المواعظ
%PM, %13 %529 %2016 %14:%آذار

الأحد السادس من الصوم - لا تُهِلِك بطعامَك مَن لأَجلهِ مات المسيح

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الأحد السادس من الصوم

لا تُهِلِك بطعامَك مَن لأَجلهِ مات المسيح (روم 14: 10- 23)

الصوم زمنُ مُباركٌ فيه يدعونا إلهنا لنختبِرَ فيه تطهيراً للقلب من كل الأفكار والصور المشوَهة عنه وعن القريب. مراراً ما يُجرَب المؤمن فيعتقدَ أن علاقتهُ بالله تعتمد على المحبة التي يُقدمها لله، وهذا يُخالِف ما يُعلنهُ الكتاب المُقدَس إذ يقول يوحنا الإنجيلي: "وما تقوم عليه المحبة هو أنه لسنا نحن أحببنا الله بل هو أحبنا فأرسل ابنه كفارة لخطايانا" (1 يو 4: 9). الله هو الذي بدء َالمسيرة نحونا، فنزلَ وصارَ إنساناً بيننا: عمانوئيل (الله معنا)، ونحن نُعيدُ إليه المحبة التي أحبنا هو بها. وهذا ما لم يفهمهُ الفريسيون الذين سمعوا بشارة ربّنا يسوع: "الله يُحبُ الخاطيء"، ومحبتهُ تريد عودة الخاطئ إليه، فظنوا أنهم بتطبيقهم الشريعة ينالون الخلاص، فكان تدينهم فرصة لدينونة الآخر، أي الجلوس على كرسي الله، وهذه خطيئة كانوا عُميان فلم يروها.

محبّة الله المحبة تمرُ دوما من خلال محبة القريب الذي يضعهُ في طريق حياتنا لنُحبهُ بالمحبة التي أحبنا الله. هذا القريب ليس اليتم والأرملة والغريب الذي يسألنا العون والمساعدة، بل هو كل إنسان يضعهُ الله في طريق حياتنا، هو الذي تتقاسم وإياه يومنا، فعلينا، وبدافع المحبة أن لا نُحزنهُ ولا نكون له حجرة عثرة، فالمسيح مات من أجله، مثلما يقول بولس الرسول في رسالتهِ اليوم، والذي يُناقِش قضية تناول ذبائح الوثنيين، إذ كانت كنيسة روما، مثلها مثل غيرها من الكنائس تتسائل: هل نُشِارك الوثنيين موائد الطعام؟ هل يُمكننا أن نتاول من ذبائح الوثنيين إذا قُدِمت لنا؟ كان البعض المؤمنين يقولون: هذه ليست من متطلبات الإيمان، فيما كان آخرون يتشككون من هذه السلوكيات. فردَّ بولس مؤكداً على أن الأهم في هذه القضية وغيرها من السلوكيات هو أن نتذكر: إننا نعيش حياةً جديدة بالمسيح يسوع، والتي فيها أظهر الله لنا تمام المحبة، والتي هي كمال الناموس، ويسألنا محبّتهُ من خلال محبتنا للقريب، هذه المحبة تضع حاجات القريب قبل ما أرغبه وأريده، فإذا كان القريب يتشكك من سلوكٍ كهذا، وله أسبابهُ، هو ضعيفُ الإيمان، فالأفضل أن لا آكل حُباً بالمسيح الذي ماتَ من أجل القريب.

إخوتي وأخواتي،

المحبة التي نكنّها للقريب يجب أن تكون واقعية وملموسة، والأهم أن تكون ذات المحبة التي أحبنا بها ربّنا يسوع. أي، أن نُحبَ القريب لا مثلما نُريد نحن، بل مثلما أحبنا الله، تماماً مثلما فعلَ ربنا يسوع: كما أحبني الآب فكذلك أحببتكم أنا أيضا" (يو 15: 9). فيكون القريب الفرصة التي يمنحها الله لنا لنُحبهُ، كوننا غير قادرين على مُبادَلة الله المحبة التي هو يُحبنا، فينتظر الله منا محبة مجانية ونزيهة (القديسة كاترينا السيانية). من دون هذه المحبة نكون أجساداً ميّتة لا حياة فيها، تماما مثل البحر الميّت. فجميعنا يعرِف قصة نهر الأردن، فمن مجراه تتكون بحيرتان: بحر الجليل المليء بالأسماك، والبحر الميت، مع أن الينبوع هو واحد: نهر الأردن. السبب يكمن في أن بحر الجليل لا يحتفظ بالماء لنفسهِ بل تجرى منه سواقي تروي وادي الأردن، أما بحر الميت فيحتفظ بالماء في بحيرة لا يتسّرب منها ماء.

هذا هو جديد ربنا يسوع المسيح في وصية المحبّة، فهو لا يطلب منّا أن ننتظر متى جاء القريب يطلب المُساعدة، بل يسألنا نحن أن نكون نكون قريباً لكل مَن هو في حاجةٍ إلينا: "فمن كان في رأيك، من هؤلاء الثلاثة، قريب الذي وقع بأيدي اللصوص؟ فقال: "الذي عامله بالرحمة". فقال له يسوع: "اذهب فاعمل أنت أيضا مثل ذلك". (لو 10: 36- 37). والسبب هو دوما: أن الله أحبنا، فعلينا أن نُحبَ بعضنا بعضاً كما هو أحبنا" (يو 5: 12). محبة القريب تكون مثل محبة الله لنا، فأضحت المحبة نعمةً لا جهداً إنسانياً. الله هو فاعِل المحبة، لأنه محبّة، ولقبول هذه النعمة على الإنسان أن يفعل للآخر ما فعله الله له. فلا يكون المطلب: "ما فعلهُ لكَ الآخر، إفعلهُ له"، بل "ما فعلهُ الله لك، إفعلهُ أنت للآخر"، والعكس صحيح: "ما فعلتهُ أنت للآخر، سيفعلهُ الله لكَ أيضاً". هكذا، يدخل الله في علاقتنا بالآخر على نحو مُؤسس.

إذن ينتظر الله منّا محبةً للقريب مثلما أحبنا هو، محبة نزيهة ومُجسدة في الإعمال مسؤولة. محبة نقيةٌ وأصيلة، محبة تصبر محبة تخدم، ولا تحسد ولا تتباهى ولا تنتفخ من الكبرياء، ولا تفعل ما ليس بشريف ولا تسعى إلى منفعتها، ولا تحنق ولا تبالي بالسوء، ولا تفرح بالظلم، بل تفرح بالحق. وهي تعذر كل شيء وتصدق كل شيء وترجو كل شيء وتتحمل كل شيء" (1 كور 13: 4- 7). محبة نابعة من قلبٍ مُفعَم بمحبة الله، يرى خطاياهُ ويعرف أنه بحاجة إلى يد الله الشافية. 

قراءة 8162 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *