المواعظ
%AM, %24 %004 %2015 %02:%كانون1

عظة الأب الأقدس بندكتس السادس عشر عشيّة عيد الميلاد المجيد 2012

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

البابا بندكتس السادس عشر

"ها أنا آتي إليك كطفل صغير لكي تستطيع أن تقبلني وتحبني"

 

أيها الإخوة والأخوات الأعزاء،

يلمس جمال هذا الإنجيل مرارا وتكرارًا قلبنا- هذا الجمال هو بهاء الحقيقة. حقيقة أن الله جعل نفسه طفلا صغيرا، لكي نستطيع أن نحبه، وكطفل صغير يلقي نفسه بثقة بين أيدينا، ويلمسنا من جديد. فكأنه يقول: أنا أعرف أن بهائي يخيفك، وأنك تبحث عن إثبات نفسك أمام عظمتي. ها أنا آتي إليك كطفل صغير لكي تستطيع أن تقبلني وتحبني.

 

تؤثر بي دائما كلمات الإنجيلي التي تقول بأنه لم يكن لهما موضع في المضافة. فيطرح السؤال نفسه، ما كانت الأمور لتؤول إليه لو أن مريم ويوسف طرقا بابي: هل سيكون هناك مكان لهما؟ ومن ثم، نتذكر بأن يوحنا الإنجيلي قد شرح هذه الفكرة عن عدم وجود موضع لهما في المضافة فقال: "الى خاصته جاء وخاصته لم تقبله" (يوحنا 1، 11). وهكذا، تصبح المسألة الأخلاقية التي تختص بوضع الأشخاص المشردين، والمهاجرين أساسية أكثر: هل لدينا حقًّا مكان لله عندما يسعى للدخول عندنا؟ هل لدينا الوقت والمكان له؟ ألا يمكن أن يكون الله من نرفض استقباله؟ هذا يبدأ من حقيقة أنه ليس لدينا الوقت له. كلما أمكننا أن نتحرك بسرعة، كلما أصبحت الطرق التي تساعدنا على توفير الوقت فعالة أكثر وقلّت أيضًا أوقات فراغنا.

 

وما مكان الله؟ المسألة المتعلقة به لا تبان أبدًا طارئة. فنحن لا نملك وقت فراغ له. ولكن الأشياء تأخذ منحى عميقًا أكثر. هل يملك الله فعلا مكانا في تفكيرنا؟ أساليب تفكيرنا منظمة بطريقة أنه في العمق لا يجب عليه أن يتواجد. على الرغم من أن الله يظهر وكأنه يطرق على باب تفكيرنا، فلا بد أن تبعده عنه بعض الأفكار. لكي يعتبر التفكير منطقي عليه أن يكون مبنيا على إلغاء "فرضية الله." لا يوجد مكان له. حتى في أحاسيسنا وإرادتنا لا مكان له. نحن نريد أنفسنا. نحن نريد الأشياء الملموسة، والسعادة المعاشة، ونجاح مشاريعنا الشخصية ونوايانا. نحن "ممتلئين" كليًّا من أنفسنا، لدرجة أنه لا يبقى مكان لله.ولذلك لا يبقى مكان للآخرين، وللأطفال، وللفقراء، وللغرباء. انطلاقا من واقع عدم وجود موضع لهما في المضافة يمكننا أن نعي ضرورة دعوة القديس بولس لنا: "تبدلوا بتجدد عقولكم" (رومة 12، 2). يتحدث بولس الرسول عن التجديد وعن انفتاح تفكيرنا؛ يتكلم بشكل عام عن الطريقة التي نرى بها العالم وأنفسنا. إن الارتداد الذي نحن بحاجة اليه، يجب أن يطال حقا أعماق علاقتنا مع الواقع. فلنصل الى الرب لكيما نصبح مدركين لوجوده، ولنسمع كيف يطرق سرًّا ولكن بإصرار على باب شخصنا وإرادتنا. فلنصل له لكي يخلق في أنفسنا مكانا له، ولكي نستطيع أن نتعرف اليه في أولئك الذين يظهر وجهه لنا من خلالهم: في الأطفال، والأشخاص الذين يعانون، والأشخاص المهجورين، والمهمشين، وفي فقراء هذا العالم.

 

أود أن اتأمل معكم حول عبارة ثانية من نص الميلاد: نشيد التسبيح الذي أنشده الملائكة بعد ولادة المخلص: "المجد لله في العلى والسلام في الأرض للناس أهل رضاه". إن الله ممجد، الله نور نقي، روعة الحقيقة والمحبة. هو طيب، هو الخير الحقيقي، الخير بامتياز. نقلت الملائكة التي تحيط به ببساطة أولا فرح معاينة مجد الله. نشيدهم إشعاع للفرح الذي ملأهم. يمكننا أن نسمع في كلماتهم، إن جاز التعبير، شيء من نغمات السماء. هنا لا يوجد أي سؤال ضمني حول الهدف، توجد ببساطة السعادة التي غمرتهم إذ عاينوا بهاء حقيقة الله النقي ومحبته. نحن نود أن يلمسنا هذا الفرح: الحقيقة موجودة. الخير النقي موجود. النور النقي موجود. الله طيب وهو القدرة العليا، فوق كل القدرات. يجب على هذا أن يكون سبب فرحنا هذه الليلة، مع الملائكة والرعاة.

 

يرتبط السلام على الأرض بين البشر بمجد الله في أعالي السماوات. حيث لا نمجد الله، وحيث يكون الله منسيًّا أو منفيًّا، لا يوجد سلام. مع ذلك، اليوم، تدعم عدة تيارات سائدة العكس: الأديان، بخاص الديانة التوحيدية، ستكون سبب العنف والحروب في العالم؛ ينبغي أولا تحرير البشرية من الأديان، لكيما يولد السلام؛ ستكون الديانة التوحيدية، الإيمان بالإله الواحد ظلمًا، وسببا للتعصب، لأنها بحسب طبيعتها ستفرض على الجميع تحت غطاء الحقيقة الواحدة. صحيح أنه في التاريخ، كانت الديانة التوحيدية بمثابة ذريعة لعدم التسامح والعنف. صحيح أنه يمكن لديانة أن تمرض وبالتالي تصل الى معارضة طبيعتها الأعمق، عندما يظن الإنسان أنه يجب عليه أن يأخذ على عاتقه هدف الله، جاعلا الله كجزء من أملاكه الخاصة. علينا أن نكون يقظين إزاء هذه التشويهات التي تمس بالمقدس. إذا برز في التاريخ سوء استخدام للدين لا يمكن إنكاره، فمن غير الصحيح أن رفضنا لله يُحل السلام. إذا انطفأ نور الله، تنطفئ معه كرامة الإنسان الإلهية، فلا يعود إذا على صورة الله التي يجب أن نكرمها في كل شخص، في الضعيف، في الغريب، وفي الفقير. إذا نحن لم نعد إخوة وأخوات، أولاد الآب الأوحد، متصلين بعلاقة متبادلة من خلاله. ما أنواع العنف التي تظهر إذا، وكيف تسحق الإنسان أخيه الإنسان، لقد رأينا ذلك بكل قسوته خلال القرن الماضي. فقط إن لمع نور الله على الإنسان وفيه، وإن فقط أراد الله كل إنسان وأحبه، حينها فقط، مهما كانت حالة بؤسه، تكون كرامته مصانة. في ليلة الميلاد جعل الله نفسه إنسانا، كما أعلن النبي أشعيا: الطفل المولود هنا هو "عمانوئيل"، الله معنا (راجع أشعيا 7، 14). وخلال هذه القرون كلها، لم يساء استخدام الدين فحسب، بل لطالما أتت قوى مصالحة وخيرة من جديد من الإيمان بالله الذي جعل نفسه إنسانا. في ظلمات الخطيئة والعنف، أدخل هذا الإيمان شعاعا منيرا من السلام والخير لا يزال يلمع.

 

وهكذا، المسيح هو سلامنا، وقد أعلن السلام للبعيدين وللقريبين (أفسس 2، 14. 17). فكيف لا نصلي له في هذا الوقت: نعم يا رب، أعلن لنا أيضًا السلام الآن، للقريبين وللبعيدين. حوّل اليوم أيضًا السيوف الى سكك (أشعيا 2، 4)، ولتحل المساعدات للمحتاجين بدل أسلحة الحرب. أنر الأشخاص الذين يمارسون العنف باسمك، لكي يفهموا عبثية العنف ويتعرفوا الى وجهك الحقيقي. ساعدنا لكي نصبح بشرًا "من أهل رضاك" بشرا على صورتك، وبالتالي أهل سلام.


ما إن انصرف الملائكة حتى قال الرعاة في ما بينهم: فلنذهب الى بيت لحم ولنر هذه الكلمة التي تجسدت لأجلنا (راجع لوقا 2، 59). يروي الإنجيلي أن الرعاة ذهبوا بعجلة الى بيت لحم (2، 16). كان يدفعهم فضول مقدس ليذهبوا ويروا هذا الطفل الصغير في مذود، الذي قال عنه الملاك بأنه المخلص، المسيح، الرب. والفرح الكبير الذي تحدث عنه الملاك لمس قلوبهم، وأعطاهم أجنحة.

تقول لنا ليتورجية الكنيسة اليوم، فلنذهب الى بيت لحم. تترجم باللاتينية Transeamus أي "العبور"، إذهبوا الى هناك، تحلوا بجرأة الخطوة للعبور، هذه الخطوة التي من خلالها نخرج من عادات تفكيرنا وحياتنا، ونتخطى العالم المادي لنصل الى الأساس، بعده، نحو الله، الذي من ناحيته أتى الى هنا، نحونا. نود أن نصلي للرب، لكي يعطينا القدرة لنتخطى حدودنا، وعالمنا؛ ليساعدنا كي نلتقي به، بخاصة عندما يضع نفسه في سر الإفخارستيا بين أيدينا وفي قلبنا.

 

فلنذهب الى بيت لحم: هذه الكلمات متحدين مع الرعاة نقولها بعضنا لبعض، لا يجب علينا أن نفكر بالعبور الكبير نحو الله الحي، بل أيضًا بمدينة بيت لحم الملموسة، بجميع الأماكن التي عاش بها الرب، وعمل وتألم. فلنصل في هذا الوقت للأشخاص الذيين يحيون اليوم ويتألمون. فلنصل من أجل إحلال السلام فلنصل لكي يستطيع الإسرائيليون والفلسطينيون أن يعيشوا حياتهم في ظل سلام الله الأوحد والحرية. كما فلنصل أيضًا للبلدان المجاورة، للبنان، وسوريا، والعراق، والبلدان الأخرى: لكي يحل السلام. لكي يستطيع مسيحيو هذه البلاد التي تأسس فيها إيماننا أن يستمروا بالعيش؛ فليبن المسيحيون والمسلمون معا بلادهم في سلام الله.

 

ذهب الرعاة على عجل. فضول، وفرح مقدسان دفعا بهما لذلك. نحن نادرا جدا ما نسارع الى أشياء تتعلق بالله. اليوم لا يشكل الله جزءًا من الوقائع الطارئة، فنحن نظن أن الأشياء المتعلقة بالله يمكنها الانتظار. ومع ذلك، هو الحقيقة الأسمى، هو الأوحد الذي يحمل الأهمية الكبرى. لماذا لا يدفعنا الفضول لنذهب نحن أيضًا ونرى ونتعرف الى ما يريد الله أن يقوله لنا؟ فلنصل له لكي يلمسنا فضول الرعاة وفرحهم المقدس في هذا الوقت، ولنذهب بفرح الى بيت لحم نحو الرب، الذي أتى اليوم أيضًا إلينا. آمين.

 

الفاتيكان, (ZENIT.org)

قراءة 14889 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *