المواعظ
%AM, %15 %270 %2015 %08:%تشرين2

الأحد الثالث من تقديس البيعة - هيكل الله: الله هو الأول- يو 2: 12- 22

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

المطران بشار متي وردة

 

الأحد الثالث من تقديس البيعة
هيكل الله: الله هو الأول (يو 2: 12- 22 )

دخلَ ربنا يسوع هيكلَ الله في أورشليم، الهيكل الذي فيه تُرفعُ صلوات الشُكرِ والتضرع لله الآب، فوجدَ أنه غير قادرٍ على الصلاة بسبب ضجيج الباعة، فغضبَ وقامَ بطرد الباعة ليتنقّى الهيكل ويُصبحَ مكاناً مناسباً للصلاة. فليس المهم ما نُقدمه لله في الهيكل، بل المهم أن نستقبل الله الآتي إلينا ليجعل من حياتنا هيكلاً. لذا، يُريد ربّنا يسوع أن يُزيل كل ما لا يليقُ بهيكل ابيه، ليكون اللقاءُ بالله لقاءً نزيهاً وهادئاً.

أحبَّ ربنا يسوع هيكل الله منذ صغره فتعلّقَ قلبهُ به أكثر من ارتباطه بأمهِ، وها هو يصعدُ إلى الهيكل ومن الهيكل يُريد الصعود إلى أبيهِ من خلال سخاء المحبة، وبذل الذات الكامل على الصليب. ففي المحبة يلتقي الله الإنسان، وهذه المحبة لا تقبل المراوغة أو المتاجرة. لأنها محبة صادقة لا غشَّ فيها. فكان على ربّنا اليوم أن يُعيد الأمور إلى نصابها الصحيح ليجعل بيت أبيه مكان الصلاة، حيث يلتقي الله بالإنسان، الهيكل المبني على محبة الله، ويجعل هكذا من حياة كل إنسان هيكلَ محبة الله. يشرح لنا القديس متّى أن ربّنا، بعد أن طردَ الباعةَ من الهيكل، شفى كثيراً من المرضى في الهيكل، لأنه حضور الله المحُب. ربّنا ألغى الذبائح التي كانت تُقدم في الهيكل، وقدّم نفسه بدلاً عنها، فصارت محبتهُ التي ستُكلفه حياتَهُ عطية لله كاملة، وبذلك بنى هيكلاً لا من الحجارة، بل من المحبة التي تُحيي، وهذه المحبة لا ترضى بالغش، ولا يُمكن أن تُصنّف الناس إلى أغنياء وفقراء، أصلاء أو غرباء، يهود أو وثنيينن مثلما كانت العادة في الهيكل. فمثل هذه التصنيفات تناقض عدالة الله ومحبته وتخالف قداسة الهيكل، وسوف تسبب دماره، والله لن يحمي هيكلاً فاسداً. فالمحبة والخدمة الطيبة الشافية هي سمات الهيكل الجديد الذي لن تقوى عليه أبوابُ الجحيم.

ولكن المحبة والرحمة لا تعني أن المسيحي أضحى كنيسةً للمسيح، بل أن هنالك ما هو "أعمق"، فرسالة إنجيل الأحد الثالث من تقديس الكنيسة لها ما هو خاص جداً. فالكنيسة تتقدّس بمقدار ارتباطها بربنا يسوع المسيح. اليوم، يُقدِم ربّنا يسوع نفسه هيكل الله الجديد، وهذا يعني أننا لن نستطيع الوصول إلى الله ما لم نتّحد به، فالعلاقة معه أضحت ضروريةً للقاء الله. وكلما إمتلأت الكنيسة من المسيح اختبرتَ قداستها، فالكنيسة لا تتقدس إلا بالمسيح، ولا تكون رسالتها صادقة إلا إذا أعطت يسوع المسيح للعالم. المسيحية ليست مُشترعاتٍ أو قوانين، ولن تكون تقادم مادية، بل علاقةٌ وثيقةٌ بربنا يسوع المسيح، الذي يُريد ان يُغيّر حياتنا فيجعلها على مثالهِ: مسكنَ الله العلي. وهكذا يتحقق سرّ التجسد، أي إتحاد الله بالإنسان بيسوع المسيح. ففي الكنيسة، ومن خلال الافخارستيا يتحقق هذا الإتحاد، لأن الافخارستيا ليس حضور يسوع المسيح، بل هي "إتحاد" ربّنا يسوع المسيح بنا، وهذا الإتحاد يتطلّب الحضور، فنحضر أمامهُ شعباً واحداً، ونتصافح علامة للمودة والسلام الذي يربطنا معاً، ويدعونا لنكون الافخارستيا التي نحتفل بها، وهذا هو الهيكل الجديد الذي اراد يسوع ان يبنيه (يُقيمه).

ربنا يُريد أن يجعل من قلبنا هيكلَ صلاة يستقبل الجميع ويحتضنهم فلا يُفرِّق بين هذا وذاك، ولا يُبعِد احداً عن محبته واهتمامه، ولا يصنفهم نظرة البشر، بل يجد الجميع فيها قلباً منفتحاً ومحباً، ومثل هذا القلب لن يتغلّب عليه إبليس، ولن تغزوه الوثنية، لأنه قلبٌ مُحبٌ ومتعلّقٌ بربنا يسوع المسيح. وهكذا يكون الله هو مركز عبادتنا ولن يبعدنا عنه شيء! فبيت الله هو لله وفيه نعبدهُ دون سواهُ. وعندما دخلَ ربّنا يسوع هيكل أبيه وجدَ فيه عبادات أخرى، بل هناك مَن يُبعِد الناس عن الله، فصارَ الناس الذين يأتون للصلاة ينشغلون بأمورٍ أخرى غير الله، بل يعبدون آلهة مزيفة، ويعلّمون كل ما هو غير صحيح عن الله. لذا، يعلو صوت ربّنا ربنا يسوع في الهيكل: أنا سأبني هيكل الله.
ربّنا يسألنا اليوم: إذا جاء ليُصلي في قلوبنا أترى سيجد مكاناً للصلاة؟ أوَ يكون قادراً على محاورتنا؟ أم اننا منشغلون بأمورٍ كثيرة تجعل من الصلاة أمراً مُستحيلاً لنا وله؟ فربنا يُريدنا كنيسة تُصلي إليه وتفكر فيه وتشعر بشعوره وتُحبُ ما يُحبُهُ هو. فلا نظن أننا بصلاتنا أو بذبائحنا قادرون على امتلاكِ الله، بل علينا أن نؤمنَ بأننا بمحبتنا التي هي مثل محبةِ ربنا يسوع، سنجعل من حياتنا هيكلاً، وهذا يعني أن نتعهد السير خلف ربّنا يسوع المسيح: "انقضوا هذا الهيكل وأنا أبنيه ِبثلاثةِ أيامٍ". ربّنا يُريدنا أن نكون هيكلاً ينتظر الله موجهاً الى عبادة الله الأصلية. فنحن كثيراً ما نأتي للصلاة ونتوقف عند حاجاتنا: خراف وبقر وثيران وأموال وصيارفة، وننسى حضورَ الله في حياتنا. ففي حياتنا أمور صارت أكثر أهمية من الله، وإلهنا لم يعد في المركز، بل صارَ ثانوياً.

اليوم نحن بحاجة إلى تدخّل ربّنا يسوع ليُطهرَ عبادتنا لله من كل الوثنية التي فيها، ويبنى هيكلهُ بالمحبة، فيتسنى لنا ان نحيا المحبة التي نلناها نعمةً من الله في هيكلهِ وان ننقلها للآخرين، كل مَن يلتقينا سيلتقي الله. لأن أجسادنا هي هياكل لله مثلما قالَ الرسول بولس، ففينا يُعبُد الله: الله هو الأول

 


image

قراءة 8737 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *