المواعظ
%PM, %01 %636 %2016 %17:%آذار

العظة الختامية لسنَـــة الحَيــــاة المــكرســة

كتبه
قيم الموضوع
(1 تصويت)

سنَـــةُ الحَيــــاة الُمــكرّسـَـة

العظة الختاميّة (المطران بشار وردة)

السبت 6 شباط 2016

جَمَعَنا ربُّنا وإلهُنا، اليوم، في أفخارستيا الإيمان والتكرّس، لنؤدّيّ الشُكرَ الواجبَ له على هِبَة "الحياة المـُكرّسة" التي خصّ بها الكنيسة وكلَّ واحدٍ منّا، إذ اختارَنا لنحملَ البُشرى السعيدةَ، ونشهدَ لمحبّته لنا ولجميع الشعوب الذين وضعَهم في طريقنا. فالشُكرُ لك يا أبانا على هذه النّعمة الكبيرة.

وإذ خَصّصتْ الكنيسةُ هذه السّنة للتأمّل بهِبَات "سنة الرّحمة" والتنعُّم بها، نجدُ أنفُسَنا، نحن المـُكرّسين، مَدعوّين إلى مُضاعفة الشكر، فمحبّتهُ الفائقةُ رحمةً تحثُّنا على تمجيدِه دون انقطاع. هذه الرّحمةُ، التي جذبَتْنا إلى شباكهِ على ضُعفِنا وهَشَاشَتِنا، واعتراضاتِنا، لا تَلبَثُ هي هي رفيقةَ دربنا على تعرُّضنا، في كلّ وقت، إلى الخروج عن المسار الصحيح، وقد نُحرجهُ في ما نحن عليه من مشاعرَ ومواقفَ هزيلة. لذا، فهو يدعونا، اليوم، لنُحِرّرَ أنفسنا من كلّ ما يُعيقُ "جاهزيّتنا" للخدمة المجّانية، ونعودَ إلى "فرحة" اللحظات الأولى من دعوتنا، تلك التي بدأنا فيها المسيرةَ مُنصاعينَ إلى قرار الله، موقنين أنّ ما اتَصل بها لاحقًا كان من خطّ أيدينا نحن. ومثلما طَلبَ إلهُنا من شعبه، في كلّ نهاية للسّنة التاسعة والأربعين، أن يعودَ إلى "أصل الاختيار" وحالتهِ المادّية لكي تكونَ سنةُ الخمسين سنةَ يوبيلٍ يُحتفَلُ بها سنةَ رضاهُ (أحبار 25: 8- 55)، نُريد نحنُ أيضًا أن نُعاهِدَه، مشفوعين بصلواتِ أمّنا مريمَ، أمِّ الرّحمة، لتكون سنةُ الرّحمة هذه سنةَ التحرُّر من تسعةٍ وأربعينَ ارتباطًا يأسرُنُا، ويُخفي نضارةَ تكرُّسنا.

إليكم قائمةُ الارتباطات كالآتي :

1.         فقدانُ الإيمان بالله أبًا يُحبُّ، ويحنو، ويرحَم، ويدعو لتجديد الوعد كلَّ يوم.

2.         فقدانُ الرّجاء كفضيلة إلهيّة، إذ صارت المحبّةُ "انجذابًا وتفضيلاً فَردانيًّا" أكثر منها وصيّة ربّانيّة.

3.         فقدانُ الرّغبة في التواصل مع الله، في الصلاة، شُعورًا منّا بعدم جَدواها. 

4.         الاستخفافُ بأهميّة القراءة الرّوحيّة والتأمّل في حياة قِدّيسيّ الكنيسة.

5.         تناسي مشيئة الله لصالح إرادتنا ومشاريعِنا الحياتيّة الشخصيّة.

6.          التباكي أمام الله والتشكّي له عن أحوالنا، عوض التباكي ندمًا على خطايانا. 

7.         التضرّعُ إلى الله لأجل راحتنا عوض التفاني في سبيل مَن نخدُمُهم.

8.         ضبابيّةٌ تجتاحُ معرفتَنا لما يُريده الله والكنيسة منّا وما يحتاجُه العالم.

9.         قسوةُ القلب ويبوسةٌ تُفقدُنا إحساسَ الدهشة بجديد الله، "ومُفاجآته".

10.     التكيُّفُ المـَرَضيّ مع واقع خطايانا الشخصيّة دونَ العمل على مُواجَهتها وتخطّيها.

11.    فُقدانُ الشعور بالخطيئة وعدم التحلّي بالشجاعة اللازمة لمواجَهتها.

12.    التعايشُ والتكيّفُ مع "إلحاد" إيجابيّ وآخر عقائديّ.

13.    عدمُ الإيمان بسّر التوبة والاعتراف، وفكّ الارتباط العضويّ والروحيّ بسِرّ الأفخارستيّا.

14.    الإصغاءُ لأصواتِ العالم المـُحبِطَة والقائلة ب"عدم نَفْعيّة الحياة المـُكرّسة" للكنيسة.

15.    الشعورُ بالحزن والأسى والأسف على حالتنا وواقعنا، ما يجعلُنا في كآبة ويبوسة روحيّة، حزانى لغياب معنًى لما نعيش.

16.    مُطالبةُ الله والكنيسة بتقديم الشُكر لنا (تربيح جميلة) لأنّنا قبِلنا أن نكونَ مُكرّسينَ.

17.    التنازلُ عن "هِبَة النُّبؤة" لصالحِ المـُعتاد والرّتيب.

18.    فُقدانُ فرحِ الاختيار كمُكرَّس في كنيسة الرّب، والبحثُ عن الرّاحة خارجَ أسوار الجماعة المكرّسة.

19.    اختزالُ "الرهبانيّة كلِّها" في شخصٍ ما أو في الذات نفسِها.

20.    التوهّمُ بأنّني أنا صاحبُ مشروع التكرّس وخاتمتُهُ (سُبحاني ما أعظمَ شأني).

21.    التباكي على ماضينا ومُكتسباتهِ عِوضَ أن يكون تكرُّسُنا حافزًا لمـُبادرات مُبدعَة.

22.    قبولُ التعايش مع غضبٍ داخليّ لا عنوانَ له ولا مَضمون.

23.    الشعورُ بالضّياع لاختفاءِ نجمةِ التوجيه التي أطلقَتْنَا وَهَدَتْنا في مسيرة التكرّس.

24.    استشارةُ "ملوكِ الحقد والغضب" والذين من شأنهم خَبْتُ وهجِ التكرّس.

25.    فهمٌ ضبابيّ لمعنى "كوننا مُكرّسين" ممّا يؤدّي غالبًا إلى طَمْسِ هويّتنا الرهبانيّة.

26.    افتخارٌ بمواهبَ ووزناتٍ على حساب تمجيد الخالِق مُعْطيها.

27.    الاستسلامُ حزانى لواقع "احتضارِ الحياة المكرّسة".

28.    عَولمةُ الحياة المكرّسة في إطار مُساومَة رخيصة تُفقدُنا "جاذبيّةَ" التَكرّس.

29.    استغلالُ تكرُّسِنا لتحقيقِ ما نرغَبهُ ونتمنّاهُ ماديًّا وعاطفيًّا.

30.    تأليهُ الأنا وإراحتُها قبل كلّ شيء، إذ أضحى ما يُريحني هو الحقيقةَ المـُطلقة.

31.    تعظيمُ الذات حتى التفّرُد في الرّأي وعدمُ قبول النُّصح والتوجيه.

32.    السعيُ وراء تعويض "العوز الرّوحيّ" بمُسكّنات دنيويّة.

33.    فقرٌ في النُضج الإنسانيّ، ومزاجيّةُ الطبع والسلوك، يدفعانَنا إلى انتقائيّةٍ في العمل غيرِ عادلة.

34.    البحثُ عن إنجازاتٍ علميّة حول ما قيلَ ويُقالُ عن يسوع عِوَضَ التعلّق به شخصيًّا.

35.    الإصرارُ على رؤيتنا الخاصّة، وتمرير برامجنا الشخصيّة، على حساب كاريزما الرهبانيّة ورسالتِها في الكنيسة.

36.    تعريفُ العالم على أزماتِ الحياة المـُكرّسة ومشاكلِها عوضَ التبشير بجمالاتها المتنوّعة والفريدة.

37.    الإدمانُ على العمل المـُجْهِد في محاولة للتهرّب من التساؤلات المصيريّة والحاسمة في الحياة المكرّسة.

38.    تبنّي روحٍ تنافسيّة تُبعدنا عن جذور التكرّس الواحد الذي يجمعُنا.

39.    التعاملُ مع الأخوة والأخوات كأفراد مُنتجين أو مُستهلِكين مُتَناسين أنّنا عائلةٌ مُكرّسَة ذاتُ قيمةٍ بحدّ ذاتها. 

40.    رفضُ التَعايُش مع مَن اختارَهُم الله رُفقاءَ لنا في الطريق.

41.    التكيّفُ مع ظاهرة الثرثرة والنّميمة الباطلة التي تُفسِدُ بَساطةَ العلاقاتِ وطيبتَها.

42.    حَسدٌ يقودُنا إلى نِفاقٍ ورياءٍ وإزدواجيّةٍ في التعامل مع الآخرين.

43.    صِراعاتٌ جانبيّةٌ ما بيننا (نحن المـُكرّسين) تستهلِكُنا وتُجفّفُ منابعَ الفرح والحماس فينا.

44.    تشكيلُ حَلقاتٍ مُغلَقةٍ داخلَ الجماعة المـُكرّسة الواحدة.

45.    زوالُ رغبةِ الإصلاح الأخويّ وتَقديم النُصح والإرشاد.

46.    إنغلاقٌ على الذات، وفقدانُ الاتصال والتواصل مع الجماعة، التي اختارها اللهُ لنا لننضجَ فيها ومعها إنسانيًّا ومسيحيًّا.

47.    مُطالبةُ الجماعة بإشباع رغباتِنا وطُموحاتِنا وعَدم التنبّه لآلام القريب.

48.    اتهامُ الآخرين، بمن فيهم حَملةُ التقليد الرهبانيّ، بالتخلّف والامتناع عن قراءة علامات الأزمنة.

49.    الانصياعُ الأعمى وراءَ كلّ جديد، وإهمالُ الاصغاء لصوت الرّب وهمسات الروّح القديمِ الجديد. 

إنّ إلهَنا وملكَنا يدعونا اليوم لنُقرّر: هل نحنُ على أُبَّهةِ الإستعداد للتخلّص من كلّ هذه القيود، والوقوف مُتحرّرين في سبيل خدمةِ ملكوته ؟ ليس علينا التفكيرُ طويلاً، فما نحتاجهُ نُقرّرُه اليوم وليس غدًا.

لذا، وفي مواجهة تحدّيات الساعة، يدعونا ربُّنا وإلهُنا للعودة إليه حاملين أجاجينَنا الفارغة، طالبينَ منه أن يُبارِكها ويملأها صلاحًا لتحملَ إلى العالم "فرحَ البُشرى السارة"، فرحَ الإنجيل. في الواقع، لا يمكنُنا أن نحقّق هذا الأمر إلّا إذا آمنّا بمحبّتهِ التي تنتظرُ عودتَنا على أحرّ من الجمر. علينا إذن أن نؤمنَ برحمتهِ التي تقبلُنا أينما وكيفما كُنّا لتحملَنا إلى حيثما يَشاءُ هو.

يشاءُ الرّبُّ أن تكونَ سنةُ الرّحمة هذه "ولادةً جديدة" تنعكسُ على مرآة شهادة حياة الرّحمة والحنان تُجاهَ القريب : "أرحمُ لأنّي قبلتُ الرّحمة". فرحمةُ الله رحمةٌ خلاّقة لا تلبثُ تفتحُ البابَ لنبدأ من جديد، لا من حيثما نريد أن نكون، بل حيثما يُحبّ اللهُ أن نكون، كما علّمنا ذلك ربُّنا يسوع، في مَثَل الإبن الضال، حيث نجدُ الآبَ الرّحيم ينعمُ على ابنهِ العائد بكلّ بركاتِ البنوّة، فقط لأنّه عاد، ولم يسمحْ له بأن يُكمِلَ فِعلَ الإعتراف والندامة الذي أعدّه مُسبقًا، فغَفر له راحمًا وليس عادلًا.

سنةُ الرّحمة، هذه السنة، ليست للمُحاسبة أو المـُعاتبة، ولا هي للبحث في الدفاتر العتيقة لنُحمِّلَ هذا أو ذاك المسؤوليّةَ عن نَقصٍ أو ضُعفٍ أو ضياع. إنّها، قبل كلّ شيء، سنةُ تحررٍ للذات من كلّ ما يأسرُها، أكان ذلك غضبًا أو حَنقًا أو لا مُبالاة. لنعِشْ "رحمة" الآب ونَسعَ لتحقيقِ هذه الرّحمة والكشْفِ عن هويّتنا الحقّة : "نحنُ مَن أحبّهم الله ورحمَهم وترأّفَ بِهِم"، نحن من أفاض إلهُنا رحمتَهُ علينا عندما اختارنا لنتبعَ ابنَهُ يسوعَ المسيح، حاملينَ البشرى به فاديًا ومُخلّصًا. 

نحن بحاجة، اليوم أكثرَ من ذي قبلُ، إلى عيش "فرح الدعوة والتكرّس"، وذلك بقبول الرّحمة والغفران. أن نغفِر لأنفُسِنا ما نختبرُهُ من مشاعرِ غضبٍ داخليّ حتّى نتمكّن من عيش التكرّس، ونكونَ صورةَ الصورة، عاكِسينَ بهاءَ "وجه الرّحمة" الإلهيّة. هو الذي يدعونا اليوم لكي ندخلَ سَنةَ رِضَاه، سنةً يُريد فيها الآبُ أن يَلمُسَ عيونَنا لتُشِعّ بنورِ رحمتهِ، ويفُكَّ أسرَنا. 

قراءة 5226 مرات آخر تعديل على %PM, %01 %644 %2016 %17:%آذار

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *