المواعظ
%PM, %21 %789 %2015 %20:%كانون1

عظة الأب الأقدس بندكتس السادس عشر عشيّة عيد الميلاد المجيد 2005

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

البابا بندكتس السادس عشر

 

"الرب قال لي: أنت ابني؛ وأنا اليوم ولدتُك"

بهذه الكلمات من المزمور الثاني، تبدأ الكنيسة قداس سهرة الميلاد التي فيها نحتفل بميلاد فادينا يسوع المسيح، في مذود بيت لحم. سابقاً، كان هذا المزمور يعود إلى رتبة تتويج ملك يهوذا. وشعب إسرائيل، بسبب اختياره، كان يشعر بنوع خاص بأنه ابن الله، وقد تبنَّاه الله. وإذا كان الملك تشخيصاً لهذا الشعب، تنصيبه يُعاش مثل فعل احتفالي للتبنِّي من قبل الله. وفي ليل بيت لحم، كانت مثل هذه الأقوال بالأحرى تعبيراً عن رجاء أكثر منها حقيقة حاضرة، وقد اتخذت معنى جديداً وغير متوقع. فالولد في المذود هو حقاً ابن الله. فليس الله عزلة أزلية، بل حلقة محبة حيث  يعطي ذاته، ويعيد عطاء ذاته بالتبادل. إنه الآب والإبن والروح القدس.

وأكثر من ذلك: ففي يسوع المسيح، ابن الله، الله نفسه صار إنساناً. له قال الآب: "أنت ابني". و"اليوم" الأزلي لله نزل في "اليوم" الزائل للعالم، وهو يحمل "اليوم" العابر العائد إلينا إلى "اليوم" الأزلي العائد إلى الله. فالله من العظمة بحيث يمكنه أن يصبح صغيراً. والله من القدرة بحيث يمكنه أن يصبح ضعيفاً وأن يأتي إلى لقائنا مثل طفل دون دفاع، لكي يتسنى لنا أن نحبه. الله هو من الصلاح بحيث يتخلَّى عن بهائه الإلهي وينزل إلى إسطبل لكي نستطيع أن نجده، وبذلك يمسّنا صلاحه أيضاً، وينتقل إلينا ويستمر في العمل بوساطتنا. هذا هو الميلاد: "أنت ابني، وأنا اليوم ولدتُك!" لقد صار الله واحداً منا، ليتسنّى لنا أن نكون معه، وأن نصبح مثله. وقد اختار كعلامة طفلَ المغارة. هكذا هو. وهكذا نتعلم أن نعرفه. وعلى كل طفل يشع شيء من شعاع هذا "اليوم" لقرب الله الذي علينا أن نحبه وأن نخضع له – على كل طفل، حتى الذي لم يولد بعد.

لنسمع كلمة ثانية من ليتورجيا هذه الليلة المقدسة، وهي مستلَّة هذه المرة من سفر النبي اشعيا: "المقيمون في بقعة الظلام، أشرق عليهم النور" (9: 1). أن كلمة "النور" تدخل في ليتورجيا هذا القداس كلها. وهي مذكورة من جديد في مقطع مستمدّ من رسالة القدّيس بولس إلى طيطس: "لقد تجلَّت نعمة الله" (2: 11). ولفظة "تجلَّت" أو ظهرت تعود إلى اللغة اليونانية، وهي في هذا السياق، تقول الشيء نفسه مثلما تعبِّر اللغة العبرية عنه كما في "نور أشرق": الظهور، أبيفانيا (دنحا) هو تدفق النور الإلهي في العالم الذي تكتنفه الظلمة، والمليء بمشاكل لم تحلَّ بعد. أخيراً، يجلب لنا الإنجيل أن مجد الله ظهر للرعاة و"أشرق مجد الرب حولهم" (لو2: 9). وحيثما يظهر مجد الله، هناك ينتشر النور في العالم. ويقول القديس يوحنا : "إن الله نور لا ظلام فيه" (ايو 1: 5). والنور مصدر الحياة.

إلا ان النور يعني معرفة حقيقة بالتناقض مع ظلمة الكذب والجهل. وهكذا فإن النور يحيينا ويدلّنا على الطريق. ثم ان النور، لأنه يمنح الحرارة، فهو يعني المحبة أيضاً. فحيثما تكون المحبة، يظهر النور في العالم. وحيثما يكون الحقد يكون العالم في الظلمة. أجل، لقد ظهر في اصطبل بيت لحم النور العظيم الذي ينتظره العالم. وفي هذا الطفل الراقد في الإصطبل، يظهر الله مجده- مجد المحبّة التي تقدّم ذاتها هبة وتحرم ذاتها من كل عظمة لتقودنا على طريق المحبة. ونور بيت لحم لم ينطفىء بعد أبداً وطوال قرون لمسَ الرجال والنساء، وأحاطهم بالأنوار، وحيثما ظهر الإيمان بهذا الطفل، هناك أيضاً تفجَّرت المحبة – الطيبة تجاه الآخرين، والإنتباه السريع إلى الضعفاء والمتألمين، ونعمة الغفران. وانطلاقاً من بيت لحم، خط من نور ومحبة وحقيقة يغزو القرون. وإذا نظرنا إلى القديسين – من بولس وأوغسطينس إلى القديس فرنسيس، والقديس عبد الأحد "دومنيك" وفرنسيس كسفاريوس وتريزا الأفيلية والأم تريزا كلكتا- رأينا هذا التيار من الصلاح (الطيبة)، وهذا سبيل النور الذي يتجدد دوماً ويشتعل في سر بيت لحم، لهذا الإله الذي جعل ذاته طفلاً. ففي هذا الطفل، يعارض الله بصلاحه عنف هذا العالم ويدعونا إلى اتباع الطفل.

مع شجرة الميلاد أتانا أصدقاؤنا النمساويون أيضاً بشعلةٍ صغيرة كانوا قد أوفدوها في بيت لحم، ليقولوا لنا ان سر الميلاد الحقيقي هو البهاء الباطني الآتي من هذا الطفل. لندع هذا البهاء الباطني ينتقل إلينا، وأن يوقد في قلبنا الشعلة الصغيرة، شعلة صلاح الله. وبمحبتنا، لنحمل جميعنا النورَ إلى العالم! ولا نسمح بأن تنطفىء هذه شعلة النور بتيارات زماننا الباردة! لنحفظها بأمانة ونهبها للآخرين! وفي هذه الليلة التي فيها تتّجه انظارنا إلى بيت لحم، نريد أيضاً أن نصلِّي بنوع خاص لأجل موضع ميلاد فادينا وللذين يعيشون فيه ويتألمون فيه. نريد أن نصلِّي لأجل السلام في المدينة المقدسة. انظر، يا رب، إلى هذه البقعة من الأرض التي هي وطنك وهي حبيبة لك! اجعل نورك يشعّ فيها! واجعل السلام يستتبّ فيها!

وبكلمة "السلام" وصلنا إلى الكلمة الثالثة التي تهيمن على ليتورجيا هذه الليلة المقدسة. إن الولد الذي يعلن عنه أشعيا يدعوه "أمير السلام". ويقال عن ملكه أن السلام لن يكون له نهاية فيه. وفي الإنجيل يقال للرعاة "المجد لله في العلى، وعلى الأرض السلام...". وسابقاً، كنا نقرأ: "... للناس ذوي الإرادة الصالحة..." أمَّا في الترجمة الجديدة، فيُقال: "للناس اللذين يحبهم". فماذا يعني هذا التغيير؟ أليس قيمة للإرادة الصالحة بعد الآن؟ لنطرح السؤال بنوع أفضل: من هم الأناس الذين يحبهم الله، ولماذا يحبهم؟ وهل الله منحاز؟ وهل يحب أشخاصاً معيّنين، ويترك الآخرين وشأنهم؟ ويجيب الإنجيل على هذه الأسئلة إذ يقدّم لنا بعض أشخاص يحبهم الله بنوع خاص. إنهم أشخاص معيَّنون: مريم، يوسف، اليصابات، زكريا، سمعان، حنة، الخ... وهناك أيضاً فرقتان من الأشخاص: الرعاة، وحكماء المشرق الذين يسمون الملوك المجوس. ولنتوقف في هذه الليلة عند الرعاة: أي نوع من الناس هم؟ كان الرعاة في أوساطهم محتقرين، ولم يكونوا موضع ثقة كبيرة، ولم تكن شهادتهم تُقبل في المحاكم. ولكن من كانوا في الحقيقة؟ لم يكونوا بالتأكيد قديسين كباراً، إذا قصدنا بهذه اللفظة أناساً ذوي فضائل بطولية. كانوا أناساً بسطاء. ويسلِّط الإنجيل الضوء على ميزة سيكون لها لاحقاً، في أقوال يسوع، دور مهم: كانوا ساهرين! وهذا أمر مهم بالمعنى الخارجي: كانوا، في الليل، يسهرون على مواشيهم. إلا أن الأمر مهم أيضاً بالمعنى الأعمق: كانوا متفرغين لكلمة الله. ولم تكن حياتهم منغلقة على ذاتها، وكان قلبهم منفتحاً. وكانوا، نوعاً ما، ينتظرونه. وكانت يقظتهم تفرّغاً: تفرّغاً ليسمعوا، وتفرّغاً ليذهبوا، وكانت انتظاراً للنور الذي سيدلّهم على الطريق. وهذا هو ما يهمّ الله! فإن الله يحبّ جميع البشر لأن الجميع خلائقه. إلا أن هناك أناساً قد اغلقوا نفسهم، فلا تجد محبته أي مجال للدخول إليها. يعتقدون أنهم ليسوا بحاجة إلى الله، ولا يريدونه. وهناك غيرهم أدبياً فقراء وخطأة مثلهم، ولكنهم يتألمون لهذا الأمر في الأقل. إنهم ينتظرون الله، ويعلمون أنهم بحاجة إلى جودته، حتى إن لم يكن لهم فكرة واضحة عن ذلك. ففي قلبهم المنفتح للانتظار، في وسع نور الله أن يدخل، ومعه السلام. يبحث الله عن أناس يجلبون السلام ويعطوه. لنسأله ألا يجد قلبنا منغلقاً. ولنعمل بحيث نستطيع أن نصبح حملةً نشطين لسلامه – لا سيما في زماننا هذا.

عند المسيحيين، اتّخذت كلمة السلام بعد ذلك معنىً خاصاً جداً. فقد أصبحت اسماً يُشير إلى الإفخارستيا. ففيها حاضر سلام المسيح. وبفضل جميع الأمكنة التي فيها نحتفل بالإفخارستيا، تمتدّ شبكة من السلام إلى العالم كله. فالجماعات التي تلتئم حول الإفخارستيا تشكل مُلكاً للسلام واسعاً مثل العالم. وحينما نحتفل بالإفخارستيا، نكون في بيت لحم أي في "بيت الخبز". فالمسيح يعطينا ذاته، ومع ذلك يمنحنا سلامه. إنه يعطينا هذا السلام! لكي نحمل نور السلام إلى أعماق ذاتنا، ولكي ننقله إلى الآخرين، ولكي نصبح صانعي السلام، فنُسهم بذلك في السلام في العالم.

لنصلِّ إذا: يا رب، حقّق وعدك! إجعل السلام ينشأ حيثما يوجد الخلاف! إجعل المحبة تنفجر حيثما يسود الحقد! إجعل النور يشرق حيثما تخيِّم الظلمات! إجعلنا حملةَ سلامك! آمين.

قراءة 13585 مرات

1 تعليق

  • تعليق Nicole %AM, %18 %380 %2018 %11:%أيار أرفق Nicole

    Thanks for a marvelous posting! I definitely enjoyed reading it, you
    are a great author.I will be sure to bookmark your blog and will come back in the future.
    I want to encourage continue your great job, have a
    nice morning!

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *