المواعظ
%AM, %26 %936 %2015 %00:%كانون1

عظة عيد الميلاد 2015

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

المطران ميشال قصارجي

 

رسالة سيادة المطران ميشال قصارجي السامي الوقار

رئيس الطائفة الكلدانية في لبنان

بمناسبة عيد الميلاد المجيد للعام 2015

"إنَّ الى الأبد رحمته!"

     (المزمور 135/6)

حضرة الآباء الأجلاّء

حضرة الشمامسة الأفاضل والراهبات المحترمات

رؤساء وأعضاء المجالس والحركات والجمعيّات الفاعلة في أبرشيتنا المباركة

أيُّها الإخوة والأخوات الأحباء

يتزامنُ حلولُ عيدِ الميلادِ المجيد هذا العام، مع افتتاح "سنة الرحمة" التي اطلقها قداسةُ البابا فرنسيس في الثامن من كانون الأوَّل الجاري.

والميلادُ الإلهيّ خيرُ تعبيرٍ عن رحمةِ الآب تجاه بني البشر؛ إذ بعد ان كشف "الغنيُّ بالرحمة"1 ذاته لموسى على أنّهُ "إلهٌ رحيمٌ وحنونٌ، ملؤه المحبّة والحق"2 ، لم يتوانَ عن إظهار طبيعته الإلهيَّة بطُرُقٍ شتّى وفي أوقاتٍ مختلفةٍ. ولمّا حان "ملءُ الزمن"3حينما كان كلُ شيءٍ قد أُعّدَ بحسب تدبيره الخلاصي، على ما يقول الحبرُ الأعظم في رسالته الأخيرة عن الرحمة MisericordiaeVultus ؛ حينئذٍ أرسل ابنَه مولوداً من العذراءِ مريمَ ليُعلِن لنا بأجلى بيانٍ حبّه. من رأى وشاهدَ هذا الابن الوحيدَ، يُضيفُ قداستُه، فقد رأى الآب4. من خلال أقواله وأعماله، من خلال شخصِه برمّته، يكشفُ يسوعُ الناصريُّ رحمةَ الله.

والكنيسةُ أيُّها الإخوة هي جماعةُ المؤمنين؛ هي الإكليروس والمعمَّدون، وهم مدعوون جميعاً لتلقيّ علامات الله أينما كانت وبأيّ شكلٍ ظهرت. هذا أيضاً ما يشيرُ إليه قداستُه في رسالته الخاصة بيوبيل الرحمة قائلاً: "الحقيقةُ الأولى للكنيسة هي محبّة المسيح وهي خادمةُ هذه المحبّة ووسيطتُها، وصولاً الى الغفرانِ وبذل الذات. وبالتالي، حيث تتواجدُ الكنيسةُ، هناك تظهرُ رحمةُ الآب5.

1- (افسس 2/4)     2- (خروج 34/6) -   3- (غلاطية 4/4)  - 4 - (يوحنا 14/9)  - 5-  (MisericordiaeVultus/12)

أيُّها الإخوة والأخوات،

لمّا كانت الكنيسةُ هي الفردوسَ الأرضيَّ وعلامةَحضورِ الله بين البشر في مسيرتهم نحو الملكوت، فإنَّ العلامةَ الحسيّة لافتتاح "سنة الرحمة"، هي فتحُ "الباب المقدس" للكاتدرائية، أي الكنيسة الأمّ، كإشارةٍ واضحةٍ الى دور البيعة في توزيع رحمةِ الله ومحبّته وغفرانِهِ في عالمٍيطغى عليه سلطانُ الحرب والأنانيّة ويسوسُهُ شيطانُ الحقد والكراهية والانتقام والتفرقة!

فتحُ الباب المقدّس هو طقسٌ خاصٌ بأحداثٍ روحيّةٍ هامّةٍ تريدُ الكنيسة تسليطَ الضوء عليها في فترة زمنيّةٍ. ففي خلال هذه المدّة الفاصلةِ بين الثامن من كانون الأول 2015 والعشرين من تشرين الثاني من العام 2016، تريدُنا الكنيسةُ أن نتأمّل من جديدٍ وبشكلٍ جدّي في أهميّة سرّ التوبة والمصالحة لنجني من ممارسته الثمار الروحية الوافرة. تريدُنا الكنيسةُ أيضاً أن نتأمّل من جديدٍ في معنى أعمالِ 

الرحمة الجسديّة والروحيّة، عسانا نضعُها حيّز التنفيذ، لمواجهةِ ثقافة الأنانية  واللامبالاة التي تُغرِق عالمنا.

أمّا أعمالُ الرحمةِ الروحيةُ فهي نُصح الخطأة وتعزيةُ الحزانى ومغفرة الإساءة واحتمالُ الآخرين والصلاةُ للأحياء والأموات، في حين أنَّ أعمالَ الرحمةِ الجسديّةِ هي اطعامُ الجياع وإرواءُ العطاش وكسوُ العراةِ وايواء الغرباء وعيادةُ المرضى وزيارةُ السُجناء ودفنُ الموتى.

أيُّها الأحباء،

إنَّ الموضوعَ الذي يطرحُ نفسهُ حينما نتحدَّثُ عن الرحمة، إنّما هو مفهومُ العدالة. الرحمةُ تتخطّى العدالة على ما يقوله النبيُّ عاموص في العهد القديم. لئن أردنا أن نمارس الرحمة كما يمارسُها الآبُ وبحسبِ ذهنيّة الإنجيل، وجب علينا ألاّ نكتفي بالعدالة المتعارَف عليها بل أن نتبنّى عدالة الله التي هي رحمةٌ ومغفرةٌ لا ينضُبُ مَعينهما أبداً. محبّتُه تُسامحُ الخاطىء سبعينَ مرَّةً سبعَ مرّاتٍ وتتركُ للمحتاجِ الرداءَ والثوب معاً... عدالةُ اللهِ لا تكتفي بإعطاءِ كُلّ ذي حقٍ حقَّه في مناخٍ قضائيٍ جاف، بل تقبلُ الزانيةَ والعشّار والابن العاق... تُعطي بلا حسابٍ إنَّها "تفضّل الأمانة على تقديم الذبيحة"1... "فالسيّد سخيٌّ يقبلُ الأخير كالأوَّل، يُريحُ عامل الحادية عشرة كعامل الأولى... يُعطي لذاك ويُنعم على هذا... يقبلُ الأعمالَ ويرتاحُ الى النيّة، يقدّر العملَ ويمتدحُ العزم...!"2.

1- (عاموص 6/6)  - 2  (القديس يوحنا الذهبي الفم / عظةٌ في الفصح) 

أيُّها المباركون،

إنَّ ما يحدثُ اليوم في العراقِ وسوريا وفلسطينَ ولبنان، وما يشهدُه العالمُ كلُّه من انتشارٍ للعنفِ واتّساعٍ لرقعةِ الشلل الإقتصادي وما يستتبعُ ذلك من ازديادٍ لأعدادِ المهجّرين وارتفاعٍ ملحوظٍ في نسبة الفقراء... يشكّل أرضيةً خصبةً جداً لممارسة شتىّ أعمال الرحمة الروحيّة والجسديّة التي ذكرناها. واليوم ننظر بألم وحسرةالى ما آلت عليه أوضاع المسيحيين في العراق وسوريا من تهجير قسري، وفي لبنان نعيش فراغ سدّة الرئاسة لأكثر من سنة ونصف وما يخلفه ذلك من قلق وحيرة وفقدان الثقة.

لذلك فإننا نرفع الصوت عالياً ونطلب من كل مؤسسات الدولة اللبنانية خاصة المجلس النيابي أن يعمدَ فوراً الى أخذ مبادرة تاريخية ويقرّ قانوناً انتخابياً ينصف كل الطوائف ويعطي كل طائفة حقها في التمثيل النيابي.

فاذا كان لبنان يتألف من 18 طائفة، فأين هم الكلدان والسريان والاشوريون وغيرهُم؟ أين تمثيلهم النيابي؟ فالعدالة هي أن يكون لكل طائفة تنتمي الى ما يُعرف بالأقلّيات نائب يمثلها وإلاّما نفع قوانينَتستثني وتبعد وتهمش فئات في هذا البلد؟ انصفوا شعوبكم حتى ينصفكم التاريخ. ولن نقبل أن يفاوض باسمنا كائن من كان، الا يكفي تهميشُ المسيحيين في العراق وغيرِه من البلدان؟

هذا الواقع الأليم الذي يتخبّط فيه شعبُنا قد انعكس بشكلٍ ملحوظٍ على أبرشية بيروت الكلدانية التي تستقبلُ اليوم أكثر من ثلاثة آلافٍ وخمسمئة عائلةٍ عراقيةٍ مهجّرةٍ، ناهيك عن السوريين واللبنانيين الذين يقرعون جميعُهم أبواب مركز سيدة الرحمة الإلهيّة الذي افتتحته كنيستُنا بمناسبة "سنة الرحمة" وأبواب مركز "سان ميشال" الصحي الإجتماعي ورعايا مار الياس- الدكوانة ، ومار يوسف الروضة، وسيدة النجاة  رأس الدكوانة، ومركز سعادة السما ومبنى المطرانية في بعبدا... بهدف طلب المساعدات الغذائية والماديّة والصحيّة بالاضافة الى الخدمات الروحيّة والمتابعة الإنسانية!

إننا ندعو الجميع الى المثابرة على المشاركة في الصلوات وعيش الأسرار في رعيّتهم هذه، التي تفتقرُ الى وجودهم، وترغبُ أن تلتقي وإياهم في سنة الرحمة. كنيستكُم هي الفندقُ المشارُ إليه في إنجيل السامريّ الرحيم، تفتحُ قلبها لاستقبالكم وإن تركتم لها الدنيارَين، فلسدّ حاجة ذوي الفاقة وبُنيانِ هيكل الله!

أحبّائي،

دعاؤنا أن يتحقّق في الجميع، بشفاعةِ العذراء مريمَ سيّدة الرحمة الإلهية والملاك روفائيل، قولُ الرب بلسان حزقيال النبيّ: "اجعل في احشائكم روحاً جديداً وانزعُ من لحمكم قلب الحجر وأعطيكم قلباً من لحمٍ وأجعلُ روحي في أحشائكم!1

ألا أعاد الله  على أبناء الكنيسة الكلدانية في العالم، وعلى أبنائنا واخوتنا في العراق وسوريا وفلسطين ولبنان، هذه المواسم الخلاصيّة بالخير واليُمن واستبداد السلام ووفرة البركات السماوية!

نشكرُ وسائل الإعلام ومجالس كنيستنا الكلدانية وحركاتها المختلفة وجوقة الكاتدرائية وجميع الذين يتعاونون معنا في نقل بُشرى الخلاص السّارة الى عالمنا الحزين، ولا سيّمااخوتنا الكهنة والشمامسة والراهبات. عليكم جميعاً وعلى عائلاتكم وذويكم والمختصّين بكم من قريبٍ أو من بعيدٍ نستمطرُ بركات الثالوث القدوس الآب والابن والروح القدس، له المجدُ الى الأبد. آمين.

وكل عامٍ وأنتم بخير

قراءة 18730 مرات آخر تعديل على %PM, %26 %443 %2015 %12:%كانون1

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *