مقالات عامة
 الإكليريكي ميلان صباح عوديش

الإكليريكي ميلان صباح عوديش

الجمعة, 22 حزيران/يونيو 2018 14:04

كيف نمتلئ من رائحة يسوع؟

لنتأمل جميعنا في هذا السؤال، الذي قد يكون غامضًا وصعبًا لبعض الناس، وواضحًا وسهلاً للبعض الآخر. ولنسألْ أنفسَنا، خاصة في هذا الزمن المليء من الضجة، هل الامتلاء من رائحة يسوع أمرٌ كافٍ؟ أم علينا، بعد أن نمتلئ من عطر يسوع، أن نجعله يفوح منّا، وتشاركه مع الآخرين بمحبّة كاملة وإخلاص؟

الامتلاء من رائحة يسوع يعني الامتلاء من روح يسوع نفسه، كم يجب علينا أن نمتلئ اليوم من شخص يسوع وروحه، وهو الذي قدم لنا صورةً فائقة الجمال ومفعمةً بالحبّ، التواضع، التضحية والرجاء... وكم نحن اليوم بحاجة إلى عيش تلك الأفعال في حياتنا اليومية، مع أنفسنا ومع الآخرين.

الامتلاء من رائحة يسوع يعني أن نعتبره صديقاً وثيقاً لنا، ومرشداً لحياتنا. يسوع هو الراعي الصالح، الذي يبذل نفسه من أجل الخراف، هكذا هو راعينا، لا يتركنا لنضيعَ وسط هموم الدنيا وصعوبات الحياة، بل يحفّز فينا دائماً اليقظة، لنبحثَ عنه ونحبَّه، معه وبواسطته فقط، يمكن لمسيرتنا وحياتنا كلها أن تمتلئ جمالاً صافياً.

الامتلاء من رائحة يسوع هو امتلاء من الحياة والرجاء، لأنه هو مصدر الحياة والرجاء، ذاك الذي لم يبخل بحياته بل قدمها مضحيًا بمحبة كي يحفظ حياتنا ويعطينا الحياة، فنحيا ونتقوى به وفيه، حينما تكون حياتنا مليئة من رائحة يسوع لا يقترب منا الشرير، يقول احد الآباء الروحيين "حيث يكون يسوع لا يوجد الشر" لأن يسوع هو ملء الخير.

هدف رسالة ربنا يسوع المسيح أن يُرجع الإنسان إلى الحياة، بمعنى آخر، أن يعطيَه حياةً جديدةً أبدية. فكم بالحري نحن اليوم بحاجة إلى الامتلاء من يسوع كي نعيش حياة جميلة ومفعمة بالمحبّة اللامتناهية! يقول البابا فرنسيس في أحد لقاءاته: "ينبغي لنا أن يشم الآخرون منا رائحة يسوع" أي أن تكون حياتنا شهادة حيّة للمسيح، لا أن نكون قساة القلوب تجاه الآخرين، بل نكون على مثال يسوع في رسالته وحياته.

نصلي ونطلب من ربّنا أن يعطينا نعمته لتمتلئ ذواتنا من رائحة يسوع، لتفوحَ منّا وتعطّر الآخرين. ففيه ومعه فقط، نستطيع أن نسير في الطريق الصحيح ونعطي لحياتنا جمالاً معطَّرًا ومعطِّرًا .. آمين.

 

7CB6AAE0 3D9C 4753 B261 4556D8A4D085

الخميس, 17 أيار 2018 21:38

كُنْ أنت!

نسمع هذه العبارة كثيرًا: (كن أنت).. لكن في الحقيقة قليلون يعيشونها في حياتهم. (كن أنت) تعني: كن نفسك على طبيعتها ولا تكن مصطنعًا ولا ترتدِ وجهًا أو قناعًا أمام الآخرين، بل قدّم ذاتك كما هي، كما تريدها أنت، وليس كما يريدها الآخرون.

كن أنت! أي اكشف ذاتك للآخرين، وقدم صورتك الحقيقيّة لهم. لأن إحدى المشكلات التي نواجهها في حياتنا اليوميّة هي الزَّيف، أي عدم تقديم هويتنا الحقيقية بل أخرى مصطنعة لا تحمل قبسًا من كياننا وفكرنا، نتيجة هوسنا ربما بالـ(الفيكات=المصطنعات الزائفة).. (من الأصل الإنكليزي fake ويعني مزيَّف أو مُزَوّر)

كن أنت في عيشك مع الآخرين!
كن أنت في صلاتك!
كن أنت مع ذاتك!
كن أنت في علاقتك مع الله!

حينما تطبق ذلك في حياتك، ستعرف هويتك الحقيقية، هويتك الشفافة التي تحمل صورتك المشعة بوجه نظيف خالٍ من كل زيف. كن أنت، بمعنى كن فريدًا من نوعك أمام الآخر، كن متميزًا أصيلًا غير مقلَّد ولا مقلِّد، شارك كل ما تملكه من حقائق كامنة في عمق ذهنك وقلبك مع الآخر. لأنك لن تكون أنت، بروحك وشخصيتك المتميزة إلا حينما تكون واثقًا في نفسك أولاً، ومن ثم بالآخر .
حينما يستطيع أي إنسان أن يعرف ذاته ويكتشفها، يصبح قادرًا على مواجهة الحياة والتغلب على كثير من صعوباتها. حينها سيكون صاحبًا نقياً، كما يعلمنا يسوع، من خلال التواضع والمحبة والشفافية تجاه لله والقريب.
ربنا يسوع المسيح، له المجد، يريدك أن تكون أنت، قد خلقك الله فريداً من نوعك، ومن خلال هذه التفرّد يدعوك لتقدم رسالته للشعب والكنيسة. كما يدعو كل واحد منّا إلى أن يبني من ذاته إنساناً حقيقياً حاملاً رسالة المسيح وتعليمه، وينشره بأمانة وصدق للآخرين.
كن أنت في القرارات التي تتخذها في حياتك، لا تترك مجالاً لأحد ليقرر عنك، فأنت تعرف ذاتك وتعرف ماذا تريد من الحياة، عليك فقط أن تترك مجالاً واسعاً لله لكي يدخل إلى أعماقك ويساعدك في اتّخاذ القرارات، فهو يعلم جيّدًا خيرك ويرشدك لتتخذ قرارًا صحيحًا أو صائبًا.

يا رب، نسألك أن تساعدنا في كل أيام حياتنا، في أوقات الفرح أو الحزن، القلق أو الصراعات، أمام جميع المعوقات، كي نستطيع أن نتعامل معها بشكل واضح بعيد عن الإزدواجية، فنكون أنفسنا. ونطلب منك أيضاً أن تدخل إلى ذاتنا كي تزدان بمحبتك ... آمين

الأربعاء, 02 أيار 2018 19:37

لا تزرع الزؤان

حسب مفسري الكتاب المقدس، يدلّ الزؤان على الشر، لذا استخدم يسوع الإشارة إليه في أحد الأمثال، للتمييز بين الخير والشر، فالزؤان نبات مرٌ بطبيعته شبيه بالقمح ينبت معه، لكن لا يمكن التمييز بينهما إلا بعد نموّ وإنبات السنابل‏.

‏لا تأتي زراعة الزؤان ‏في الحياة ‏إلا بغلّات الكراهية والحقد، لأن غاية الشر ليست إلا أن يدمر حياة الإنسان ويشوّه صورته ويطعن في وكرامته. أليس الأجدر بنا اليوم أن نَفلَح أرض حياتنا بشكل جيّد، وأن نهيئها ‏لنزرع ‏فيها ‏المحبة، ولاشيء سواها، فلا نترك مجالا للزؤان كي ينبت فيها؟ فربنا ‏يسوع المسيح يدعونا إلى أن تكون أرضنا جاهزة دائمًا ليزرع فيها ابن الإنسان كل ما هو خير لنا وللآخرين، فتعطي ثمارًا مئة ضعف وربما أكثر.‏

لو فكّر كل واحد منا يفكر أن يزرع الخير في حياته لنفسه وللآخرين، سنستطيع حينها أن نعيش حياة سعيدة مليئة من بركات الله. وقتئذٍ سنستطيع النظر إلى العالم بإيجابية وسيكون ‏من الممكن جدا أن يغمر التفاؤل حياتنا.

‏لا تزرع الزؤان في حياتك، ‏لا تمكّن الشرَّ من إفساد تلك الحياة التي أعطانا إياها يسوع هبة مجانية، والأحرى بنا أن نكرمها ‏‏وأن نجعلها مقدسّة دائماً وأن نخصصها لتمجيد اسم الرب.

كيف ننظر اليوم إلى الزؤان في حياتنا؟ ‏في الحقيقة الزؤان هو كل عائق أو حاجز يعترضنا في حياتنا محاولا باستمرار أن يبعدنا عن الله. نعلم أنه لابد من وجود الخير والشر في حياتنا اليومية، لكن، باستطاعتنا أن نختار بينهما (أن نزرع الحنطة أو الزؤان). وهذا ليس بالأمر السهل، فهو يحتاج إلى فهم عميق لمعنى الحياة وأن نكون أحراراً لاختيار الشيء الإيجابي لحياتنا عندها سنكون قادرين على التغيّر من الشر إلى الخير، ‏فلنسارع إلى هذا التغيير قبل يوم الحصاد، فحينها سيُجمع الزؤان للحرق أما الحنطة فإلى مخازنها، اِزرع حنطة، اِزرع محبة الله اللامتناهية، فتتزين حياتك والآخرين بجمالها.

نطلب من ربّنا أن يساعدنا على قلع الزؤان من حياتنا، منمياً محبته في أذهاننا وأعمالنا. مبعداً عنّا كل الأهواء الشريرة المؤدية بنا إلى الهلاك، ونسأله أن يقربنا من صورته الخلاقة كي نشبع منها، ويغمرنا بفيض نعمه وإحساناته ... آمين.

الإثنين, 19 شباط/فبراير 2018 21:31

اِنهض أيها الشاب …!

"اِستيقظ أيها النائم! وقم فيضيء لك المسيح" (أفسس ٥: ١٤).

تحديات كثيرة يواجهها الشباب اليوم، لكني سأتوقف عند ظاهرة (النوم) أو غفلة الشباب عن الإيمان والممارسات الدينية، إذ صرنا في أحيان كثيرة نسمع الشباب يتحدثون عن قدراتهم الذاتية وبالتالي انتفاء الاحتياج إلى (الله) الأب، الخالق والمحب، وغدت ظاهرة الإلحاد واسعة الانتشار وتفرض نفسها علينا وربما أصبحت تشكل التحدي الأكبر في حياة شباب اليوم.

اِنهض أيها الشاب، إن الوقت يمر وأنت مازلت في نومٍ عميق، اِنهض وافتح عينيك على العالم، كفى نوماً، إذا بقيت نائماً ستحيا كل حياتك في الأوهام والأحلام، لكنك مميّز ولك القدرة على النهوض والاستيقاظ من هذا النوم، وتستطيع الخروج إلى هذا العالم لاكتشاف سر الله وقدرته.

ما الذي يدفعنا للحديث في هذا الموضوع؟ ربما لأن الصمت إزاء هذا الشأن ليس الخيار الأفضل، أو قد تكون غيرتي على الكنيسة تأكلني ولا تسمح لي بالاكتفاء بالفرجة بينما يعاني شباب الكنيسة أزمة إيمان وهم المدعوون ليكونوا مؤمنين وقديسين. نعلمُ أن عيش الإيمان في عالمنا اليوم أمر صعب، فالعالم مليء بالإغراءات الجسدية والفكرية، فهل يمكن للإنسان أن يحيا محبة المسيح الحقيقية مع الآخرين ويبقى محافظاً على الإيمان في عالم كهذا؟

أيها الشاب، عندما تقول أنا لا أؤمن بالله! هل فكرت أولاً فيما تقول؟ عندما تقول: "أنا لا أشعر بوجود الله في حياتي"، هل فكرت في الأسباب؟ ربما لأنك لم تبحث عن الله لذا لم تعرفه! لو عرفت الله، ولمست محبته لما قلت هذا الكلام اليوم، لأن الله أبونا وخالقنا هو ملء الحب ومصدره، "ومن لا يحب لم يعرف الله لأن الله محبة" (ا يو ٤: ٨).

أيها الشاب، كما يتناسى بعض الأبناء محبة الأب ويعتقدون أنه مراقب أو مشرف على حياتهم، يضايقهم بالتعليمات ويخنقهم بالإرشادات، هكذا تكون النظرة أحيانا إلى الله، لكن إن كنت تثق بأن أباك وخالقك منحك الحرية المطلقة وجعلك كائنا حراً مميزاً بين كل المخلوقات، ويريد منك أن تعيش بكامل الحرية، مسوؤلاً ، دون قيود، فستفكر ملياً قبل أن تقرر الابتعاد كالابن الشاطر.

في الحقيقة الله هو الحياة، من لا يؤمن بالله ليست له حياة، أما الإلحاد فهو طريق الموت، ونتائجه تؤدي إلى الهلاك والظلام. حينما تحتل أفكار كثيرة موقع الألوهية في حياة البعض، كتحقيق انجاز ما أو بلوغ منصب أو الفوز ببطولة، وسوى ذلك من المجد الدنيوي الزائل، دون أن يعرفوا أنها أصنام زائفة مشوهة، تجعلهم ألعوبة للشيطان يحركهم كما يشاء، أما قمة الحقيقة المطلقة هي عند الله، لأن الله هو ملء الحقيقة.

كن واثقا أن الراعي الصالح سيبحث عن الخراف الضالة، ولكن لا تنتظر أن يأتي إليك الله، بل حاول أنت أن تبحث عنه وتتقرب إليه، متأكداً بأنه سوف يقبلك بكل فرح ويجعلك ابناً له ويسكنك في قلبه.

أسئلة للتأمل: هل لحياتك معنى؟ لماذا يجب أن يوجد الله دائماً في الحياة؟ إلى أي مدى تبقى في نوم أمام المعنى؟

النهوض من النوم هو معنى بحد ذاته، فمتى تستيقظ أيها النائم! وتقوم فيضيء لك المسيح؟ حينها كل عمل تقوم به، سيكون الله فيه، معطياً معنى حقيقيا لوجودك وحياتك، لأنه هو الحقيقة المطلقة.

أطلب من الرب أن يحفظ شبابنا من فكر الإلحاد، وينير أذهانهم وطريقهم كي ينهضوا منطلقين إلى العالم ويروا النور الحقيقي ويتلذذوا بمعنى الحياة.. آمين.

الخميس, 01 شباط/فبراير 2018 19:14

أين أنا؟

في حياة كلِّ واحدٍ منا تساؤلات عديدة لابد أن نتوقف عندها، ومنها السؤال: "أين أنا؟" وربما يكون أكثرها إلحاحًا، لكن إجابته قد تكون صعبة للغاية لأنها لا تنتهي بكلماتٍ بسيطةٍ، بل لها احتمالات كثيرة، على سبيل المثال: أنا في البيت؟ أنا مع أصدقائي في مكانٍ ما؟ أنا في العمل؟

هذا السؤال يرجعنا إلى جوهر علاقتنا مع الله، الذات، القريب والعالم، فنتساءل: أين أنا من دعوتي، من حريتي، من تحقيق ذاتي، من تمجيد الله في حياتي؟ أين أنا من مسؤوليتي تجاه الآخر والعالم؟

في أحيانٍ كثيرةٍ لا نسأل أنفسنا هذا السؤال: "أين أنا؟"، بل الله هو من يسألنا: "أين أنت؟"، وأنا، ربما لا أستطيع إجابته، فأنا في الأصل لم أكن أعلم بأن لله قد يسألني هذا السؤال، لأني منغمسٌ في الأمور المادية والدنيوية التي تبعدني عن الله، وقلما أفكر فيه وأحاوره.

لكن الله دائم البحث عن الإنسان وكثير السؤال عنه، ففي بدء الخليقة حينما يسقط آدم (الإنسان - أب البشرية) في الخطيئة، فيبتعد عن الله ويحاول الاختباء منه، نجد الله يسأل: "أين أنت؟"، فهل نظن أن الله الذي خلق الإنسان (آدم) لم يكن يعرف أين هو ليسأله: "أين أنت؟".

لكن الله لا يسأله عن موقعه الجغرافي بل أراد أن يوجه تفكير آدم وشعوره ليتساءل: أين هو من ذاته؟ أين هو من الله؟ لماذا يبتعد؟ وأين سيختبئ من خالقه؟ هكذا كان الله منذ بداية الخليقة، وما يزال، يسأل كلَّ واحدٍ منّا: "أين أنت؟"، وينتظر من كلِّ واحدٍ جوابًا.

كيف أستطيع الإجابة عن هذا السؤال "أين أنا" اليوم؟ في الحقيقة، نحن بحاجة إلى جهدٍ كبيرٍ كي ندخل في علاقة صادقة وحميمة مع أنفسنا، ومن ثم مع الآخر وبالنتيجة مع الله، بغية اكتشاف ذواتنا محاولين الاقتداء بمثال بيسوع المسيح، فنسلم لله طاقاتنا وإمكانياتنا بمجملها حتى نعيش بحسب مشيئته فنكون أناساً صادقين ومحبين لذواتنا وللآخرين.

زمننا مليء بالصعوبات والتجارب وغارق في المادية، لكنه لا يخلو أيضا من مدعي المثالية، فلننتبه اليوم إلى سلامنا الداخلي، وكيف نكون محافظين على عالمنا الداخلي فنصير أقوياءَ به وفيه، ومن ثم نستطيع التعامل مع العالم الخارجي المغري والشهواني دون أن نغرق في شروره. إذا علمنا "من نحن" لن نبتعد عن العالم، بل سنكون مع العالم ونعيش بفرحٍ ورجاءٍ كاملين "لا أَسأَلُكَ أَن تُخرِجَهُم مِنَ العالَم بل أَن تَحفَظَهم مِنَ الشِّرِّير" (يو ١٧: ١٥).

أين أنت؟ وأين أنا؟ أين نحن؟ هل نعيش في حديقةٍ غنّاء نَطرَب لتغريد البلابل والعصافير مستمتعين بأعذب الأصوات؟ أم أننا في صحراءَ مليئةٍ بالغربان السود تصمُّ آذاننا بنعيقها المزعج؟

هكذا نحن في الحياة، فأيهما نختار، أن نكون مع الله الذي هو ملء المحبة؟ أم مع العالم المادي الزائل الذي يريد أن يتحكم فينا ويقودنا إلى الهلاك؟ خلاصة القول: إن الكنيسة تدعونا أن نكون في العالم، ولكن متحدين مع المسيح ونحيا معه، لأن الحياة بدون المسيح لا طعم لها ولا معنى. وتدعونا أيضاً إلى أن نفسح المجال واسعاً ليسوع، لكي يدخل في حياتنا (الأنا) وينعشها حتى لا نتعثر ونغرق في هذا العالم الصعب ومغرياته الباطلة.

في الختام، من الضروري جداً أن نجدد علاقتنا مع يسوع يومياً، فكل مسيحي مطلوب منه أن يعيش زمن التجديد، ويكتشف كل ما هو جديد، لأن هذا التجديد يساعدنا على اكتشاف (الأنا) الداخلي فتمكن من الإجابة عن السؤال: "من أنا؟".

أطلب من الرب أن يدخلنا في عالم المسيح كي نكتشف ذواتنا بحسب طريقته ومشيئته، ويبعدنا عن إغراءات العالم الزائل المسببة لابتعادنا عن المسيح. وأسأله أن لا يجعلنا غرباء عن ذواتنا، بل يساعدنا على فهم حقيقتها و يرشدنا إلى كيفية تحقيق دعوتنا... آمين.

 

IMG 6240

السبت, 16 كانون1/ديسمبر 2017 13:03

لنجعل من مغارتنا حياة .. ومن حياتنا مغارة!

لنجعل من مغارتنا حياة .. ومن حياتنا مغارة!

في مثل هذه الأيام من كل عام يصنع الناس المغارات في بيوتهم أو أماكن عملهم، فنسأل: هل تلك المغارات هي ذكرى حية تروي قصة الميلاد، أم هي مجرد منظر وخلفية لالتقاط الصور بغية عرضها على مواقع التواصل الاجتماعي؟ الإجابة لا أعطيها أنا، بل أدعوكم من خلال هذا التأمل البسيط إلى التفكير ومراجعة أنفسنا كي نعيش حدث الميلاد فيكون حيًّا في فكرنا وحياتنا.

كم نحن اليوم بحاجة إلى الوقوف أمام المغارة كي نتحدث مع الطفل يسوع؟ أن نهيئ أذهاننا وقلوبنا كي تغدو مكاناً يليق ليولد فيه الطفل المخلص. المغارة تساعدنا وتقودنا من أجل الالتقاء بالمسيح.

حياتنا أصبحت غارقة في الضوضاء وضجيج هذا العصر، وما عدنا نفكر إلا في المباهاة والتقليد، حتى مغارة الطفل الإله، المتواضع المولود في مذود، لم تسلم، وصارت إحدى غاياتها أن تشارك في (مسابقة أجمل مغارة)، وربما أفخمها وأكثرها تكلفة، فتجمع أكبر قدر من الإعجاب من قبل رواد مواقع التواصل الإجتماعي، ويذيع بالتالي صيت صاحبها ويرتفع بضع درجات في سلم المجد العالمي!

لكن السؤال هو: هل نفكر ونحن نحضر مغارة البيت أن نصنع مغارة داخلية في هياكل قلوبنا؟ من منّا يفكر ويعيش روحانية المغارة مع نفسه وعائلته وكل الذين حوله؟ من منّا يحاول من خلال حدث ولادة المسيح أن يتغير جذرياً وأن يولد مع المسيح من جديد، بتأمله محبته، وتواضعه؟

تدعونا الكنيسة اليوم إلى الوقوف أمام المغارة، وتأمل كل الشخصيات الموجودة بداخلها فرداً فرداً، لكي تساعدنا مرجعةً إيانا إلى ذلك الزمن لكي نعيشه مع تلك الشخصيات لاسيما عائلة يسوع المسيح جاعلين منهم شفعاء لحياتنا اليومية ورجاءها.

يوجد في المغارة العديد من الشخصيات، أولهم الرعاة الذين أتوا لرؤية الطفل يسوع، هؤلاء الفقراء الذين ينامون في العراء لحراسة قطعانهم من الأغنام. هل نضع نحن اليوم شخوص الرعاة كمجرد شكل في مغارتنا؟ أم أنهم يعلموننا أن يسوع جاء أولا إلى الفقراء والمحتاجين؟

الرعاة يعيشون معنا وبيننا اليوم، هم أناس يحتاجون مساعدتنا أحيانا. لنتعلم اليوم أن نضعهم في مغارة قلوبنا وحياتنا على مثال يسوع المسيح الذي جاء إلى الفقراء والبسطاء في هذا العالم.

لنحاول اليوم تسليم ذواتنا كلياً لله، كما هو صار بكليته لنا، ولنصلِّ طالبين من الله أن يبعدنا عن كل تلك الأفكار الوثنية التي تتجسد في صنع صورة صنمية مجردة من الروح و الحياة، لأن يسوعنا هو إله حي ويحب أن نكون أحياء دائماً وأبداً... آمين.

 

25437378 1997472866936731 1860210126 n

الإثنين, 10 نيسان/أبريل 2017 14:02

داعش، وقتك قد أقترب!

  مع بداية كتابة هذه الأسطر، أود أن أنوه، بأنني لستُ من سكان سهل نينوى ولا مدينة الموصل، لكن راودتني كتابة هذه المقالة، عن طريق زيارتي لقرى سهل نينوى المدمّرة، وأيضاً من خلال سماعي ببعض التفاصيل عن ما يسمى "داعش" وعن أفعالهم.

لذلك أبدأ بعبارة وقتك قد أقترب لنهاية هويتك وصور أعمالك، أعمالك التي حاولت كثيراً أن تمسح بها هويتنا، لكنك لم تستطيع. لأن هويتنا المسيحية هي محفورة داخل هيكل أجسادنا، وليس الرسم على جدران مثلما يعتبرها البعض. دَمرت بيوتنا وسلبت حريتنا في بعض المرات وشوهت جغرافيتنا وكسرت صلباننا وإيقوناتنا، لكنك لم تستطيع أن تأخذَ يسوع منا، ولم تستطيع أن تمنعنا من إيماننا ورجاءنا ومحبتنا تجاه الآخر، والله.

  أتيت بشكل مرهب وغير مقبول، ولم تقدّم صورة إنسانية مشرّفة تجاه أخيك الإنسان. وأحياناً كثيرة نسمع من الآخرين بأنهم يعملون الأشياء بدون وعي ولا تفكير، وهذا غير ممكن، لأنه ينبغي أن يأتي اليوم ويفكر الإنسان بحالته بوعي ومسؤولية.

أنت أتيت لدمار وهلاك التاريخ، والآثار المسيحية، وإزالة صورة المسيح، لأنك لا تعرف بأن يسوع المسيح هو إله حيّ ويستطيع أن يفعل كل شيئ. وهذا ما يؤكده بولس في رسالته "أستطيع أفعل كل شيء بالذي يقويني". (فيليبي 4 : 13).

  كتبت حرف النون على جدران بيوتنا، وكتبت الآيات على جدران كنائسنا ولم تعرف بأنك مؤيد للمسيح من خلال كتاباتك. "يقال على سبيل المثال، بأن الملحد هو من يؤمن بعدم وجود الله، لكن كل كلامه يدور حول الله". لقد نقضت كلامك ولهذا كان حبلك قصير، ونهايتك قد أصبحت تأريخ لنا، وعندما نرى صور أفعالك والدمار الذي قمت به، فأنك تُزيد إيماننا ورجاءنا لأننا نحن نؤمن بأن الله لا يتركنا في أيام صعوباتنا وضعفنا.

  أسمع يا أخي "داعش" كلما تحاول أن تلغينا من هذا العالم الذي أنت فيه، فنحن لدينا العالم الآخر مع المسيح، وهو عالم السعادة والفرح. وكلما تحاول أن تدمر كنائسنا وتهلك صلباننا، فنحن عندما نجتمع مع المسيح فهذه هي  كنيستنا وبها صليبنا.

17888210 1699874946696526 323808224 n

الأحد, 02 نيسان/أبريل 2017 17:58

هل حقاً أنا مسيحي؟

هل حقاً أنا مسيحي؟

هذه العبارة تقودني لطرح السؤال التالي: إن كان الشخص مسيحياً، فمن هو المسيحي في عالم اليوم؟ ولماذا هو مضطهد؟

المسيحي هو مَن يتتلمذ على يد المعلم الحقيقي "المسيح"، ويكوّن له علاقة شخصية ومباشرة معه، ويجعله الأول في حياته. وهذا التلميذ كي يكون تلميذاً حقيقياً، عليه أن لا يخدع نفسه ولا يخدع ضميره، بل يعمل بمشيئة المعلم. المسيحي الحقيقي له أتكال كامل على الله لأنه مصدر لحياته، بحيث يصبح ذو قيمة أخلاقية وروحية في مسيرته اليومية.              

المسيحي اليوم، ليس هو مسيحي الهوية، بل مَن يعيش الفضيلة مع الآخر مثلما تعلمها من معلمه يسوع المسيح، "ليس كل من يقول لي: يارب يارب! يدخل ملكوت السماوات. بل الذي يفعل إرادة أبي في السماوات" (مت 7 : 21)، هذه هي دعوتنا المسيحية. العيش بالمحبة والتواضع والقناعة حتى تغدو أجمل هوية، فتنمو بالحكمة والقامة مع المسيح الذي هو هويتها الحقيقية.              

لذلك صار المسيحي مضطهد لأنه حامل هوية مسيحية، أي حامل فضيلة إنسانية، ولأنه ينطق بالحق ويحيا بإستقامة. وهذا الأضطهاد لا يعني إنه ضعيف، بل إنه مميّز، سعيد، حرّ، وقوي. فكل إنسان مؤمن بالمسيح لا يخاف أبداً من أي تحديات وأضطرابات، ولا يستسلم حتى في حالة الموت، على مثال سيّده الذي أعطى ذاته من أجل خلاصه. لهذا نحن اليوم مدعوون أن نتحمل الالآم من أجل يسوع المسيح.

أجيب عن سؤالي أعلاه: نعم، أنا حقاً مسيحي لأنني حرّ.. لأنني سعيد .. لأنني قويّ.. لأنني مميّز.

فالمسيحي الحقيقي هو من يجعل السعادة حوله بتواضعه ووداعته ودعوته للسلام، منقي ذاته كي يستطيع أن يترك الكراهية والحقد ويعيش في العالم مجسّداً الأخوة والأمان مع من يعيش معهم ويلتقي بهم. آمين.

الإثنين, 06 شباط/فبراير 2017 13:32

إن كنت لا أحبّ أخي الإنسان فمن أحب؟

يقول البابا فرنسيس في لقائه مع شباب تورينو "دعوة الشباب هي الحب، والحب يبنى على الحوار فهو ليس مجرد شعور رومانسي وإنما هو فعل ملموس يدفعنا للتضحية في سبيل الآخرين".

عيش المحبة مع الآخر ليس أمرا سهلاً، لأنك تحتاج إلى فهم عميق لمعنى المحبة كما تحتاج ايضا الى الخروج من ذاتك الأنانية حتى يتجسد فعل الحب هذا مع الآخر. كم نحن اليوم بحاجة إلى عيش هذا الفعل مع عائلاتنا وأصدقائنا وفي أعمالنا، فنستطيع أن ننضج في مسيرتنا الحياتية اليومية.

اليوم عوائلنا تعيش تحت تبعات أزمة المحبة، لماذا؟ لأن الماديات المحيطة بنا سيطرت علينا وأصبحت حاجزا يرتفع بيني وبين أخي أو بيني وبين صديقي، بل يجعلنا في عزلة عن الله أبينا، فنصنع إلهاً جديداً لذواتنا هو "التكنولوجيا" مع كل ما ولدته من آلهة وأصنام تسيطر علينا فنغدو منقادين مسلوبي الارادة، ولهذا تموت بذرة المحبة في تربة دواخلنا غير الجيدة، بسبب عدم عيشها مع الإنسان الآخر الذي هو عضو في جسد المسيح الذي أنا عضو فيه أيضا، فكيف إذاً لا أحبه، ولا أبذل ذاتي وكل ما في وسعي لأجله؟ إن لم أبذل محبتي وذاتي لأخي فلمن أبذلها؟

العطاء المتبادل بيني وبين أخي يبني عائلاتنا ويقودنا نحو القداسة وتكريس ذواتنا للرب، لكن ما يدعو الى القلق اليوم أن البناء أصبح موجها نحو بناء الذات فقط أو "الأنا". علينا أخذ هذه المسؤولية على عاتقنا عبر نشر المحبة في العائلة على وجه الخصوص، ومنها ستنتشر في الخارج ونعيشها في المجتمع، فتنتصر المحبة ويغلب منطق الحب الذي سينهي كل الحروب وأولها "الحرب ضد المحبة".

لنطلب من الرب أن ينضج فينا المحبة فنكون قادرين على المساهمة في بناء مجتمعات نتنعم بفرح المحبة وتعيش السلام، مثلما علمنا يسوع "أحبوا بعضكم بعضاً" (يو 13 : 34). ومن خلال هذا الحب نستطيع أن نكون عناصر فاعلة في بناء كنائسنا ومساهمين في خير عوائلنا، ممزقين بالمحبة شرنقة الأنانية فنخرج عن ذواتنا متقوين بالروح لخدمة اخوتنا وعائلاتنا.

أختم بقول للأب جان باول اليسوعي: "الحبّ ليس بأعمى، بل هو ثاقب النظر جدّا؛ فالإنسان الذي يحبّ يُبصر في الآخر أشياء تبقى خفية على عيون لا يشع فيها الحبّ".

السبت, 24 كانون1/ديسمبر 2016 00:15

نولد معك من جديد

نولد معك من جديد

​كيف يجب علينا أن نولد مع المسيح من جديد؟ حدث الولادة الجديدة هو دعوة لكي نفلح ذواتنا بسكّة الغفران والتوبة، ليشرق النور في الظلام، حتى نفرّغ نفوسنا من سموم الخطيئة. هي دعوة أيضاً ، لنسأل فيها ذواتنا ما الشيء الذي خسرناه من أجل المسيح؟ لأننا إن لم نخسر شيئاً لا نستطع أن نربح الحياة الأبدية المعدّة لنا مع الله. ولا يمكننا أن نصبح أمناء، إلا من خلال اكتشاف مشروع الله الخلاصي في حياتنا. ننال الخلاص بالمخلّص وحده وليس بالأشياء الدنيوية. 

إن العالم الذي نعيش فيه مملوء بالعبادات المادية وعبادة الشهوات الجنسية ... والخ، لكن، في الولادة الجديدة "ميلاد يسوع" نحن مدعوون أن نموت عن روح هذا العالم الذي لا يتماشى مع إرادة الله. فالولادة تعني الابتعاد عن الشهوات الأرضية والسير مع الله بحسب إرشاد روحه القدوس، وأن يكون المسيح حالّاً فينا ومالك حياتنا وكياننا. كي لا نجهض الولادة الجديدة فتكون ولادة حية وحاضرة فاعلة في حياتنا كقوة جديدة ترفعنا إلى ملء قامة المسيح، لابدّ أن تتنامى في دواخلنا بذور الإنسان الجديد، و يواصل طفل المغارة نموه في قلوبنا، كما قال يوحنا المعمذان "ينبغي له أن يزيد ولي أنانقص" (يو 30:3).

فنحن نولد من جديد في حدث الميلاد لنؤسس بداية جديدة، معلنين من خلال ميلادك يارب، فرحك، تواضعك، كلمتك المتجسدةونعلن من خلاله أيضاً، أنّ الكون ينبغي أن يكون حسناً جدا، لأنّه المكان الذي حلّ فيه الله متجسّدا، ويحلّ فيه كلّ يوم من خلال التزامنا بمنطق التجسّد. 

يقول الأب ميثودوسيوس في إحدى عظاته "فكل قديس يتمتع بشركة مع المسيح كأنما يولد المسيح فيه من جديد"، يسوع الّذي يولد اليوم، يولد ليضع في قلوبنا الفرح والسعادة، ورغبة ملحة في التجدد. كوننا مدعوين لنكون رعاة خرافه، فكلّ إنسان مدعو لأن يهيئ في داخله مذوداً ليولد فيه يسوع، فيكون كلّ فقير مسؤوليّتنا، كلّ محتاج، كلّ مهمّش وضعيف وخائف نصادفه في حياتنا هو صوت يقول لنا، إن علينا أن نفعل شيئاً، لا بدّ أن نبادر إن كنّا نؤمن بيسوع راعياً، وإن كنّا نريد أن نكون من خرافه.

فمسؤوليتنا تدعونا كي نجعل عالمنا عالماً أفضل، خاصةً في هذا الزمن المؤلم، وأن نزرع الفرح في قلوب الآخرين، لكي نكون رعاة حقيقيين ونعيش في حالة السلام والاطمئنان.

IMG 3193

الصفحة 1 من 2