المواعظ
%AM, %26 %312 %2016 %09:%آذار

عظة إحتفالية عيد القيامة - فرأت الحجر مرفوعاً عن القبر

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

عظة إحتفالية عيد القيامة

فرأت الحجر مرفوعاً عن القبر (يو 20: 1- 18)

تبدأ احتفالية كنيستنا المشرقية بعيد القيامة بتطواف "سلام القيامة"، لأن ثمار قيامة ربّنا يسوع المسيح هي: "السلام" الذي صارَ لأن الله صالحنا، نحن الخطأة، بيسوع المسيح. هذا السلامُ هو مبعثُ فرحٍ للجميع، لأن الله إنتصر على الخطيئة وقواتها: الخيانة والكذب والنكران والظلم، ولم يبقَ لها (للخطيئة) من سُلطان على البشر. الله غفرَ للإنسان خطاياه، وأعفاه من الدين الذي كان عليه، وفتح معه صفحة جديدة، خلقاً جديداً، وينتظر أن يقبل الإنسان هذا الغفران، وهذا هو فعلُ الإيمان، وأن يسلُك إنساناً جديداً، إنسان القيامة المغفور له من قبل الله الذي يُحبهُ حُباً كبيراً.

ربنا يسوع الذي قَبِلَ محبّة الله بطاعة كاملة، فعاشها بيننا حناناً ورحمة وطيبة، ولم يتنازل عن البُشرى السارة: الله محبّة، ولم يتراجع عنها أمام تهديد الألم والعذاب، ولم يرضخ للتجارب، بل بقي مُستسلماً إلى ارادة الله، مؤمناً أن في المحبّة كل الحياة، وهكذا لم يتمكن الموت من أن يغلب الحياة، بل إنهزمَ البُغض أمام المحبة. لقد حرمَ أهل الظلمة هؤلاء الفقراء من فرحة هذا الرجاء، فقبضوا على يسوع، وعذبوه وقتلوه ووضعوه في قبرٍ لئلا يذكره الناس، ولكن الله، حوّلأها إلى بركة لنا، وإلى فرحة القيامة: يسوع حيّ إلى الأبد، كلمة الله، يسوع المسيح حيُّ لا يقوى عليه الموت.

لذا، فعيدُ القيامة في حياتنا، يا اخوتي وأخواتي، ليس ذكرى لحدثٍ مضى، بل حياة متجددة وقيامة مُستمرةُ لا توُصفَ بالكلمات وبالإحتفالات، بل تُعاش من خلال شهادة حياتنا التي يُباركها الله بالفرح والمحبة والسلام. بالرأفة واللطف والحنان. بالصدق والأمانة والشجاعة. ثمار القيامة تظهرُ في شجاعتنا في الشهادة لقيامة المسيح يسوع في تفاصيل حياتنا اليومية، ولا معنى للقيامة في حياتنا إن لم ننهض من مخاوفنا ومن كل ما يحبُسنا، من خطايانا وأنانيتنا، لنتوجّه نحو القريب مُبشرين: يسوع حيٌّ بيننا؛ يسوع قام. ونُبادلهُ السلام بالمحبة والرحمة والطيبة. نمدُ يد المُصالحة إكراماً لله الذي صالحنا بيسوع المسيح. فالذي له خصامٌ مع القريب، حتّى وإن شعرَ بأنه مُهانٌ عليه أن يمد يد المُصالحة، فهكذا فعل الله معنا، ولسنا أفضلَ من الله خالقنا.

فاليوم، وفي قيامة ربّنا يسوع المسيح نتعلّم معنى الغفران والتسامح والتواضع، والذي عاشهُ ربّنا يسوع، بكرنا في حياتهِ وبعد قيامتهِ. ربنا لم يظهر في الهيكل ليُهينَ رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب الذين سلّموه للموت! ولم يقف في دار الحاكم بيلاطس ليشجبهُ ويحكم على تصرّفاتهِ الجبانة، ومواقفهِ الخجولة، بل راح يُرافق تلاميذه الخائفين ليقويهم ويبعث فيهم الرجاء من جديد. ظهر للنسوة اللواتي قصّدن القبرَ لإداء وجاب المحبّة نحو ميت حبيب، وكلّفهنَّ بنقل بُشرى القيامة إلى تلاميذه.

ربنا يطلب منا أن نُعلِن للجميع أن المسيح قام، وهو حيّ بيننا. فالخبر اليوم: هو "يسوع المسيح، كلمة الله؛ حيٌّ إلى الأبد". ومضمون الخبر: "مسيحيون فرحون برجاء القيامة". فرحونَ لا في مظهرهم الخارجي فحسب، ولكن الأهم، فرحةُ القلب الحامل رجاءَ الله، فإذا تأملَ الناس حياتنا، وزاروا قلوبنا، يجب أن أن يشعَّ منها نورَ قيامةَ المسيح الذي أنار الظلمة التي فينا. يحب أن يختبروا أن فينا فرحاً لا يُمكن لإضطهادٍ أو حزنٍ أو ألمٍ أن يقتله. يروي لنا آباؤنا الروحيون عن أيام اضطهاد المسيحيين الأوائل في روما، قصة الشهيد مرداريوس، وهو غني ومن نبلاء الرومان. إذا كان يتمشى في قصره، فسمع أناساً يُغنونَ في الشوارع، فسأل خادمه: من هم هؤلاء؟ ولماذا يرتلون فرحينَ؟ اجابه: "هؤلاء يسمون مسيحيين وهذه رسالة جاءت من المشرق. انهم ذاهبون الى الموت مُرتلين فرحين، لأنهم يؤمنون بأنهم اذا أُعدموا يتحدون بمعلمهم الذي يُسمّى المسيح. فردَّ قائلاً: ما أعظم هذه الرسالة؟ فخرجَ من قصره، وانضم اليهم ليذهب معهم الى الموت.

إخوتي وأخواتي، العالم كلّه ينتظر تبشيرنا الحي بفرحِ القيامة. القيامة ليست عيداً فحسب بل مسؤولية ينتظرها الله منّا. القيامة بالنسبة لنا كمسيحيين مصباحٌ سلمه الله الينا، لنغير ظلمة العالم فلا ينبغي لنا أن نتقاعس عن رسالتنا، بل أن نحمل مصابيحنا، وننطلق مُبشرين العالم أجمع بشهادة حياتنا، بصدقنا ونزاهتنا، بتواضعنا ومحبتنا، وهذه كلّها تطلبُ جُهداً أكثر من جُهدِ تطييب جسّد ميّت. لربما نُفضّلُ مثل التلاميذ الإختباء والصمت وعدم الكشفِ عن مسيحيتنا خوفاً أو خجلاً. ربنا يأتينا ويطلب منّا العودة إليه، ويُشجعنا بتأكيده أنه باق معنا ليقوي ضُعفنا، وينزع عنّا كل خوفٍ وشكٍ وحيرة. يروي لنا آباؤونا الروحيون، عن رجلٍ شريفٍ فكّر بأن يُكرِمَ أبناء قريته بهديةٍ ثمينة، فبنى لهم كنيسة في القرية. أشرفَ بنفسه على البناء، ولم يدعَ أحداً يتدخل في تشييدها، وعند يوم الإفتتاح، إجتمعَ السُكان حول الكنيسة، ودخلوها فإندهشوا لروعتها وجمال الرسوم والنحوت التي فيها. ولكن المُفاجأة كانت أكبر، حين أوعزَ هذا الرجل لمساعديه بأن يُوزعوا فوانيس لكل عائلة، وقال لهم: "ليس في الكنيسة أي مُصباح، بل المصابيح معكم، فإذا احدكم لا يأتي إلى الكنيسة، فإعلموا أن هناكَ مكاناً في كنيسة سيبقىَ مُظلماً، لأن هذا الشخص لم يحضر!

فإذا كُنا نؤمنُ بأنَّ المسيح قامَ، فعلينا أن لا نسعى نحو تقديم براهين عن قيامتهِ، بل أن نُجسّد نتائج هذه القيامة في حياتنا. فالرُسل لم يسعوا إلى تقديم براهين عن قيامة المسيح يسوع، ولا يروون لنا كيف تمّت القيامة. إنَّ هذا عمل الله ولا يُمكن للإنسان أن يصفه، بل أعلنوا عن معنى الإيمان بقيامة المسيح يسوع في حياتنا! عن ثمار قيامةِ المسيح يسوع. فإذا كُنا نؤمنُّ بأن المسيح يسوع قام، فما هي ثمار هذه القيامةِ في حياتنا؟ فإذا لم يرَ الناس فينا ثمارَ قيامة ربّنا يسوع المسيح اليوم، يكون إيماننا باطلاً! فاليوم قام المسيح يسوع، واليوم نحن مدعوون لأن نشهدَ لفعلِ الله العظيم في حياتنا.

فإعنّا يا ربُ في يومِ قيامتِكَ، أن نكون النورَ الحامِل سلامَك من أجل عالمٍ تسوده المحبة ويعمُ فيها السلام، بما نحمله نحن في حياتنا من رحمةٍ وطيبٍ وغفران. ونطلبُ منك اليوم خاصةً، أن ترفعَ حجرَ الحزنِ والعنفِ والخصام عن أرضنا لتكون، أرضنا، وكل الأرض، مثلما تُريدها، خدرَ الفرحَ والآمان لشعبهِ وللعالم.

عيد قيامة مُبارَك عليكم جميعاً

قراءة 1482 مرات آخر تعديل على %AM, %26 %318 %2016 %09:%آذار

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *