المواعظ
%AM, %24 %963 %2015 %01:%كانون1

عظة الأب الأقدس بندكتس السادس عشر عشيّة عيد الميلاد المجيد 2010

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

البابا بندكتس السادس عشر

 

أيها الإخوة والأخوات الأعزاء،

"أنت ابني، أنا اليوم ولدتك"، بكلمات المزمور الثاني هذه، تبدأ الكنيسة ليتورجية عشية الميلاد. وهي تعرف أن هذه الكلمة كانت تنطبق أصلاً على طقس تتويج ملك إسرائيل. الملك، الذي هو بحد ذاته كائنٌ بشري نظير كل البشر الآخرين، يضحي "ابن الله" من خلال الدعوة و التربع على عرش ملوكيته: إنه نوع من تبنٍ من قِبل الله، فعل قرار، يمنح الله من خلاله لذلك الرجل وجودًا جديدًا، ويجذبه نحو كيانه الذاتي.

 

تقدم العمليةَ نفسها بشكل أوضح قراءةُ النبي آشعيا التي سمعناها لتونا، فتتحدث في حالة اضطراب وتهديد وتقول: "ولد لنا ولدٌ، أعطي لنا ابن. فصارت الرئاسة على كتفه" (9: 5)التربع على عرش الملوكية هو مثل ولادة جديدة. وتمامًا مثل الولادة الجديدة من قرار الله، ومثل ولد آتٍ من الله، يضحي الملك منبع رجاء. على كتفيه يقوم المستقبل. وهو حامل وعد السلام. في ليلة بيت لحم، هذه الكلمة النبوية تضحي واقعًا بشكل لم يكن ممكن تخيله في زمن آشعيا. نعم، الآن هو حقًا طفل ذاك الذي يحمل على كتفيه السلطان. وفيه تظهر الملوكية الجديدة التي يقيمها الله في العالم. هذا الطفل هو حقًا مولود من الله. هو كلمة الله الأزلي، الذي يجمع البشرية بالألوهية. تنطبق على هذا الطفل ألقاب الكرامة التي يتلوها أشعيا: مشيرًا، عظيمًا، إلهًا جبارًا، أبا الأزل، رئيس السلام (9، 5). نعم، هذا الإله لا يحتاج إلى المستشارين المنتمين إلى حكماء هذا العالم. فهو يحمل في ذاته حكمة ومشورة الله. في ضعف كيانه كطفل هو الله الجبار، ويبين لنا هكذا قوة الله الخاصة أمام سلاطين العالم المتعجرفة.

 

كلمات طقس التتويج في إسرائيل، في الحقيقة، كانت دومًا وفقط طقوس رجاء، وكانت تتطلع من بعيد إلى مستقبل سيهبه الله. ما من ملك تمت تحيته بهذا الشكل كان مطابقًا لسمو هذه الكلمات. كانت كل الكلمات بشأن البنوة الإلهية، التربع على عرش إرث الأمم، والسلطان إلى أقاصي الأرض (مز 2، 8) كانت كلها إشارة فقط إلى مستقبل، وكأنها إشارات طريق الرجاء، إشارات تقود إلى مستقبل لم يكن ممكنًا تصوره حينها. وهكذا، فاكتمال الكلمة التي تبدأ في عشية بيت لحم هي في الوقت عينه كبيرة جدًا – بنظر العالم – وأكثر تواضعًا مما كانت الكلمة النبوية تعنيه. إنها أكبر، لأن هذا الطفل هو حقًا ابن الله، حقًا "إله من إله، نور من نور، مولود غير مخلق، مساوٍ للآب في الجوهر". لقد تم تجاوز المسافة اللامتناهية بين الله والإنسان. لم ينحن الله نحو الأعماق وحسب، كمنا تقول المزامير؛ إن الله قد "نزل" حقًا، ودخل العالم، وأضحى واحدًا منا لكي يجذبنا جميعًا إلى ذاته.

 

هذا الطفل هو حقًا عمانوئيل – الله معنا. ملكوته يمتد حقًا حتى أقاصي الأرض. في وسع كون الافخارستيا المقدسة، لقد أقام حقًا جزر سلام. فحيث يتم الاحتفال بالافخارستيا هناك جزيرة سلام، ذلك السلام الحق الذي هو خاصية الله. هذا الطفل قد أشعل في البشر نور الصلاح وأعطاهم قوة أن يقاوموا سلطان الظلم. في كل جيل يبني ملكوته من الداخل، انطلاقًا من القلب. ولكن صحيح أيضًا أن "عصا الظالم" لم يُكسر. فاليوم أيضًا يسير الجنود بأسلحتهم ومن جديد ودومًا "الثياب مضمخة بالدماء" (أش 9، 3).

 

وهكذا فقرب الله منا هو جزء من فرح هذه الليلة. نشكر لأن الله، كطفل، وهب ذاته في أيدينا، ويستعطي – إذا جاز التعبير – حبنا، ويفيض سلامه في قلبنا. لكن هذا الفرح هو أيضًا صلاة: يا رب حقق وعدك بالكامل. حطم عصا الظالمين. احرق أحذية الحروب. إنه زمن الثياب المضمخة بالدم. حقق وعدك: "السلام لن ينته أبدًا" (أش 9، 6). نشكرك لأجل صلاحك، ولكننا نتضرع إليك أيضًا: أظهر قوتك. أقم في العالم سلطان حقيقتك، سلطان حبك – "ملكوت العدالة، الحب والسلام".

 

"ولد مريم ابنها البكر" (لو 2، 7). بهذه العبارة، يخبر لوقا، بشكل بشكل خالٍ من الانفعال، الحدث الكبير الذي سبقت فرأته الكلمات النبوية في تاريخ إسرائيل. يصف لوقا الطفل بـ "البكر". في لغة الكتاب المقدس في عهده القديم، البكر لا يعني الأول بين أولاد آخرين. كلمة "بكر" هي تعبير شرفي، بغض النظر عما إذا تبعه إخوة وأخوات آخرون أم لا. وهكذا فكتاب الخروج (خر 4، 22)،يُسمي الله إسرائيل "إبني البكر"، ويعبّر بذلك عن الانتخاب، عن كرامته الخاصة، عن حب الله الآب الخاص. الكنيسة الناشئة كانت تعرف أن هذه الكلمة في يسوع قد تلقت عمقًا جديدًا؛ أن الوعود التي أعطيت لإسرائيل قد تمت فيه. وبهذا الشكل تسمي الرسالة إلى العبرانيين يسوع "البكر" ببساطة لكي تنظر إليه، بعد إعدادات العهد القديم، كابن الله المرسل إلى العالم (راجع عب 1، 5 – 7). البكر ينتمي بشكل خاص إلى الله، ولهذا – وفي ديانات كثيرة – يجب تسليمه بشكل خاص إلى الله لكي يتم افتداؤه من خلال ذبيحة تعويضية، كما يخبرنا لوقا في حدث تقديم يسوع إلى الهيكل. ينتمي البكر إلى الله بشكل خاص، وهو، إذا جاز التعبير، مخصص للذبيحة. في ذبيحة يسوع على الصليب، يتحقق مصير البكر بشكل فريد. ففي ذاته، يقدم يسوع البشرية إلى الله ويوحد الله والإنسان بشكل يضحي فيه الله كلاً في الكل. لقد وسع وعمق القديس بولس في رسالتيه إلى أهل كولوسي وأهل أفسس فكر يسوع كبكر: يسوع، كما تقول لنا الرسالتان، هو بكر الخلائق – المثال الحقيقي للإنسان والذي انطلاقًا منه خلق الله الإنسان. يستطيع الإنسان أن يكون صورة الله، لأن يسوع هو إله وإنسان، صورة الله والإنسان الحقة. يسوع هو بكر الأموات، بحسب هذه الرسائل.

 

في القيامة، اقتحم يسوع جدار الموت لأجلنا جميعًا. فتح للإنسان بعد الحياة الأبدية في الشركة مع الله. وأخيرًا، يقال لنا: هو بكر إخوة كثيرين. نعم، الآن هو الأول بين إخوة كثيرين، أي الأول الذي يفتتح للجميع الشركة مع الله. هو يخلق الأخوة الحقة – لا الأخوة التي عكرتها الخطيئة بين قايين وهابيل، رومولو وريمو، بل الأخوة الجديدة التي نكون نحن فيها عائلة الله بالذات. هذه العائلة الجديدة، عائلة الله، تبدأ في اللحظة التي تلف فيها مريم البكر في اللفائف وتضعه في المذود. فلنصلي له: أيها الرب يسوع، أنت الذي أردت أن تولد كأول بين إخوة كثرين، أعطنا الأخوة الحقة. ساعدنا لكي نضحي شبيهين لك. ساعدنا لكي نرى وجهك في الآخر الذي هو بحاجة إلي، في الذين يتألمون والمهجورون، في جميع البشر، ولكي نعيش سوية معك كإخوة وأخوات لكي نضحي عائلة، عائلتك.

يخبرنا إنجيل الميلاد، في الختام، أن حشدًا من الملائكة من جيش السماء كان يسبح الله ويقول: "المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام والرجاء الصالح لبني البشر" (لو 2، 14). لقد وسعت الكنيسة هذا التمجيد الذي أنشده الملائكة في الليلة اللمقدسة، وجعلت منه نشيدًا لمجد الله. "نشكرك لأجل عظمتك السامية". نشكرك لأجل جمال، عظمة وصلاح الله، الذي أضحى في هذه الليلة مرئيًا. ظهور الجمال يجعلنا حبورين دون أن نهتم بنفعيته. مجد الله، التي منها يأتي كل جمال، تفجر فينا الدهشة والفرح. من يرى الله يشعر بالفرح، وفي هذه الليلة نرى شيئًا من نوره. ولكن رسالة الملائكة في الليلة المقدسة تتحدث أيضًا عن البشر: "السلام للبشر الذين يحبهم الله". الترجمة اللاتينية لهذه الكلمات التي نستعملها في الليتورجية والتي تعود للقديس هيرونيموس: "السلام للبشر ذوي الإرادة الصالحة". وقد دخلت هذه العبارة بشكل خاص في العقود الأخيرة في لغة الكنيسة. ولكن أي ترجمة هي الصحيحة؟ يجب أن نقرأ كلي النصين معًا؛ فبهذا الشكل فقط نفهم كلمة الملائكة بشكل صحيح. من الغلط أن نفسر النص بطريقة تعترف بعمل الله وحده، كما وكأنه لم يدع الإنسان للإجابة بحب حرّ. ولكن من الغلط أيضًا أن نفسر النص بطريقة أخلاقية فقط، يستطيع بواسطتها الإنسان من خلال إرادته الصالحة أن يفدي نفسه. الأمران يسيران سوية: النعمة والحرية؛ حب الله، الذي يأتي إلينا والذي من دونه لا نستطيع أن نحبه، وجوابنا، الذي ينتظره الله والذي طلبه منا عندما ولد ابنه. التواصل بين الحرية والنعمة، الارتباط بين الدعوة والجواب هو أمر لا يمكننا أن نفصل فيه الواحدة عن الآخر. كلا الأمران لا ينفصلان. وهكذا هذه الكلمة هي في الوقت عينه وعد ودعوة. الله وافانا بهبة ابنه. ومن جديد يأتي الله إلينا بشكل غير منتظر. هو لا يتوقف عن البحث عنا، ويرفعنا كل مرة نحن بحاجة إليه. لا يتخلى عن خرافه الضالة في الصحراء. الله لا يسمح لخطيئتنا أن تضيّعه. فهو يبدأ معنا دومًا من جديد. وكل مرة ينتظر حبنا. يحبنا لكي نستطيع أن نضحي أشخاصًا يحبون معه، وهكذا يمكن أن يكون هناك سلام على الأرض.

 

لا يقول لوقا أن الملائكة غنوا. فهو يكتب بطريقة يقظة جدًا، فيقول: "جيش السماء كان يسبح الله ويقول: "المجد لله في أعالي السماوات..." (لو 2، 13). ولكن لقد عرف البشر دومًا أن كلام الملائكة هو مختلف عن كلام البشر؛ وأن في هذه الليلة الرسالة الفرحة هي نشيد يشع فيه مجد الله. وهكذا فنشيد الملائكة هو موسيقى تأتي من الله، بل هي دعوة لكي ننضم إلى النشيد، في فرح القلب بأننا محبوبون من الله. يقول القديس أغسطينوس "الإنشاد هو أمر يتعلق بالمحبين" (Cantare amantis est). وهكذا، على مر الأجيال، يضحي نشيد الملائكة من جديد نشيد حب وفرح، نشيد الذين يحبون. في هذه الساعة ننضم بعرفان إلى إنشاد الأجيال هذا، الذي يجمع السماء بالأرض، الملائكة والبشر. نعم، نشكرك يا رب لأجل مجدك العظيم. نشكرك لأجل حبك. أعطنا أن نصبح أشخاصًا يحبون معك وبالتالي رجال سلام. آمين.

)، الفاتيكان ZENIT.org(

قراءة 4126 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *