المواعظ
%AM, %23 %925 %2015 %00:%كانون1

عظة الأب الأقدس بندكتس السادس عشر عشيّة عيد الميلاد المجيد 2009

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

البابا بندكتس السادس عشر

 

"علامة الله هي التواضع. علامة الله هي أنه يضحي صغيرًا؛ يضحي طفلاً"

 

أيها الإخوة والأخوات الأعزاء،

"ولد لنا ولد أعطي لنا ابن" (أش 9، 5). ما يقول أشعيا لإسرائيل، رانيًا من البعيد إلى المستقبل، كتعزية في مآسيه وظلماته، يعلنه الملاك المشع نورًا للرعاة كواقع حاضر: "اليوم، في مدينة داود، ولد لكم مخلص، وهو المسيح الرب" (لو 2، 11). الرب حاضر. من هذه اللحظة، الله هو حقًا "الله معنا". لم يعد الإله البعيد، الذي يمكن حدسه من بعيد بواسطة الضمير والخليقة. لقد دخل عالمنا. إنه قريب. هذا ما قاله المسيح القائم لخاصته، لنا: "ها أنا معكم طول الأيام حتى نهاية العالم" (مت 28، 20). لقد ولد لكم المخلص: ما أعلنه الملاك للرعاة، يذكرنا به الله الآن بواسطة الإنجيل وبواسطة مرسليه. وهذه بشرى لا يمكن أن تتركنا لا مبالين. إذا كانت حقيقة، فكل شيء يتغيّر. إذا كانت حقيقة، فهي تتعلق بي أيضًا. وعليه، مثل الرعاة، يجب أن أقول أنا أيضًا: هلموا، أريد أن أذهب إلى بيت لحم، لأرى الكلمة التي حدثت هناك. لا يخبرنا الإنجيل قصة الرعاة من دون غاية. فهم يبينون لنا كيف يجب أن نجيب بشكل مناسب على الرسالة التي تتوجه إلينا. ماذا يقولون لنا هؤلاء الشهود الأولون لتجسد الله؟

يقال عن الرعاة أنهم كانوا ساهرين وأن كان ممكنًا أن تصلهم الرسالة لأنهم كانوا ساهرين. ونحن، يجب علينا أن نستيقظ، لكي تصل الرسالة إلينا. يجب أن نضحي حقًا أشخاصًا ساهرين. ماذا يعني هذا؟ الفرق بين حالم وساهر يتألف قبل كل شيء من أن الحالم يجد نفسه في عالم خاص. وهو منغلق بأناه في هذا العالم الحلمي الذي هو خاصته وحسب، والذي لا يربطه بالآخرين. اليقظة تعني الخروج من عالم الأنا الخاص والدخول في الواقع المشترك، في الحقيقة التي وحدها توحدنا جميعًا. ينتج الصراع في العالم وعدم المصالحة المتبادلة من أننا منغلقين في مصالحنا وآرائنا الخاصة، وفي عالمنا الخاص الصغير. الأنانية، الجماعية والفردية، تقيدنا في مصالحنا ورغباتنا، وهي مناهضة للحقيقة وتفصلنا عن الآخرين. استيقظوا، يقول الإنجيل. تعالوا خارجًا للدخول في الحقيقة الكبرى المشتركة، في الشركة مع الله الأوحد. الاستيقاظ يعني بهذا الشكل تنمية حس الله؛ الحس لإدراك العلامات الصامتة التي يهدينا بواسطتها؛ لحدس علامات حضوره المختلفة. هناك أشخاص يقولون أنهم "لا يتمتعون بآذان موسيقية للدِين". يبدو وكأن إمكانية حدس الله هو أمر يُحرم منه البعض. بالواقع، إن طريقة تفكيرنا وتصرفنا، عقلية العالم المعاصر، وسلسلة خبراتنا تسهم في إنقاص حسنا بالله، وبجعلنا "محرومين من الآذان الموسيقية" له. ومع ذلك في كل نفس هناك، بشكل ظاهر أو متخفي، انتظار الله وقدرة اللقاء به. للحصول على هذه اليقظة، هذا النهوض لما هو أساسي، نريد أن نصلي، لذواتنا وللآخرين، لمن يبدو "محرومًا من الأذن الموسيقية" ومع ذلك يعمل فيه التوق الحي لظهور الله. قال اللاهوتي العظيم أوريجانوس: إذا كانت لي نعمة أن أرى ما رآه بولس، أستطيع الآن (خلال الليتورجية) أن أتأمل بطغمات الملائكة العظيمة (راجع لو 23، 9). بالواقع خلال الليوترجية نحن محاطون بملائكة الله وقديسيه. الرب نفسه حاضر في وسطنا.  يا رب افتح عيون قلوبنا، لكي نضحي يقظين ومتبصرين ونتمكن من حمل قربك للآخرين أيضًا!

فلنعد إلى إنجيل الميلاد. يخبرنا أن الرعاة، بعد أن سمعوا رسالة الملاك، قالوا واحدهم للآخر: لنذهب إلى بيت لحم... ومضوا للفور" (لو 2، 15). يقول لنا النص اليوناني حرفيًا "أسرعوا". ما سمعوه كان مهمًا جدًا ولذا كان يجب أن يمضوا للفور. بالواقع، ما قيل لهم كان مغايرًا للكلية للمعتاد. العالم بأسره كان يتغير. لقد ولد المخلص. إن ابن داود المنتظر كان آتيًا إلى العالم في مدينته. وهل من أمر أهم من ذلك؟ بالطبع، كانوا مدفوعين أيضًا من الفضول، وبالخصوص من التأثر للأمر العظيم الذي قيل لهم، هم الصغار والرجال الذين يبدو ظاهريًا أن لا أهمية لهم. أسرعوا دون تردد.

 

 

في حياتنا العادية الأمور لا تجري بهذا الشكل. القسم الأكبر من الناس لا يعتبرون أمور الله أولوية، ولا يتحركون بشكل مباشر. وهكذا نحن أيضًا معظمنا على استعداد لتأجيل أمور الله. قبل كل شيء نفعل ما يبدو لنا الآن كأمر طارئ. في سجل الأولويات، غالبًا ما يحتل الله المكان الأخير. لسان حالنا يقول: هذا أمر أستطيع أن أفعله دومًا. أما الإنجيل فيقول: إنه أمر طارئ للغاية. ولذا إذا ما كان هناك أمر يستحق السرعة وعدم التأخير، فهو قضية الله وحدها. يقول القديس مبارك في قانونه: "لا يعيقنّ شيء عمل الله (أي الخدمة الإلهية في الليتورجية)". الليتورجية هي بالنسبة للرهبان الأولية والمطلقة. كل الأمور الأخرى تأتي من بعدها. ولكن هذه الفكرة في جوهرها تنطبق على كل إنسان. الله مهم، الأمر الأهم في حياتنا على الإطلاق. هذه هي الأولوية التي يعلمها الرعاة. نريد أن نتعلم منهم ألا نسمح لوقائع الحياة اليومية الطارئة أن تسيطر علينا. نريد أن نتعلم منهم الحرية الداخلية لنضع الاهتمامات الأخرى – رغم أهميتها – في المرتبة الثانية، لكي نتوجه نحو الله، ولكي ندعه يدخل في حياتنا وزمننا. إن الوقت الذي نقضيه لأجل الله، وانطلاقًا منه لأجل القريب ليس أبدًا وقتًا ضائعًا. إنه الوقت الذي نعيش فيه حقًا، الذي نعيش فيه كياننا كأشخاص.

 

يلفت بعض الشارحين أن أول من أتى إلى لقاء يسوع في المذود، وأول من التقى بمخلص العالم هم الرعاة، النفوس البسيطة. الحكماء الآتون من الشرق، يمثلون ذوي الصيت والدرجة، أتوا بعد ذلك بكثير. ويضيف الشارحون: هذا أمر واضح بالكلية. فالرعاة كانوا يقيمون هناك. ولم يكن يترتب إلا أن "يعبروا" (راجع لو 2، 15) كما نجتاز مسافة قصيرة لنصل إلى الجيران. أما الحكماء فكانوا يقيمون بعيدًا. وكان يجب عليهم أن يسيروا دربًا طويلاً وصعبًا ليصلوا إلى بيت لحم. وكانوا بحاجة لهداية ودليل.

 

واليوم أيضًا هناك نفوس بسيطة ومتواضعة تقيم بالقرب من الرب. هم، إذا جاز القول، جيرانه ويستطيعون الذهاب إليه بسهولة. ولكن القسم الأكبر من المعاصرين يعيشون بعيدين عن يسوع المسيح، عن الذي صار إنسانًا، عن الإله الذي جاء في ما بيننا. نعيش في فلسفات مصالح وهموم تملأنا بالتمام ويضحي دربنا نحو المذود بعيدًا جدًا. بأشكال مختلفة يضطر الله أن يدفعنا وأن يمد يده إلينا، لكي نستطيع أن نجد دربًا للخروج من تشويش أفكارنا والتزاماتنا وإيجاد السبيل نحوه. ولكن هناك درب للجميع. فالرب يقدم لكل شخص سبلاً مناسبة. الرب يدعو الجميع، ولذا نستطيع نحن أن نقول: "فلنعبر"، فلنذهب إلى بيت لحم – نحو ذلك الإله الذي جاء للقائنا. نعم، لقد سار الله نحونا. لا يمكننا أن نصل نحوه. فالدرب يتخطى قوانا. ولكن الله نزل. أتى للقائنا. لقد عبر القسم الأكبر من الطريق. وهو يطلب منا الآن: تعالوا وانظروا أني أحبكم. تعالوا وانظروا أنني هنا. يقول النص اللاتيني "فلنعبر حتى بيت لحم" ، فلنذهب إلى هناك! فلنتجاوز أنفسنا. فلنضح سواح نحو الله بأشكال مختلفة: في مسيرتنا الداخلية نحوه. وفي سبل ملموسة جدًا – في ليتورجية الكنيسة، في خدمة القريب، حيث ينتظرنا المسيح.

 

فلنصغ مرة أخرى للأنجيل. يقول الرعاة الواحد للآخر السبب الذي دعاهم إلى المسير: "لننظر هذا الحدث". يقول النص اليوناني حرفيًا: "فلنرى تلك الكلمة، التي حدثت هناك". نعم، هذه هي جدة هذه الليلة: يمكننا أن نرى الكلمة. لأن الكلمة صار بشرًا. ذاك الإله الذي لا يجب أن نخلق صورًا عنه، لأن كل صورة تستطيع أن فقط أن تنقصه، بل أن تحوّره، ذاك الإله الذي صار هو أيضًا مرئيًا في ذلك الذي هو صورته الحقة، كما يقول بولس (راجع 2 كور 4، 4؛ كول 1، 15). في صورة يسوع المسيح، في كل حياته وأعماله، في موته وقيامته، نستطيع أن نرى كلمة الله وبالتالي سر الله الحي بالذات. الله هو هكذا. لقد قال الملاك للرعاة: "هذه علامة لكم: تجدون طفلاً مغطى بالأقمطة، ومضجعًا في مذود" (لو 2، 12؛ راجع الآية 16). علامة الله، العلامة التي يهبها للرعاة ولنا، ليس أعجوبة مؤثرة. علامة الله هي التواضع. علامة الله هي أنه يضحي صغيرًا؛ يضحي طفلاً؛ يسمح لنا أن نلمسه ويطلب حبنا. لكمّ نود نحن البشر علامة مغايرة، أكثر سلطانًا، علامة لا تترك سبيلاً للشك بقوة الله وعظمته. ولكن علامته تدعونا إلى الإيمان، إلى الحب، وبالتالي تهبنا الرجاء: هكذا هو الله. يملك الله سلطانًا هو الطيبة. ويدعونا لكي نضحي مثله. نعم، نضحي مشابهين لله إذا سمحنا لهذه العلامة أن تصوغنا؛ إذا تعلمنا، نحن بالذات، التواضع وبالتالي العظمة الحقة؛ إذا تخلينا عن العنف واستعملنا فقط سلاح الحقيقة والحب.

 

أوريجانوس، ينطلق من كلمة ليوحنا المعمدان، ويرى في رمز الحجارة تعبيرًا عن جوهر الوثنية: الوثنية هي نقص الإحساس، وتعني قلب الحجر، غير القادر على الحب وعلى حدس الله. يقول أوريجانوس في الوثنيين: "لخلوهم من المشاعر ومن المنطق، يتحولون إلى حجارة وإلى خشب" (عظات في إنجيل لوق 22، 9). أما المسيح، فيريد أن يهبنا قلبًا من لحم. عندما نراه، هو الإله الذي صار طفلاً، ينفتح قلبنا. في الليتورجية، في الليلة المقدسة يأتي الله إلينا كإنسان، لكي نضحي نحن بشرًا حقًا. فلنصغ أيضًا لأوريجانوس: "بالواقع، ماذا ينفعك أنت إذا أتى المسيح مرة بالجسد إذا لم يصل إلى نفسك؟ فلنصل لكي يأتي يوميًا إلينا حتى نستطيع أن نقول: أحيا، لا أنا بل المسيح حي فيّ (غلا 2: 20) (لو 22: 3).

نعم، وعلى هذه النية نود الصلاة في هذه الليلة المقدسة. أيها الرب يسوع، أنت الذي ولدت في بيت لحم، تعال إلينا! أدخل فيّ، في نفسي. حوّلني، جددني. حولني وحولنا جميعنا من صخر وخشب إلى أشخاص حية، يضحي فيها الحب حاضرًا ويتحول العالم. آمين.

 

), الفاتيكانZENIT.org(

قراءة 7374 مرات آخر تعديل على %AM, %23 %952 %2015 %00:%كانون1

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *