المواعظ
%AM, %29 %986 %2016 %01:%كانون2

موعظة الأحد الأول من الصوم - فنشبهوا بالله كالآبناء (أفسس 4: 5 - 17)

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

المطران بشار متي وردة

 

الأحد الأول من الصوم

فنشبهوا بالله كالآبناء (أفسس 4: 5 - 17)

مع بدء زمن الصوم الكبير المُبارَك، تطلب منّا أمنا الكنيسة، ومن خلال كلمة الله في رسالة بولس الرسول إلى كنيسة أفسس أن نتخّذ قراراً مُلِزما لحياتنا التي وُسِمَـت بعماذنا بيسوع المسيح. فلا يُمكن القبول بحياة مُزدَوَجة، لأن الحياة مع المسيح تتطلّب بالضرورة ترَك حياة الإنسان القديدم: الكذب والخداع  والغش والدعارة والسخط والغضب. بمعنى آخر، مع المسيح نحن مدعوون لتغيير جذري في حياتنا، هذا التغيير أساسهُ محبّة الله التي جذبتنا وخلّصتنا من إنساننا القديم، ليس هذا فحسب، تدعونا لما هو أسمى: أن نكون مثل الله، فكتبَ بولس: "فتشبهوا بالله كالأبناء".

التغيير المطلوب ليس شكلياً إذن، وليس مؤقتا، هو تغيير شامل، مثل أي شابٍ أو شابة قرروا الزواج، فلا يُمكن العودة لحياة العزوبية وأساليبها، بل عليهم إلتزام حياة جديدة والتضحية بسلوكيات العزوبية، من أجل تحقيق غايات الزواج وأهدافهِ، وإلا فسيفشلونَ، مثل يحصل أحياناً في بعض الزيجات، لأن أحد الزوجين، أو كلاهما أحيانا، لم يلتزم بما يتطلبُه الزواج من مسؤولياتٍ وإلتزامات تجاه الآخر. فلا يُمكن للمسيحي أن يعيش "الإزداوجية"، فالمسيح يكفيه. ونحن مُجربون اليوم بأنصاف التوبة والندامة، أي، التغيير السطحي من دون الغوص عميقاً فيما يتطلبه التغيير من قرارات ومواقف وإلتزامات. 

هذا التغيير لا يقبل التراخي أو المناورة، إقتراف الأخطاء والاعتذار عنها ثم العودة إليها مجدداً. تروي لنا أحدى الراهبات معاناتها مع طالب في التعليم المسيحي كان عنيفاً مع زملائه، ويعتذر عن تصرفاتهِ ويعود ليضربَ زملائه ليقول: سأعتذر له (أو لها). الاعتذار هو مهم في العلاقة مع الله ومع القريب، ولكن الأهم هو الندامة والبدء من جديد من دون العودة إلى الماضي، بل العيش على نحو يجعلنا "أبناء الله" بحق. وهذا يتطلّب جهداً وتمييزاً روحياً، والعيش بالمحبة التي أحبنا فيها المسيح والذي ضحة بحايته على الصليب.

أسس بولس العديد من الكنائس وظهرَ فيها شخصيات سعت إلى جذب المؤمنينَ إليها عوض أن يكونوا لله، لذا، كان على بولس أن يُذكرهم بالمبادئ الأساسية: نحن نُحبُ مثلما أحبَ المسيح كنيستهُ، ونغفر مثلما غفرَ الله لنا. مع وعيه أن ليس كل مَن يُغفرَ له سينال نعمة التغيير، بعضهم سيجعلهم أكثر تكبراً وتشامخاً، مثلهم مثل العبد الذي غُفِرَ له، ولم يهنأ بنعمة الغفران، فراح يُلاحِق عبداً آخر، عوضَ أن يعيش حياتهُ شاكراً النعمة التي حظيَّ بها.  فالمحبة التي انعمَ الله بها علينا، تحثنا لنُحبَ الآخرين بمحبة المسيح، لا المحبة "المزاجية" التي تعودّنا عليها، أو "الإنتفاعية" التي نعيشها مراراً حتّى مع القريبين منّا. بولس يؤكد على الحقيقة التي تجعلنا مسيحيين بحق قائلاً: "فتشبهوا بالله كالآبناء الأحباء، وآسلكوا في المحبة كما أحبنا المسيح وبذَل نفسه لأجلنا قُرباناً وذبيحةً للهِ عَرفاً طيباً".

هذه المحبة تدعونا لوجود ينطلق من إنسانيتنا ليرتبط بالله، فيقول بولس: "تشبهوا بالله". هذا هو معنى حياتنا الإنسانية، فهي ليست صًدفة ولن تكون عابرة، بل وُجدَت لتكون في الله. فالله خلقنا ونفخَ فينا نسمة َالحياة، من أجل أن ننفخ في العالم من حولنا نفحة الله التي فينا: " وجبل الرب الإله الإنسان ترابا من الأرض ونفخ في أنفه نسمة حياة، فصار الإنسان نفسا حية" (تك 2: 7). عالمنا يعوزه هذه النفحة ليكون عالماً إنسانيناً.

اليوم نبدأ مسيرة الصوم، والمجرب يُلاحقنا ليجذنا إليه بعيداً عن الله، ويُطلب منّا أن نتشبهَ به، لاسيما تجربة الشهرة: أنا مشهور إذن أنا مشهور. الشهرة التي تأخذ أشكالاً عديدة: التعطّش للسلطة وسطوتها، جشع التملك وحُب المال، إشباع الغزائز ... وهي كلّها بعيدة عن الله الذي بشرنا به ربّنا يسوع المسيح. اليوم، تدعونا أمنا الكنيسة لنتوقّف للصيام، وإزالة، بنعمة الله، كل العراقيل التي تحول دون لقاءٍ حقيقي مع الله. هذا اللقاء الذي يجعلني إنساناً بحق. فنحن لسنا مدعوون لتجنّب الخطيئة فحسب، بل للتسامي والتشبه بالله المحبة، وهذا هو معنى حياتنا الإنسانية، أن نكون صالحينَ كما أن الله صالحٌ.

فلنُصل لنعمة التوبة والتغيير الجذري الذي ينتظره منّا ربّنا يسوع. 

 

 33 18 Domenica B sint

قراءة 9173 مرات آخر تعديل على %AM, %29 %002 %2016 %02:%كانون2

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *