هذه المواقف الحياتية كلّها مهدت بولس ليُذكِر كنيسة فيلبي بنشيد الجماعة المسيحية الأولى، والذي فيه يُقدم لنا ربّنا يسوع مثالاً حياً يُقتدى فيها: "الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً لِلَّهِ. لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِراً فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ. لِذَلِكَ رَفَّعَهُ اللهُ أَيْضاً، وَأَعْطَاهُ اسْماً فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ. لِكَيْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الأَرْضِ". (2: 6-10).

دعوة بولس لكنيسة فيلبي، ولنا أيضاً، ليست أن الإقتداء بالمسيح على صعيد الأخلاق فحسب، بل الأهم أن يكون لنا: "فكرُ المسيح يسوع". أي، أن لا نبحث عن مواقف يسوع وهو على الأرض فحسب، بل عن فكرِ ربّنا يسوع كونهُ صورةُ الآب. هو مُساوٍ للأب في الطبيعة، ولكنهُ لم يستخدم ذلك لمنفعته ِالشخصية، بخلاف آدم الأول الذي سعى للبحث عن أن يكون مساوياً لله، فصدّق إدعاء الحيّة: "موتا لا تموتان، فالله عالم أنكما في يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتصيران كآلهة تعرفان الخير والشر" (تك 3: 4-5)، فخسِر بعصيانهِ صداقة الله وألفتهِ، ونال ربّنا يسوع بطاعتهِ مجد الله. ربّنا يسوع، ومع أنهُ مساوٍ للآب، أخذ صورة العبد، ولم يدعي لنفسه إمتيازاتٍ، بل تضامنٍ مع الإنسان المُبتلّى بالخطيئة والضعف، فأطاعَ، وهو ما لم يفعلهُ آدم الأوم، فمجدّه الله وأعلنهُ ربّاً، مساوياً له، وتشهد الأرضُ والسماء لذلك.  

المؤمن، أبنُ الكنيسة، عليهِ أن يجعل من حياتهِ إنجيلاً حياً، إنجيلاً مرئياً للناس. القضية ليست بتطبيق وصايا الله ووصايا الكنيسة فحسب، بل أن يكون لنا مواقف المسيح يسوع نفسه، والتي نعي جدّيتها في عالمنا اليوم. لا يُمكن أن ينفصل الإيمان عن الأفعال، ولا يُمكن الإطمئنان إلى حقيقة: أن ربنا يسوع المسيح إستحقَّ لنا الخلاص وها نحن نستمتع بالنعم التي صارت لنا بموته وقيامتهِ، من دون التفكير جدياً بأن علينا أن نتقاسم حياة الخلاص. ففي ربنا يسوع المسيح، صورة الله، كشفَ الله لنا عن محبتهِ ورحمتهِ على نحو تام. فينا تجربة أن نُنشِد للمسيح، ونواصل المسيح المديح من أجل التهرّب من حقيقة السؤال: ما مفاعيل هذا النشيد والمديح في حياتِك؟ المسيح فيك وأن تُغيّبهُ عن حياتِك كلما لم تشهَد له في سلوكيات مسيحية أصيلةٍ.

علينا أن نتصرّف مثلما يتصرّف الله مع الإنسان، لا يتعالى ولا نستغل، تضامنٌ مع ضعف الآخر وقبول فقرَه، والإنحناء لخدمتهِ بتواضعٍ. إذا كُنا نؤمِن أن يسوع هو الرب، فعلينا أن نُظِهر تبعات هذا الإيمان في حياتنا، فلا نبحث عن القوّة والمكانة والشهرة، ولا نتطلع لأن نُخدَم، ولا نستغل إمتيازاتنا ومواهبنا لمنفعتنا، بل أن نُفكر بخيرِ الآخرين أولاً، ونعمل على أن تكون لهم وفّرة الحياة، ونسعى جاهدين للحفاظ على المحبّة التي توحدنا، محبة المسيح يسوع. حياة ربّنا تشهد لنجاح أسلوب الله التربوي، وحياة القديسيين شهادة لنجاح عمل الله في الإنسان، بل تحقيقٌ لوصيتهِ لموسى: "وَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «قُلْ لِكُلِّ جَمَاعَةِ بَنِي اسْرَائِيلَ: تَكُونُونَ قِدِّيسِينَ لانِّي قُدُّوسٌ الرَّبُّ الَهُكُمْ" (لاويين 19: 1- 2). والبُشرى السارة هي: إن عملنا ذلك، سنشهد لحقيقة قيامتنا مع ربنا يسوع المسيح.

 

7

قراءة 1255 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *