المواعظ
%AM, %25 %008 %2016 %02:%آذار

خميس الأسرار - عشاء المحبّة والغفران

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

خميس الأسرار

عشاء المحبّة والغفران

عشاء المحبّة والغفران، بهذه العبارة نُلّخص ما حصل في "ساعة" ربّنا يسوع والتي أخبرّ عنها مراراً لتلاميذه، فكشفَ لنا عن مضمون هذه الساعة: هي ساعة الإنتقال إلى الله الآب، هذا الإنتقال سيكون من خلال فعل المحبّة الذي بدأه في تجسده وأتمّه اليوم: "قبل عيد الفصح، كان يسوع يعلم بأن قد أتت ساعة إنتقالهِ من هذا العالم إلى أبيهِ، وكان قد أحبَّ خاصتهُ في هذا العالم، فبلغَ به الحُب لهم إلى أقصى حدودهِ" (يو 13: 1). كشفَ لنا ربّنا يسوع أن هذه المحبّة تُعاش من خلال الإنتقال إلى الآخر، إلى القريب، ومحاولة فهمهِ على نحو أصيل. فالمحبة تُعطي ذاتها، تفيض عناية ورحمة على الآخرين.  هكذا، يترك اليوم رّبنا يسوع مكانه كمعلمٍ وسيدٍ وملكٍ، ويتخلّى عن بهاء آلوهيتهِ، ليسجد أمام تلاميذه ويأخذ مهمة العبد والخادِم، يغسل أقدامهم وينشفها، فيُطهرهم ليتمكنوا من المشاركة في الوليمة الإلهية.

محبة ربّنا يسوع تجعله ينتقل من حيثما هو إلى حيثما هم، ويُحدثهم من هناك، من تطلعاتهم الباحثة عن العظمة والأمكنة المتميزة وعن الشُهرة ... وهي كلّها تجارب طالما جرّت الإنسان والإنسانية إلى كوارث ومصائب راح ضحيّتها أناس أبرياء. إنتقالة ربنا يسوع إلى حيثما تلاميذه ليست ليبقى معهم فحسب، بل ليُصعدهم إلى أبيهِ، تماماً مثلما فعلَ في تجسده، فصارَ إنساناً ليصيرَ الإنسان إلهاً، وهو لا يعود إلى أبيهِ السماوي وحيداً، بل يجذب إليه جميع البشر (يو 12: 32). حُبهُ يدفعه ليكون مع مَن يُحبهُم، ليس فحسب بل ليخدمهم فيُزيل كل الحواجز التي تمنعهم من لقائه على نحو مُحب، على نحو أخوي. خدمتهُ لهم تكمنُ في أن يُطهرهم من مشاعر الكبرياء والمُفاخرة والبحث عن الأمكنة المتميزة أو المواقف البطولية: "مَن الأعظم بيننا؟ من الأشجع بيننا؟ من سيبقى أميناً للمعلّم؟ فيضع أمامهم، وأمام الكنيسة الخدمة طريقاً للعظمة. ربنا يسوع لم يرفض طموح العظمة ولكنه حدد السبيل إليها: "مَن أرادَ فيكم أن يكون كبيراً، فليكن لكم خادماً".

ربنا يسوع يعرِف، مثلما نحن نعرِف، أن الإنسان ومهما فعل فلن يكون بإمكانهِ المثول أمام الله طاهراً، على العكس، فكلما أقتربنا من قداسة الله، شعرنا بجسامة خطايانا. كلما أقتربنا من نور الله شعرنا بالظلمة التي فينا. هنا تكمنُ محبّة الله الذي لم يترك الإنسان العاجز عن تقديس حياته ليبقَ بائساً في خطاياه، بعيداً عنه، فطهّر بكلماتهِ حياة الإنسان، وحوّل أفكاره وقلبهُ وإرادتهِ نحو الله، ليكونَ أهلاً للوقوف أمام الله، إلهنا ينزل ليُطهِر الإنسان لا ليدينهُ، لتكون الطهارة نعمة من الله نحو الإنسان. إلهنا هو الذي يقوم بتقديس الإنسان، فيُقدّس ربنا حياتهُ من أجل الإنسان، ويُصلي إلى أبيه ليُقدسهم الإنسان بالحق، والحقيقة هي: أن الطريق إلى الله يمر عبر خدمة القريب، فجعل ربّنا يسوع نفسه القدوة والمثال، ليكونَ فينا نحن فكرٌ المسيح، فنسلُك في حياتنا مثلما هو لا مثلما نُريدُ نحن. وأي أسلوب حياة غير ذلك يُعد خيانة للصداقة التي يعرضها ربّنا يسوع. فلا نستغرِب من أن حدثّ اليوم، تضمنَ خبرة الخيانة حتّى بعد تناوله اللقمة من يد ربّنا يسوع، خيانةُ يهوذا. ومع أنها خيانةٌ إلا أنها لم تستطيع أن تمحو عمل النعمة الذي صارَ فيه، فندِم بعد تسليم ربّنا يسوع، فراح يعمل المستحيل ليُنقِذَ ربنا يسوع ولم يفلَح، فبقيَّ أسيرَ الظلمة التي دخلَ فيها منذ أن تناول اللقمة من يدِ ربنا يسوع وخرج عن جلسة العشاء (يو 13: 30)، شنقَ نفسهُ لأنه لم يؤمن بالغفران، فتحولّت ندامتهُ إلى يأسٍ، لأنها كانت ندامةٌ من دون إيمان، من دون رجاء.

في هذا العشاء كشّف ربنا يسوع المسيح لماذا تجسّد وصار إنساناً: ليُصالِح الإنسان إلى الله، ليجعل من حياتهِ عيداً، وهذا ممكن إن كان له قلبُ الله، المحبة. المحبة التي تُعطي ذاتها فتغفر للآخر خطاياهُ. المحبة هي البُشرى السارة، وهي عطيّة المسيحية إلى عالمنا المُضطّرِب بالحروب والصراعات. لم يقل لنا ربّنا: إنني جئتُ لتكون حياتُكم على الأرض حياةً سهلةَ ومُفرحة، بل جئتُ لأقوالَ لكم أن الله يُحبُكم وغفرَ لكم خطاياكم، فعودوا إلى الله وإشهدوا لهذه التوبة في حياتكم، ولا تُخطأوا مُجدداً.

علينا اليوم أن ننحني نحوه ونقبل منه أن يغسل لنا حياتنا مثلما يُريد هو. يهوذا وبطرس والتلاميذ هم نحن أيضاً، ففينا جميعاً تكبّر بطرس وتشامخهُ: لن تغسل لي رجليَّ"؛ فينا جميعاً الرغبة في الحصولِ على النعمة بمجهودنا. فينا جميعا التجربة لأن نقول لله ما يجب عليه أن يفعلهُ، عوَض الصمت والإصغاء إليه، هو الذي يأتينا متواضعاً ليرفعنا من خلال الخدمة. لذا، علينا أن نقبل بتواضعٍ ليغسل حياتنا بحقيقتهِ، ويُطهرنا من الكراهية والغضب والحسد التي تشوهُ فينا صورة الله المُحب. قبولنا لغفران الله، يعني بالضرورة قبولنا أن يحوّلنا، فنصير على مثالهِ: "إصنعوا هذا لذكري"، لا تذكرة فحسب، بل شهادة حياة. لذا، طلبَ بولس الرسول في رسالتهِ اليوم: "أن نصنع َالعيد لا بالخمير العتيق ولا بخمير الشر والمرارة، بل بخمير الطهارة والقداسة"، علينا أن نبدأ بتنظيف قلوبنا وحياتنا من الخطيئة ومن الفساد ليكون إحتفالنا كاملاً، ليكونَ فصحُ ربنا يسوع المسيح، فصحنا الشخصي أيضاً، فنكشِف عن فاعلية هذا الفصح في حياتِنا، فنُعلِن أننا تطهرنا من الخطيئة لأن الله خلّصنا منها بيسوع المسيح، هذا التطهير هدفهُ واحد: أن يكون لنا ملءُ الحياة. 

قراءة 2000 مرات آخر تعديل على %AM, %25 %016 %2016 %02:%آذار

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *