المواعظ
%PM, %26 %636 %2015 %17:%تموز

الأحد الثالث من الصيف/ حتى تظهر قُدرة الله وهي تعمل فيه - يو 9: 1- 38

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
المطران بشار متي وردة
الأحد الثالث من الصيف

حتى تظهر قُدرة الله وهي تعمل فيه (يو 9: 1- 38)

واجهَ ربّنا يسوع المسيح ظلمة مواقف الكتبة والفريسيين والذين كانوا متزمتين بأفكارهم ولم يكونوا مُستعدين للتنازل عنها، لأنهم قسّوا قلوبهم لسماع كلمة الله التي كُشفَت لهم بيسوع المسيح. لقد رفضوا حُرية الله وسجنوه في نصوص الشريعة، ولم يُؤمنوا بأنه قادرٌ على أن يظهر حُراً من أفكارهم، لذا، رفضوا ربّنا يسوع المسيح، وحسبوا قُدرةَ الله التي ظهرت فيه خطيئة يجب أن يُعاقَب عليها. طالبهم ربّنا يسوع في أكثر من مناسبة ليخرجوا من سجنهم هذا، وينفتحوا لكشف الله، ولكنَّ خوفهم منعهم من ذلك. وعوضَ التوبةَ والاهتداء إلى كشفِ الله، ملءَ الحسد قلوبهم فراحوا يحيكون المؤامرات للقبض عليه والتخلّص منه. لقد نسوا إنهم خُداّم كلمة الله، وليسوا هم المشرعونَ، وعوض أن يطلبوا من ربّنا أن يُعينهم في فهمِ كشفِ الله والتعمّق فيه، فيشرح لهم ويُفسّر لهم الكُتبَ، مثلما فعلَ مع تلميذي عمّاوس (لو 24: 13- 35)، يُغلقونَ أبواب الحوار ويهربون من المواجهةَ المُباشرة، ويُثرثرونَ هنا وهناك لأنهم يخافون المواجهةَ.
ولكنَّ يبقَ السؤال الأهم هو: لماذا، وعلى الرغُم من كل ما صنعهُ ربّنا يسوع، رفضَ الفريسيونَ والكتبةَ ورؤساء الكهنة الإيمان به ابناً لله الذي أظهرَ فيه كلَّ قدرتهِ؟ أيمكن أن يكونَ العمىَ قد سيطرَ عليهم لدرجةٍ أنهم لم يروا فيه قدُرة الله؟

يُمثل معارضو ربّنا يسوع عالمنا الذي يبحث عن مجدهِ ويتسوّل مديح الناس وتصفيقهم بشتّى الطُرق والأساليب بحثاً عن العظمة والسُلطةِ، وعندما لم يحصلوا عليهِ، بل هناكَ مَن حصلَ عليهِ وبامتيازٍ، حسدوهُ وعارضوهُ، ورغبوا في التخلّص منه. حُبهم لمجدهم كان أكبرَ من حُبهم لمجد الله، وهذا واضحٌ من رفضهم لراحة الآخرين، وحين شاهدوا خلاص الله بيسوع المسيح، رفضوه لأنهم ليس حسب أفكارهم، فثارت فيهم مشاعر الحسد والخوف، عوضَ أن يستسلموا لإرادة الله والذي سيُصحح لهم المسيرة.
يروي لنا آباؤنا الروحيون عن أن مسؤولاً كبيراً زارَ أحد المدارس، ودخل إلى مختبر الفن والرسم، وسأل أحد الطلاّب: ماذا ستفعل لو أنك وضعتَ على لوحتك لوناً ولم يُعجبكَ؟ هل ستُمزق اللوحة وترسمها من جديد؟

أجابَ الطالب: كلاّ: بل سأترك الفرشاة بيد مُعلمي، فهو فنانٌ عظيم وسيُصحح عملي ليكون جميلاً بيده. وهذا ما أرادَ ربّنا يسوع أن يكشفهُ لتلاميذه وللجمعِ كلّه. سيكون في حياتنا أخطاء، ولكن لنترك لله المجال ليُصحح هذه الأخطاء، فيؤول كلُّ شيءٍ لمجدهِ، ومجد الله يكون بأن نُؤمن به وبالذي ارسلهُ؛ يسوع المسيح، الذي لم تُوقِفهُ مُصيبةُ هذا الإنسان، بل أعلنَ أن كلَّ شيءٍ يؤولُ لمجد الله. ربنا يسوع لم يُنكِر مرضَ هذا الإنسان ومصيبتهُ، ولم يهربَ من مسؤوليتها حتّى يكشف مَن هو سبب المُصيبةِ، على العكس، هو الذي رأى، وهو الذي بادرَ مؤمناً أن هذه المصيبة ستعبرُ بنا إلى الله، فنادى الرجل ليأتي إليه، وأرسلهُ وقبلَ هذا الأعمى اختيارَ الربِّ له مع أنه لم يكن يعرِفه، إلا أنه لا يمتلِك سوى الإيمان. لقد قلبَ ربّنا حياتهُ كلياً، فعوضَ الهدوء والتعاطف الذي كان يحظى بهِ من الناس، صارَ سبب أزماتٍ وانقساماتٍ بين الناس، ولم يلقَ إلا الشكوك والإهاناتِ، حتّى أن والديهِ، وخوفاً من اليهود تخلّوا عن مسؤوليتهم وعن مُساعدتهِ. سهُ ربّنا بنورِ الإيمان، لكنه جعلَ حياته في فوضى عارمةِ بل تركهُ وحدهُ يواجهَ العالم الرافض لكشف الله، ولكنَ الأعمى أكدَّ للناس: هذا الرجل هو من الله. وهكذا تنعمَ بالشفاء الجسدي والروحي معاً.

وُلدنا من عائلة مسيحية، وعُمذنا وكبرنا ونحن نتعرّف على مسيحيتنا، ونعرِف أننا نواجهُ ظلماتِ هذا العالم وتجاربهِ القاسية والتي تُريد تسعى لأن تُخفي نورَ المسيح من حياتنا. كم من قصص وخبرات حياتية نتراجعُ فيها عن الكشفَ عن هويّتنا المسيحية، خوفاً على مجدناً وسعياً وراء راحتنا الجسدية؟ حتّى ولو كان هذا على حساب مجد الله. نعيش يومياً صعوباتٍ وأزمات مُختلفة وعوضَ أن تجعلنا أكثر إيماناً وثباتاً بيسوع المسيح، ترانا نتراجع خائفين وكأنَّ الله تركنا. فتأتي بشارة إنجيل اليوم لتُطمئننا: لا تخافوا، فكلُّ شيءٍ يؤولُ لمجد الله للذين آمنوا. نحن نتزعزع أمام الأزمات، ونبحث عن الأسباب وعن مختلف الطُرق لتفادي المشاكل، أما الطريق الوحيد الذي ننساه دوماً هو أن نؤمن أن الله لم ولن يتركنا، حتّى وإن أخطأنا المسيرة والاختيار.

 

image
قراءة 46890 مرات

120 تعليقات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *