المواعظ
%AM, %28 %307 %2013 %09:%كانون2

أيام صوم الباعوثا

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
اليوم الأول من أيام صوم الباعوثا إستجابة لدعوة الله لنا للعودة إليه (متى 18: 23 35) يُباركنا ربّنا اليوم ببدءِ زمنٍ مُميّز في حياتنا الإيمانية: صوم الباعوثةِ والذي نحتفل فيه برحمة إلهنا وغفرا
اليوم الأول من أيام صوم الباعوثا إستجابة لدعوة الله لنا للعودة إليه (متى 18: 23 35) يُباركنا ربّنا اليوم ببدءِ زمنٍ مُميّز في حياتنا الإيمانية: صوم الباعوثةِ والذي نحتفل فيه برحمة إلهنا وغفرانه لأهل نينوى، ولنا اليوم نحن الذينَ تقدّمنا منه نادمينَ تائبينَ، سَمَحَت لنا رحمته بأن نعيشَ فرحينَ بما اُعطي لنا. غفرانٌ برهنَ فيه ربّنا عن أمانته ومحبّته أمام تقصيراتنا وخطايانا، فالشكُر لكَ يا إلهنا على رحمتك التي تفتح الباب أمامنا لنحيا قُدّامكَ فرحينَ بنعَمِك. جاء مَثلُ ربّنا يسوع اليوم جواباً على سؤال بطرس: "يا ربُّ كم مرّة يَخطأ إليَّ أخي وأغفرَ له؟ أسبعَ مرّاتٍ؟ فأجابهُ ربّنا يسوع: "لا سبعَ مراتٍ، بل سبعينَ مرّة سبعُ مراتٍ". ثم روى هذا المثلَ الذي فيه بيّنَ كيف يكونَُ أبناءَُ ملكوتِ الله، أبناء يحتفلونَ ويقبلونَ غفران الله لهم، عندما يغفرونَ للقريب هفواته وأخطاءه. سأل بطرس كيف يتعامل مع قريبٍ يواصلَ الإهانة ويعتذر كلَّ مرّة؟ هل هناك حدود للغفران وبعدها تبدأ المُحاسبة والعقاب؟ يبقى بطرس على مستوى الإنسان والأرض، أما ربّنا فيدعو بطرس لينتقلَ إلى عالمِ الله، لأن الغفران هو من طبيعة الله، وإذا كُنّا نعيش في مملكة يحكمها الله فعلينا أولاً أن نتمثّلَ به: "كونوا أنتم كاملينَ، كما أنَّ أباكم السماوي كامِلٌ" (متى 5: 48)، وأن نصبوالى الكمالِ لا يعني تجنّب الخطيئة وغفران خطايا القريب وزلاّته ، بل يعني أولاً وقبلَ كل شيءٍ أن نعيش محبّة الله، ونُبادرَ بأفعالٍ ومواقفَ طيّبةٍ تجاه الآخرينَ، وهذه الأفعال ليست للتأثير على الله كي يتحنن علينا، بل جوابٌ شاكرٌ على تحنن الله علينا حتى قبلَ أن نسألهُ الرحمة. توبتنا جوابٌ على إلتفاتةِ الله المُحبّة والحنونةِ إلينا. لقد أختبرَ هذا العبد معنى أن يكون مغفور له، أحضره سيّده لا ليُعاقبهُ بل ليُحاسبه، ليقول له: كيف ستدفع هذا الدين الذي عليكَ؟ فسكتَ لأنه لم يكن لديه ما يفي. فأمرَ سيّده بان هو وعائلته قي الأسواق! عندها طلبَ العبد مُهلةً من الزمن حتى يُدبّرَ الأمر، ولكنَّ سيّده بيّنَ له أنه رحومٌ ومُحب، فلم يعطه المُهلةَ التي طلبها فحسب بل: أعفاه من كلِّ الديون فأعادَ له عائلته وكرامته، وكان عليه أن يعيشَ كلَّ الحياة شاكراً لسيّده هذه النعمة. ولكن الشرَ تغلبَ عليه، لم يتمكّن من أن يعيشَ شاكراً، وهذه كانت خطيئتُه الكبيرة والمُهلِكة والتي جلبَت الدمار عليه وعلى عائلته التي صارت ضحية سوء سلوكهِ وقساوة قلبه. اليوم، نحن مدعوون لنتأمل أيضاً في معنى مسؤوليتنا تجاه بيوتنا وعوائلنا. فالشرُّ بدأ يتغلغل فينا لأننا كسالى وفقدنا السيطرة على تربة أبنائنا وتركنا للتلفزيون والأنترنت كل المجال لتنفذ سمها في قلوب عوائلنا ونحن صامتون، وهكذا تنازلنا عن مسؤوليتنا، وسندفع ثمنَ هذا الكسل باهظاً. فأولادنا مشردونَ ولا يوجد مَن يهديهم، وصرنا نخجل من أن نُعلِن إيماننا المسيحي ومُتطلباته حتى مع أولادنا. بدأنا نركض خلفَ المال والمُمتلكات فبعنا كلَّ شيءٍ حتى قيمنا المسيحية والعائلية، وتركنا خلفنا بيوتنا وأولادنا، ولكن الخسارة الأكبر هي خسارتنا لمُستقبل عوائلنا، والسبب هو أننا تنازلنا للتلفزيونَ ليكونَ هو مُربي أولادنا وأعطيناه الصوتَ الأولَ في البيت، وإستسلمنا الى رحمة البرامج المعروضة عليه، من دون ان يكون لنا فيها قرار، لقد صارت مثل حوت يونان تبتلعُ بيوتنا ولن نخلص منها إلا بصلاةٍ كصلاةِ يونان. عوائلنا التي تؤمن بأن العائلة المسيحية "كنيسة مُصغرة"، كنيسة الإيمان والرجاء والمحبّة والصلاة والعطاء السخي والغفران الرحوم ولكنها تواجه عنفاً إعلامياً وإجتماعياً يُريد أن يهزَّ أُسسها المسيحية، ونتأسف اليوم عندما نرى أن الآباء والأمهات غير مُبالينَ بحياة أبنائهم ويعتقدون خطأً أن التربية تعني توفير كل ما يلزم من أموال ووسائل راحة وحتى سيّارة، وينسون أن الأهم هو أن تتوفّر في البيت أجواء مسيحية، وقيمٌ ومبادئ صحيحة، وهكذا ينمو أبناؤنا من دون توجيهٍ وإرشاد، وليس لهم القُدرة على مقاومة تجاربِ الحياة القاسية، فيندفعونَ وراء كلِّ جديد من دون تمييز، ويُخطأوا والأسوء هو بقاءهم في خطأهم. إلهنا يحزن إذا أخطأنا، ولكنه يحزن أكثر إذا بقينا في خطئنا، فآباؤنا الروحيون قالوها بحكمةٍ: عندما تُلقي نفسَك بالماء لن تغرقَ بل عندما تبقى في الماء ستغرق. نحن نعتقد أنَّ توبةَ أهل نينوى هي التي منحتهم غفرانَ الله؟ بعضنا يُفكّر أن صومَ أهل نينوى كان سبباً في تغيير فكّرِ، والحال أن هذا ليسَ صحيحاً، لأن الله هو الذي بادرَ وأرسلَ يونان النبي قائلاً له: قُل لأهلِ نينوى أن أخبارِ شرورهم صعِدت إليَّ؟ بمعنى آخر: أن خطاياهم تجاوزت الحدود وعليهم أن يُغيّروا حياتهم، لأنهم إن واصلوا الشّر والعنفَ الذي هم عليه الآن فإنهم سيهلكونَ. أرسلَ الله يونان إلى نينوى برسالةِ الرحمة لأنه لا يرضَى بأن يستمر الإنسان على خطاياه، ولم يُكلّفهُ بإعلان الخراب والدمار، ولم يقل له: قُل لأهلِ نينوى أني سأدمّر المدينة، هذه لم تكن رغبةُ الله، بل رغبة يونان في تدمير الخاطئينَ وإهلاكهم، والله لا يُريد موتَ الخاطئ بل عودتهِ. لم يقبلَ يونان بهذه الرسالة، بل وغَضِبَ لأن الله غفرَ لأهلِ نينوى، ولم يرغَب منذ البدء بمثلِ هذا التكليفَ لأنه يعرف أن الذي أرسلهُ إلهٌ حنونٌ رحوم بطيءٌ عن الغضَب، كثيرُ الرحمة. وما كانت أفعال أهل نينوى وشرورهم؟ تأمّل آباؤنا الروحيونَ في توبةِ أهل نينوى وشرحوا لنا بعضاً من خطايا أهل نينوى التي فاحت رائحتها الكريهة ووصلت إلى سماء الله منها: خصامٌ وزعلٌ وإضطرابٌ، خُبثُ الأفكارِ، وعيونٌ حسودة، آذانٌ مريضة تسمعُ للشر وأحاديث السوء، وفكرٌ طائش، خداعٌ وكبرياء وغيرةٌ قاتلة، إستهزاء وسخريةُ وكلماتٌ بذيئةُ وإفتراءٌ ونميمةٌ وشراهةٌ وفسادٌ وإغتناءٌ بالمال الحرام، طمعٌ وبخلٌ وعنفٌ مُهينٌ ... كلّها شرورٌ أبعدتهم عن الله، وكلّها شرورٌ تتحدانا اليوم أيضاً. ولكّن الله لم يبتعدَ عنهم ولا عنّا، بل يرغبَ في عودتهم لأنه رحومٌ، ورحمتهُ تسبقَ غفرانه، وغفرانه يسبقُ توبتهم وتوبتنا، وتوبتنا جوابٌ شاكرٌ على غفرانه، لأننا فيها نستجيبُ لدعوة الله لنا بالعودة إليه، ونعود إليه فنجده ينتظر عودتنا بشوقٍ وفرحٍ غامر. هذه العودة ليست عودة فارغةَ اليدينَ، مثلنا مّثلُ أحدهم يوماً أمام الله مُفتخراً وقال: "إنظر يا ربُّ يديّ كم هما نظيفتان؟ فإبتسمَ الربُّ إبتسامة حزينة وقال له: "نعم هما نظيفتان، ولكنّهما فارغتانِ أيضاً". فالتوبة هي أن أفسح المجالِ لروح الله ليعملَ في حياتنا، ويملأها بأفعالِ طيّبة. الباعوثا زمن التوبة، وهذا يعني زمنُ الأعمال الصالحة التي تُغيّر اخانا الإنسان وتُفرِحُ قلبَ الله: "كلَّ مرّةٍ عملتُم هذا لواحدٍ من إخوتي هؤلاء الصغار، فلي عمِلتموهُ! (25: 4). فالله لا يُردنا حزانى، والصومُ ليس فترة حزينة بل عُرسٌ سماوِي بعودة خاطئ: "أقول لكم هكذا يكون فرحٌ في السماء بخاطئ واحد يتوب أكثر من الفرحِ بتسعةٍ وتسعينَ من الأبرار لا يحتاجونَ إلى التوبة: يقول ربّنا يسوع المسيح (لو 15: 7). نحن مدعوون اليومَ لنزرَعَ في بيوتنا تعاليمَ ربّنا يسوع المسيح، ونفرح عندما نُلقي بذار حبِّ الله والقريب في نفوس أبنائنا. اليوم نحن مدعوون لنكونَ منارةً هاديةً أمام أبنائنا، مثلنا الصالح هو أفضلُ درسٍ يتعلّمونه في الحياة. الغفران والتسامح الذي نعيشهُ في البيت سيكون حجرَ أساس تربية صحيحة لهم، ورعايتنا ومُحاسبتنا المُحبّة لأولادنا ستكون خير سندٍ لهم وهم يتعرضونَ لشتى أنواع التجاربِ. صلاتنا وقراءتنا للكتاب المُقدس وتشجيعنا لهم ليكونوا بالقُرب من الكنيسة وأنشطتها سيُساعدهم في بناء شخصية مسيحية تُفرِح قلبَ الله لأنه سيرى أن العائلة، "الكنيسة المُصغرة" بدأت تنتعش بحبّهِ، وتعيش هذه المحبّة وتتجاوز الصعوبات نحو مُستقبل يحمل بركاتِ الله الوفيرة. اليوم نحن مدعوون إلى التوبةِ إلى الله والعودة إليه، نصوم ونُصلي ولكن الأهم هو أن تتغيّر حياتنا، ونتغلّبَ على شرّ الطمع الذي فينا ليُصبحَ سخاءً يُفرِح قلبَ الله. أن نُحارِبَ كبرياءنا بتواضعٍ صادقٍ يُشبه تواضعَ الله. أن نُطهِرَ أفكارنا ونُنقي قلوبنا من الأفكار السيئة فنُشاهد صورة الله في وجهِ كل إنسان. أن نُسيطّر على لساننا فلا ينطق إلا بالصدق وبالكلام الطيّب عن الناس. أن نُبارك نجاح الناس ونفرحَ لفرحهم فلا نسمحَ للحسد والخبثِ والغضب أن يتغلّب علينا. أن نقفَ أمام الله وأيدينا مملوءة من أعمال الخير والرحمة، مثلما هو رحومٌ وخيّرٌ معنا. وهكذا تكون باعوثتنا صادقة لأنها باعوثة مسيحيين تائبين لا أُناس مرائين. فلنطلُب من ربِّ الباعوثا أن يُبارك أيامنا بتوبةٍ صادقة، ترافقها الأعمال الصالحة. اليوم الثاني من أيام صوم الباعوثا زمن الصلاة من دون ملل (لوقا 18: 1- 9) أحدى أقسى التجارب التي نجهلها هي البقاء أمناء مواظبينَ على الصلاة إلى الله، لأن هذا يعني الثباتَ في الإيمان وعد الأكتراث بصوتِ المُجرِّب الذي يهمسُ في آذاننا: ماذا يفعل لكَ إلهُكَ؟ لماذا تتعذّب أنت الذي تخافُ الله وتذكره في كل لحظةِ، فيما ينعَم غيرك بحياة هائنة مع أنه لا يُصلي ولا يذكر الله؟ ماذا جنيت من صلاتِكَ ومن صومِكَ سوى صعوباتٍ وأزماتٍ ومشاكلَ عويصةٍ؟ فالأرملة الضعيفة التي لا سندَ لها، والتي كثيراً ما كانت تُعاني الظُلمَ والمهانة والإستغلال عَرِفت أن ليس لها إلا هذا القاضي، وهي تعرفهُ قاضياً ظالماً، لكنَّ الأرملة هي التي إنتصرت بعنادها، فألحّتَ في طلبها وبقيت تدقَ بابه حتّى استجابَ لها ونالت ما أرادت، وفي ذلك برهنت على ثباتٍ وإنتظارٍ طويل، وهو ما يطلبهُ منّا ربّنا وإلهنا: أن يكون لنا إيمانٌ راسخٌ لا يتزعزع، وعناد وثباتٌ في الطلب. فإذا كان قاضي الظلمِ قد إستجابَ لطلبِ الأرملة، فكم بالأحرى يستجيبَ إلهنا الصالح لطلبنا، من دون أن ننسى أن نظرته نظرة رحمة، لأنه إلهٌ رحوم كثيرٌ الرأفة، وهو لا يعاملنا مثلما عاملَ قاضي الظلم: كي لا تُزعِجني، بل أن كلَّ شخصٍ أمامه هو إنسان محبوبٌ في عينيه، ويهتمُّ به وليس مصدرَ إزعاجٍ له. إلهنا لا ينزعج من قُربنا منه بالصلاة، بل بإبتعادنا عنه بالخطيئة. الصلاةُ هي أولاً وقبلَ كلِ شيءٍ فعلُ إيمان بالله أبينا وراعينا من آتٍ لعوننا. الصلاة كلماتٌ مُحبّة من قلبنا إلى قلبِ الله، وهي ليست كلماتٍ فارغة حول قضايا تخصُّ راحتنا نتلوها ونتمنّى تحقيقها، وليست كلماتٍ سحرية تضمن لنا حاجاتنا، بل كلماتٌ تتطلّب المثابرة لينكشِفَ قوّة إيماننا ومدى عمقه؛ هل هو إيمان قويٌ مؤسسٌ على صخرة أم إيمان يتزعزع أمام المشاكل والأزمات؟ هل هو إيمان عجولٌ يُريد النتائج، أم هو إيمان المُحب الذي ينتظر الله إلى أن يُسمِعَ صوته وقتما يشاء، لأننا نؤمن أن الصلاة هي منه وعلينا أن نجتهِدَ للوصولِ إليه حتى نقبلها هدية. يروي لنا آباؤنا الروحيون أن أحد الرهبان جمعَ المُبتدئينَ الجُدد في الدير وسألهم: من أين تبدأ الصلاة؟ فأجاب أحدهم: من الحاجة، فكلّما إحتجتُ الى شيءٍ تذكرتُ الله. وقال الثاني: من الفرح، فأنا أتذكّر الله كلّما أختبرتُ الفرح وأعرف أنه هو فرحي. فيما قال الثالث: من الصمت، فعندما يصمت كل شيءٍ في داخلي، يستطيع الله أن يتكلّم. فأجاب الراهب الشيخ: بالحق تكلّمتم كلّكم، لكن هناك أمراً واحداً غابَ عن بالكم، وهو أن الصلاة تبدأ من الله، لأن الله هو الذي يبدأ الصلاة فينا، وهو مالكها، ونحن نُردد ما يُصلّيه فينا. الصلاة فعلُ إيمان يتطلّب أولاً الإجتهاد في إسكاتِ كل الأصواتِ الفوضوية التي فينا والتي تمنعنا من سماعِ صوتَ الله الذي ينكشفُ في الوقت الذي يشاء الله أن يكون. القديس لوقا يقول: كان ربّنا يقضي الليلَ كلّه في الصلاة (لو 6: 12) وكان يجتهدُ في الصلاة في النزاع حتى أن عرقهُ كان يسقط مثلُ قطراتِ دمٍ على الأرض علامة الحياة التي كانت في صلاته (لو 22: 44). فحياة الصلاة هي طلبٌ وتضرعٌ وبحثٌ وطرقُ الأبواب وإنتظارٌ وثقة مؤمنةٌ بأن الله سيُجيبُ في الوقتِ الصالحِ لنا. الصلاة فعُلُ إيمان بالله، الإيمان بحضور الله الرحوم معنا، والذي يعرِف حٌزننا ويفهمنا فيقول لنا يومياً: لا تخف، وينتظر منّا أن نؤمنَ به لا كإلهٍ مُخيفٍ، بل مثل الله الذي يغلبُ الخوف. الصلاةُ فعلُ إيمانٍ شجاع يعمل في وقتِ الجفاف (اليبوسة) والإنتظار الطويل الذي يبدو لنا أننا نتعبُ من دونِ نتيجةٍ، ولكنَّ هذا الإنتظار هو حيث يُطهّر صلاتنا لتكونَ صلاةٌ إلى الله عوضَ أن تكون قائمة طلبات تنتظر الإستجابة، لاسيما ونحن نعرِف أن المُجرّب يحاول كلَّ طُرقهِ ليُلهينا أو يبعدنا عن إلهنا، ويُفقدِنا الثقةَ فيُنصابَ إيماننا بالضعفِ والشك من أنه لا مُجيبَ له، ويزرع فينا الملل والضجرَ والضيقَ. الصلاة فعلُ إيمانِ يتطلّب شجاعة الثبات. إنه مثلُ فعلِ الشهادة، فكما أن شهداء الإيمان ثبتوا وقتَ الإضطهاد، ولم يتنازلوا عن مسيّحيتهم، هكذا ينتظر منّا الربَُ أن نبقى صامدينَ وقتَ الصلاة فلا نتزعزع أمام اضطهادِ المُجرّبِ. هذا هو زمنٌ الباعوثةِ، هذا هو زمنُ الطلب، هذا هو زمنِ الصلاة، وهي صلاةٌ للجميع مُرفقةٌ بصومٍ صادق، يعني أننا أفسحنا المجال كلّه لله ولم نُبقِ شيئاً لأنفسنا. فالمُصلي لا يطلب ما يؤول الى مصلحته الخاصة، بل يطلب أولاً وقبل كل شيءٍ أن تكمُلَ فيه إرادة الله. فلنُصلِ في هذه الأيام المُباركة لتكمُل إرادة الله في عوائلنا، فنجعلها بيوتَ صلاة. جميلٌ هو منظرُ الطفلِ وهو يُرددُ صلاةً تعلّمها من أمّه وأبيهِ، ويكون الأجمل لو حافظنا على هذه الروح في عوائلنا وشجّعنا أبنائنا على الصلاة. نحن نهتمُ جداً بأن يتعلّم أطفالنا وفي عمرِ مُبكرٍ علامة الصليب، وصلاة الأبانا والسلام الملائكي، وبعضُ التراتيل ... هذه كلّها مواقفَ تُفرِحُ قلبَ الربِّ، ولكن لماذا نتوقفُ فجأة عن مواصلة تشجيعِ أبنائنا على الصلاة؟ تعلّم الصلاة ليس شغلَ السنة الأولى أو الثانية من عمرِ الطفل، بل هدية وهِدايةٌ للعمرِ كلّه. لماذا لا نُعلّم أن الصلاة هي طلبٌ ليكونَ لله دوره في حياتنا وفي قراراتنا وفي مواقفنا؟ لماذا نلجأ الى كثير من الشعوذات ولا نفكر في أن الله ينتظرنا، وهو يُحب أن يسمعَ صلاتنا، ويرغب في مساعدتنا في الوقت المناسب له. نحن نؤمن أن الله يُريد خيرنا ولكن لا يُريد أن يكون بديلاً عنّا، لذا، ينظر إلينا ويفرح عندما تنفذ كل طاقاتنا تحت أنظاره لنسألهُ أن يكون إلى جانبنا. يروي لنا آباؤنا الروحيون عن أبٍ كان يُراقب إبنه الصغير وهو يُزيحُ حجارة كبيرة عن طريقهِ، ولكنه لم ينجح في ذلك، فجلسَ يبكي. عندها سأله أبوه: هل إستخدمتَ كلَّ طاقاتِكَ؟ قال: بلى يا أبي! أجابهُ أبوه: لكنّكَ لم تُفكّر في طلبِ مُساعدتي. الصلاة في البيت أمرٌ مهم جداً، صلاة عند بدء النهار، صلاة قبل الطعام، صلاة وقراءة الإنجيل مرّة في الأسبوع او اكثر، تشجيع أولادنا على مُشاهدة القنوات الفضائية مثل "النور سات"، تشجيع أبنائنا على سماع التراتيل ... كلها بذار حسنة ستنبت في المُستقبَل عوائل مسيحية ثابتة صالحة وقوية في إيمانها وشُجاعة في مواجهة تحدّيات الظروف وصعوباتها. لأن الصلاة لا تُلغي الصعوبات، ولا تُزيل الأحزان، ولا ترفع عن حياتنا الهموم، بل تُساعدنا في تحملّها، فنكون على يقين من أن لله مشيئة وإرادةٌ ستكون لخيرنا دوماً، لذلك نثبتُ في صلاتنا إليه من دونِ تراجع. لنعملَ من أجل أن تكون بيوتنا مثل بيت يوسف ومريم في الناصرة، فمن هذا البيت كان خلاص العالم وخلاصنا، وذلك بإعتنائهم بيسوع وبمُرافقته، وبحضوره معهم في هيكل الله، وفي بحثهما عنه إذا ضاعَ وغابَ عن أنظارهما. فلنطلُب عونَ الله أبينا في صلاتنا، ولنسأله أن يُثبّتنا في مسعانا، ولا يسمح لتجربة التراخي والكسل والشك أن تنسلَ إلى حياتنا، بل يحمل أيدينا وقلوبنا إليه، ويزيدنا إيماناً كل يوم. اليوم الثالث من أيام صومِ الباعوثا زمن الأعمال الصالحة (متى 6: 1- 18) يكتمل صومنا وصلاتنا دوماً بالأعمال الحسنة التي تنقوم بها والتي تنبع من قلبٍ نقي يرى في كلِّ إنسان صورة الله المُحِب. فالصوم والصلاة تخلي عن ذواتنا وإمتلاءٌ من الله. أن نفرِغَ المجال كلّه لله ليأتي ويملأ حياتنا، وأن نملأ أيدينا من أعمال الخير لقريبنا. وهذه كلّها: الصوم والصلاة والصدقة هي هدّية لإلهنا الذي دعانا إليه. من هنا يقول لنا ربّنا اليوم: صدقتُكَ وصومُك وصلاتك لاينبغي أن تُظهِرها امام للناس، وتتفاخر بها، بل أن تكون موجه الى الله أبيكَ وحده. أوصى الله منذ البدء بالأخوة المُحتاجين فخصَّ لهم الكثير من أقوال ألأنبياء، وبيّن لنا أنه المُدافعَ عنهم على الأرض فلا مجال للإنسان لأن يُقسي قلبه ويتجاهلهم ويُبخِل في مساعدتهم: "ولذلك آمُرُكم اليوم أن تفتحوا أيديكم لإخوتكم المَساكينَ المُحتاجينَ الذين في أرضكم" (تث 15: 11). ويُريد ربّنا اليومَ أن يجعلَ من أعمال الإحسان والصدقة تعابير عرفانِ الجميل لله، فيطلّب منّا أن نُخصصها له من دون ضجيج ما بينَ الناس، فإذا أردنا أن نُكرِم الله من خلال مُساعدتنا للفقير والمُحتاج، فليكن الأمرُ خفيةً، من دونِ طبولٍ أو تهليلٍ أو غناء. معلموّنا الروحيون كانوا يقولون دوماً: مَن يُساعد الناس خفيةً هو أعظمُ من موسى مُعلم الشريعة"، وهم يعلمونَنا أنه إذا وقفَ الفقيرَ أمامك، وقفَ الله عن يمينهِ، ليست مساعدتك موجهة لفقير فحسب، بل للإنسان الذي ترى فيه وجه الله فتخدمهُ بمحبّة صادقة غير منتظرين المُجازاة، لأننا نلنا المُجازاة مُسبقاً عندما وضعَ الله في طريقنا هذا الفقير أو المحتاج. عوننا وصدقتنا هي استجابة لدعوة الله، والله وحدهُ هو المعني بهذا الجواب، وهو الذي يقبلنا في ملكوتهِ تلاميذ أُمناء له لا لأنفسنا وافتخارنا. هكذا يكون عملُ الإحسان عملاً لخلاصنا، لا لأن الله يرضى عنّا ويقبلنا ويجازينا على الخير الذي صنعناه، بل لأننا من خلال صدقتنا الخفية التي لم يراها أحدٌ، ولم نُعلنها للناس، ولم ندقَ الطبول لنشرها، من خلال هذا الإحسان الخفي نتحدّى أنانيتنا، فالصدقة تحدٍ ومُحاربة للغرور والكبرياء فينا، وإسكاتٌ لصوتِ المُجرّب الذي يُريد الشُهرة الباطلة، ليكونَ عملٌ الإحسان عملَ تعبدٍ متواضعٍ نزيه مثلُ إلهنا المُنزّه. فلا أقفُ أمام الله لأُبرر ذاتي وأُطالبهُ بالمُجازاة، بل أقف وكُليّ تواضع شاكراً له هذا الإحسان الذي قدّمه هو لي، فرصةَ أن أكونَ خيّراً مثله، وهكذا حُراً من كل كبرياء وغرور باطلِ. هنا نفهم أن المعنى الحقيقي للصدقة هو تعبّد لله الواحد وهي ممارسة للعدالة، "العدالة" التي نُظهرُها تجاه الفقير، فالصدقة ليست كرماً منّا، بل واجبٌ علينا، فكلُ ما يملكهُ الإنسان إنما هو عطية وقرضٌ من الله الخالق، مالكُ الأرض كلّها، فإذا زادَ المال لدينا فهذا ليس لكي نخزنه بل لنتقاسمه. فالمُحسِن يُصلي الى الرب مع داود المُزمّر في قلبه عندما يُعطي صدقة: ما لنا هو لك وكلُّ شيءٍ يأتي منكَ. الإحسان والصدقة واجب على الجميع، حتى الفقير الذي يعيش على الصدقة عليه أن يُمارسَ الصدقة، لأن مَن يُمارس الصدقة يملأُ العالم طيبة ومحبّة، أي يملؤه من الله، وهكذا تتواصلَ الحياة التي يُريدها الله للإنسان. يُحكى عن فتى فقيرٍ كان يعمل مساءً ليتمكّن من تسديد أقساط دراسته. حدث يوماً أنه دقَ الباب على بيتٍ يطلب كوباً من الماء. فتحت له المرأة الباب ورأت أنه طفلٌ ضعيفُ البُنية فأعطتهُ كوباً من الحليب، فشكرها وغادرها فرحاً. إتفقَ بعد سنواتٍ طويلة أن المرأة تمرّضت وتطلّبَ الأمرُ نقلها إلى مشفى مُتخصص، يعمل فيه طبيبٌ ماهر. عندما رأها عرفها، فراح يعمل جاهداً على إنقاذها، ونجح َفي ذلك. سأل أهلُ المريضة عن فاتورة الحساب من المشفى، فإذا هي عالية التكاليف، ولكنهم إستغربوا عندما وجدوا على ظهر الورقة كتابة تقول: كل الحسابِ مدفوع بكوبٍ من الحليب"، وكانت الكتابة للطبيب المُختص. فالصدقة عملٌ يُخاطبُ قلبَ الله الذي لا ينسى كوب ماء يُقدم لفقرائه. ولكنَّ ربّنا قالَ: "ليظهر نوركم أمام الناس، فيروا أعمالكم الصالحة (متى 5: 16)، فكيفَ يُطالبنا بإخفاء هذا النور عن الناس؟ عندما سألت السامرية ربّنا يسوع: أين تكون العبادة الحقّة؟ أجابها أن العابدين الصادقينَ هم مَن يعبدون الآب بالروح والحق" (يو 4: 19- 24)، ربُّنا يُريدنا أن نعبدَ الآب بالحق، وهذا يعني أن نُؤمِن بأنه هو الله الذي نُحبُه من كلِّ القلب والفكر والقوّة، وهذا يعني أنني مُلزمٌ بأن تظهر فيَّ دوماً صورة الإنسان الذي خلّصهُ الآب برحمتهِ التي ظهرت لي بيسوع المسيح، والتي جعلتني تلميذاً أميناً ليسوع مُحباً له، محبّة ننسى فيها أنفسنا من أجل القريب، محبّة تلقائية لا تنتظر مناسبةً أو إحتفالاً أو تملقاً، بل تُحب وتُحسِن بشكل طوعي ومجاني ودائم. فنحن مُطالبونَ أن نُظهرنا مسيحيتنا عندما يلاحظ فيها الجميع تأثيرَ عمل الله: كلامٌ طيّب، قلبٌ خيّر، فكرٌ نقي، يدٌ معطاءة، صدقٌ ثابت، وأخلاقٌ نبيلة ... وكلّها هي تعابير شُكرٍ لله الآب، وهو الذي يقبلها ويباركها. يروي لنا آباؤنا الروحيون أن أحدهم أعطى القديس مكاريوس عنقوداً فاخراً من العنب، فتذكّر أن بجانبه نُساكاً مريضاً يحتاجِ إلى طعام مُغذي، فقام ووضعهُ خفيةً أمام منسكنته. رأى الناسك المريض هذا العنقود، ففكرَ براهبٍ آخر سيكون أكثر حاجةٍ إليه منه، فقام ووضعه أمام منسكته خفية، فيُقال أن هذا العنقود زار كل صومعاتِ صعيدِ مصر حتى وصلَ إلى القديس مكاريوس نفسه. فشكر الله على المحبة الصادقة الموجودة بين رُهبانهِ وعلى السخاء الوافر الذي أظهروه في تخلّيهم عن حاجاتهم من أجل حياة القريب وراحته. فيجب ان يكون صومنا لا بالإمتناع عن الطعام فحسب، بل بالإمتناع عن كلِّ ما يُعيقُ حضورالله في حياتنا: تكبّرنا، غرورنا، إسمنا ومكانتنا إنجازاتنا ... وهكذا في صومنا وصلاتنا نُعلِن إيماننا بأننا نعبدُ الله وحده دون سواه، ونعمل على تزيينَ حياتنا بأعمال الخير التي تُفرح قلبَ الله، فنكسر للجائع خبزنا، ونُدخِلَ البائيسنَ بيوتنا، ونكسو العُريان ثوباً (إش 58: 7)، لأن الصوم لا يعني الإمتناع بل العطاء، عطاء الحياة كلّها لله وللقريب.
قراءة 2625 مرات آخر تعديل على %AM, %30 %055 %2015 %03:%تشرين2

3 تعليقات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *