المواعظ
%AM, %05 %923 %2016 %00:%كانون2

موعظة البابا بندكتس السادس عشر (عيد عماد الرب في 8 كانون 1 2006)

كتبه
قيم الموضوع
(1 تصويت)

البابا بندكتس السادس عشر

القداس في كابيلا سكستينة

الاحتفال بسرّ العماد

موعظة البابا بندكتس 16

(عيد عماد الرب في 8  كانون 1 2006)

الأقارب الأحباء

الأشابين والإشبينات

(العرّابين والعرّابات)

الاخوة والأخوات

 

ماذا يجري في العماد؟ وماذا يُنتظر من العماد؟ لقد أعطيتم جواباً عند مدخل هذا المصلى (كابيلا): ننتظر لأطفالنا الحياة الأبدية . هذه هي غاية العماد. ولكن كيف يمكن أن تتحقق؟ وكيف يسع العماد أن يعطي الحياة الأبدية؟ وما الحياة الأبدية؟

ويسعنا أن نقول بكلمات أكثر بساطة: ننتظر لأطفالنا حياة صالحة، الحياة الحقيقية، والسعادة حتى في مستقبل ما يزال مجهولاً. لسنا قادرين أن نضمن هذه الهبة طوال الزمان الذي يستمر هذا المستقبل المجهول، وبالنتيجة نلتفت إلى الرب لكي ننال منه هذه الهبة.

 

وعلى السؤال: كيف سيحدث ذلك؟ يمكننا أن نقدِّم جوابين:

الأول: في العماد، كل طفل يُدخل في صحبة من أصدقاء لن تتخلَّى عنه قط في الحياة ولا في الموت، لأن هذه الصحبة من الأصدقاء هي عائلة الله، تحمل فيها وعد الحياة الأبدية. وهذه صحبة الأصدقاء، وهذه عائلة الله، التي فيها الطفل الآن، سترافقه دوماً حتى في أيام الآلام، وفي الليالي المظلمة من الحياة، وستوليه التعزية والقوة والنور. وهذه الصحبة، وهذه العائلة ستعطيه كلمة الحياة الأبدية. إنها كلمات النور التي تجيب على تحدِّي الحياة الكبير وتعطي الإشارة الصحيحة للطريق التي يجب السير فيها. وهذه الصحبة تقدّم للطفل التعزية والقوة ومحبة الله، حتى عند عتبة الموت، وفي وادي الموت المظلم. ستعطيه الصداقة والحياة. وهذه الصحبة هي موضع ثقة لن تختفي أبداً. لا يعلم أحد منا ماذا سيجري على كوكبنا، في أوربا (وفي العالم كله) بعد خمسين أو ستين أو سبعين سنة قادمة. إلا اننا متأكدون من شيء: ستكون عائلة الله حاضرة دوماً، ومن يعود إلى هذه العائلة لن يكون وحده أبداً، ستكون له دوماً الصداقة الأكيدة لذاك الذي هو الحياة.

 

الثاني: ان عائلة الله هذه وهذه صحبة الأصدقاء أبدية، لأنها شركة مع ذاك الذي غلب الموت والذي له بين يديه مفاتيح الحياة. فإن يكون المرء في صحبة الله وعائلته يعني أن يكون في شركة مع المسيح الذي هو حياة ويمنح المحبة الأبدية ما وراء الموت. وإذا نستطيع أن نقول أن المحبة والحقيقة هما مصدرا الحياة، بل إنهما الحياة –وحياة بلا محبة ليست بحياة- نقدر أن نقول ان هذه الصحبة مع ذاك الذي هو الحياة حقاً، مع ذاك الذي هو سر الحياة. سيكون هذا جواباَ على انتظاركم وعلى رجائكم.

أجل، إن العماد يُدخل الإنسان إلى شركة مع المسيح، وهكذا فهو يعطي الحياة. وهكذا أوَّلنا الحوار الأول الذي صار لنا ههنا، على عتبة كابيلا سكستينة. والآن، بعد بركة الماء، سيأتي حوار آخر على أهمية كبيرة. ومضمونه هو هذا: العماد –كما رأينا- هبة، إنه هبة الحياة. إلا انه يجب ان يتلقاها المرء وأن يحياها.. فهبة صداقة يقتضي "نعم" للصديق ويقتضي "لا" لكل ما ليس ملائماً مع هذه الصداقة ولا ملائماً مع حياة عائلة الله أو مع الحياة في المسيح. وهكذا، في هذا الحوار الثاني يُقال ثلاث مرات "لا" وثلاث مرات "نعم" يُقال "لا" ويتخلَّى المرء بذلك عن التجارب والخطيئة والشيطان. ونعرف هذه الأمور معرفة جيدة، وقد نكون سمعناها مرات كثيرة، ولهذا باتت هذه الكلمات دون تأثير. فعلينا إذا أن نعمّق قليلاً محتويات هذه "لا". فلماذا نقول "لا"؟ وهكذا يمكننا أن نفهم لماذا نريد أن نقول "نعم".

 

في الكنيسة القديمة، كانت هذه المرات من "لا" توجَز بكلمة كانت مفهومة لأناس من ذلك الزمان. كانوا يتخلون، حسب قولهم، عن "أباطيل الشيطان" وهذا يعني عن الوعد بحياة باذخة، أي الحياة التي كانت تبدو وكأنها آتية من العالم الوثني والحريات الكاذبة فيه وطريقة العيش حسب ملذات الدنيا. فكانت إذاً "لا" لثقافة فيها تكون الحياة في رخاءٍ وغزارة. إلا أنها كانت "ثقافة معاكسة" تؤدي إلى الموت.

كانت "لا" لهذه المشاهد حيث الموت والقساوة والعنف قد أصبح نوعاً من التلهية. لنفكر في ما كان يُنظم في "الكوليزيوم"، أو هنا، في حدائق نيرون حيث كان الناس يُحرقون مثل مشاعل حية. كانت القساوة والعنف من الأمور المسلية ونوعاً من انحراف الفرح وعن معنى الحياة الحقيقي. إن "أباطيل الشيطان" هذه، وهذه ثقافة الموت كانت انحرافاً للفرح ومحبة الكذب والخداع فيها أصبح الجسد بضاعة مبتذلة وموضوع تجارة.

وإذا نفكر الآن، نستطيع أن نقول، إن في عصرنا أيضاً من الضروري ان نقول "لا" لثقافة الموت السائدة في زماننا. انها ثقافة زائفة تظهر، مثلا، في المخدرات، وفي التهرب من الواقع والسعي وراء الأوهام ووراء سعادة كاذبة تعبّر عن ذاتها بالكذب والخداع والظلم واحتقار الآخر والتغافل عن التضامن وعن المسؤولية تجاه الفقراء والمتألمين، أو تجد لها تعبيراً في الأمور الجنسية التي أضحت مجرد تلهية دون مسؤولية، وفيها يُعتبر الإنسان مجرد "شيء" وليش شخصاً جديراً بالحب الشخصي الذي يقتضي الأمانة، بل لقد أصبح مثل بضاعة ومجرد غرض. فلهذا الوعد بسعادة ظاهرية، ولهذه أباطيل الشيطان لحياة زاهية ظاهرياً ولكنها تؤدي إلى الموت. فنقول "لا" لهذه الثقافة الزائفة ونتبنَّى ثقافة الحياة. لذا فإن "نعم" المسيحي، من عصور القيامة وحتى اليوم هي "نعم" كبيرة للحياة. انها "نعم" للمسيح، "نعم" للمنتصر على الموت، "نعم" للحياة في الزمان وفي الأبدية.

وكما في حوار العماد هذا، تُقال "لا" لثلاثة تخليات، كذلك تُقال "نعم" حول ثلاثة انضمامات: "نعم" للإله الحي، أعني للإله الخالق ولعقل خلاق يُعطي معنى للكون والحياة. و "نعم" للمسيح أعني الإله الذي لم يبقَ مختفياً، بل له اسم، وله أقوال، وهو من جسد ودم، الإله واقعي يمنحنا الحياة ويرينا طريق الحياة، و "نعم" لشركة الكنيسة التي فيها المسيح هو الإله الحي، يدخل في زماننا وفي مهنتنا، وفي حياة كل يوم.

ويسعنا أيضاً أن نقول ان وجه الله، ومحتوى ثقافة الحياة هذه، ومحتوى "نعم" الكبيرة التي نقولها، يأتي التعبير عنها في الوصايا العشر، التي ليست مجموعة من النواهي "لا" بل يمثِّل حقاً رؤية كبيرة للحياة. انها "نعم" للإله الذي يعطي معنى لوجودنا (الوصايا الثلاث الأولى) و "نعم" للعائلة (الوصية الرابعة) و "نعم" للحياة (الوصية الخامسة) و "نعم" للحب المسؤول" (الوصية السادسة) و "نعم" للتضامن، والمسؤولية الاجتماعية، وللعدالة (الوصية السابعة) و "نعم" للحقيقة (الوصية الثامنة) و "نعم" لاحترام الآخر وما يعود إليه (الوصيتان التاسعة والعاشرة). هذه هي فلسفة الحياة، وثقافة الحياة، التي تصبح واقعية وعملية وجميلة مع المسيح، الإله الحي، الذي يسير معنا في صحبة أصدقائه، في عائلة الكنيسة الكبيرة. فالعماد هبة الحياة. انه "نعم" لتحدِّي الحياة، إذ نقول "لا" لتعلّق الموت الذي يقدِّم ذاته تحت قناع الحياة. انه "نعم" للهبة الكبيرة للحياة الحقة التي هي حاضرة في وجه المسيح الذي يعطي لنا ذاته في العماد، ثم في الإفخارستيا.

قلت هذا بمثابة شرح وجيز للكلمات التي، في حوار العماد، تؤَوّل ما يتحقق في هذا السر. وما وراء الكلمات، لدينا الحركات والرموز، ولكني ساكون وجيزاً جداً في تقديمي. لقد قمنا بالحركة الأولى: انها علامة الصليب التي تُعطى لنا مثل ترس يحفظ الطفلَ في حياته. وهو نوع من "الدليل" لطريق الحياة، لأن الصليب موجز حياة يسوع: ثم هناك العناصر: الماء والمسحة بالزيت، والثوب الأبيض ونور الشمعة. فالماء رمز الحياة. فإن العماد حياة جديدة في المسيح، والزيت رمز القوة والصحة والجمال، لأنه لشيء جميل حقاًالعيش في شركة مع المسيح. ثم الثوب الأبيض كتعبير عن ثقافة الجمال وثقافة الحياة. وأخيراً يأتي لهيب الشمعة أو نورها مثل تعبير عن الحقيقة التي تشعّ في ظلمات التاريخ وتؤشر لنا وتقول من نحن، ومن أين نأتي، وإلى أين يجب أن نذهب.

أيها العرّابون (الأشابين) والعرّابات (الاشبينات) الأحباء، والأقارب والاخوة الأحباء، لنشكر الرب هذا اليوم، لأن الله لا يختفي وراء سحب سرّ لا يُسبر، بل، كما قال انجيل اليوم، فتح السماوات، وظهر، وتكلَّم معنا وهو معنا. إنه يحيا معنا ويقودنا في حياتنا. لنشكر الرب على هذه الهبة، ولنُصلِّ لأجل أطفالنا لتكون لهم الحياة الحقة، الحياة الأبدية.

 
 
ترجمة عن النص الأب ألبير ابونا
تنضيد الشماس مارتن متّي

 

pope baptism

 

 
قراءة 9427 مرات آخر تعديل على %AM, %05 %341 %2016 %10:%كانون2

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *