مقالات عامة
%AM, %26 %248 %2015 %07:%نيسان

الله أقامه من بين الاموات

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
الله أقامه من بين الاموات خلال قرون طويلة كان بنو إسرائيل تهمهم الحياة بين المولد والممات فقط. كان عندهم الموت الطبيعي للشيخ الشبعان أياماً أمراً بديهياً: النهاية. الفرد يموت، ينتهي، يتلاشى، لكن ال
الله أقامه من بين الاموات خلال قرون طويلة كان بنو إسرائيل تهمهم الحياة بين المولد والممات فقط. كان عندهم الموت الطبيعي للشيخ الشبعان أياماً أمراً بديهياً: النهاية. الفرد يموت، ينتهي، يتلاشى، لكن القبيلة، العشيرة، الشعب يبقى، يتواصل. كان هذا الاعتقاد يعتمد على ثقة إسرائيل بإلهه. وهذه الثقة كانت تستند على العهد: الله سوف يحمي إسرائيل ضد أعدائه ويبارك أيامه، على شرط ان يطيع إسرائيل لله ويقف موقف العدالة والأمانة تجاه الإنسان الآخر. الحياة الصالحة العادلة تأتي بسعادة، الأفعال الشريرة تجلب المصائب. على ما يفعل الإنسان خيراً أو شراً، يُرسل الله بركةً أو لعنة... لكن إسرائيل عاش أياماً خبراتٍ تناقض هذا القانون، كما نقرأ في سفر أيوب: هو بار ومع ذلك يتألم كثيراً. مع ذلك يظلّ إسرائيل يؤمن بأن إلهه، أمانته ووفاءه، ينتصر بطريقة او بأخرى. فهكذا نشأ تدريجياً رجاءُ دينونةٍ عامة مقبلة. ولا يهتمون اولاً بما سوف يحدث مع الأموات... أهم سؤال عندهم: ما مصير الذين عاشوا بصدق ووفاء ومع ذلك اصابهم مرض او ممات عاجل؟ هل ينالون حقهم؟ فمن خلال هذه الاسئلة نمى الاعتقاد ان دينونةً اخيرة سوف يسدّد كل حساب بما ان الله سيقيم الأموات لدينونة عامة. عند تلاميذ يسوع ايضاً كانت آمال قيامة عامة موجودة. لكنهم لم يتصوّروا ان فرداً واحداً يقوم قبل ذلك. ففي داخل هذا النموذج من المآمل كان أكثر معقولاً لو اعلن التلاميذ ان يسوع هو احد الأنبياء الذين اضطهدوا وقُتلوا من قبل البشر، لكن الله برّرهم... مع ذلك، خلافاً للمعقول، يبشرون بأن يسوع قام. هذا سبب أول يجعلنا نقول ان الإيمان بقيامة يسوع ليس نتيجة من تخيُّل او ابتغاء. ولكن هناك سبباً ثانياً اعمق من الاول متعلّق باختبار التلاميذ للموت على الصليب. قد كان التلاميذ رافقوا يسوع في جولاته بعدما تركوا كل شيء فتبعوه. قد سمعوا تبشيره عن ملكوت الله وشهِدوا عجائبه. رأوا أنه اقترب الى الهامشيين وعايش خاطئين. رأوا أنه قاوم الرؤساء ورفض تضحية الإنسان لقوانين، دينية وأخرى. على أساس كل ذلك صاروا يؤمنون بأنه سوف يخلِّص إسرائيل نهائياً من السلطة الأجنبية وأنه بشير الله الحاسم... والآن، فإن يسوع يموت ميتة المُجرم على الصليب. قد تطاير حلمُهم وتخيّبت آمالهم. حائرين خائبين... فيعودون الى الجليل. فعلاً، كل المصادر تصف قصور التلاميذ بوضوح: واحد منهم أسلم يسوع، واحد أنكره ولعنه، الجميع هجروه في الساعة الحاسمة. ثم بعدئذ أظهروا حزناً وتحيُّراً وخوفاً وتشككاً وعدم إيمان وتخيّباً. ما يُخبر به في العهد الجديد لا يبيّن نمواً، تطوّراً بطيئاً، تبصراً تدريجياً، بل العكس: يبيّن اختباراً فجائياً. على حسب شهادة العهد الجديد الواحدة اختبر التلاميذ ان يسوع حي. الإيمان الفصحي بدءٌ جديد يجب إرجاعه الى لقاءات حقيقية بالمصلوب القائم. ليس ان إيمان التلاميذ أعاد يسوع حياً، بل الرب الذي أقامه الله حياً قاد التلاميذ الى الإيمان والرسالة. لا يمكن تفسير التغيُّر في سلوك التلاميذ بدون الخبرة الفصحية. هذا الحدوث فقط قدر ان يحول هؤلاء الناس الخوافين الجاهلين شهوداً جريئين بلا خوف. هل قيامة يسوع بذلك أمر مبرهن؟ كلا! لا يمكن برهانٌ تاريخي إلا أنه بعد موت يسوع وُجد عدد من الناس (في 1 قور 15: 5-8 جدول من شهود) وصلوا –على أساس ظهورات- الى الاعتقاد ان يسوع حي. يمكن برهان تاريخي فقط: إن هذه المظاهر "الظهورية" فجّرت تاريخاً طويلاً من إيمان ورجاء يبلغ حتى اليوم وما زال يتواصل... ولكن هذه المظاهر ليست "براهين" بالمعنى العلمي الصارم للكلمة. لأنه لا يبقى لنا إمكان ان نراقب التلاميذ في حين اختبارهم القيامي. وحتى لو كان هذا الإمكان في وسعنا، حتى ولو كان أمثل وثائق تحت تصرُّفنا، لما قدرنا أبداً ان نتسلّق انطلاقاً من بُنية الاختبار النفساني، عن طريق مجرّد علمي، الى قيامة يسوع نفسها. نتصدّم هنا مع حدود لا يمكن تحويلها من مكانها. لا يقدر البحث التاريخي العلمي ان يدحض قيامة يسوع، ولا يقدر ايضاً ان يُبرهنها. الإيمان بقيامة يسوع يبقى إيماناً. لكن من كان من الأول ينكر إمكان شيء كمثل القيامة، فيمنع على نفسه كل مدخل الى بشارة القيامة. قال والتر كاسبر بحق إن "القرار لصالح الإيمان القيامي أو ضده لا يُؤخذ لمناسبة حدوث حوادث عجائبية أية كانت، ولكنه متوقّف على السؤال هل انت مستعدّ لأن ترى الواقع من منطلق الله وان تتوكّل، في العيش والممات، على هذا الإله. الإيمان الفصحي واثق بأن لله إمكانيات عبر الواقع الموجود، ويتجاسر على ان يضع كل "مالِه" على هذا الإله "الذي لا يُعجزه شيء". فلذلك: بشارة القيامة تعادي صورةَ العالم المنغلق في ذاته، هذه الصورة التي تُقدِّم نفسها شيئاً مطلقاً لا يترُك اي مجال لإمكانيات الله البديعة الجديدة الغير المتوقّعة. ليس الإيمان القيامي تعديلاً فقط لمثل هذه الصورة للعالم: لا تُخرَق قانونية الطبيعة كأنه في نقطةٍ واحدة فقط، إنما تُدحض هذه الصورة برمتها ككل". وإذا كنا، مع ذلك كله، نريد ان نتكلّم عن القيامة من ناحية المضمون، فنحن مجبورون، كمثل الكتاب المقدس، ان نلتجئ الى صور. فعلاً: لا ننس ان العبارات "قيامة"، "نهوض"، إقامة" التي نجدها في العهد الجديد هي صُور. الفيلسوف الاسباني أورتيغا إي غاسيت يدعو الصورة والمجاز "صنّارة العقل الإنساني". إنهما تُمكّننا من ان نتكلّم عن حقائق لا يسعُنا لفظُها بلغة عقلية او إعلامية. صورة "القيامة والنهوض والإيقاظ" تقصُد الى التعبير عن حدثٍ مجهول تماماً لم يختبره أحدٌ حتى الآن. لكن الصورة "تَعرج": دائماً يلتصق بها شيءٌ غير كامل. عندما نستيقظ الصبح، نعود الى الحياة الأولى، نستأنف الشغل حيث تركناه المساء: ننام ونقوم، ننام ونقوم. لكن عند الممات انتهى ذلك نهائياً. إقامة من بين الاموات لا يعني إذن ان تُعاد الحياة الى الشخص، إذ إن هذه الحياة انتهت. القيامة من بين الأموات ليست عودةَ ميتٍ الى هذه الحياة التي (لو كانت هذه فتنتهي) مرة اخرى الى الموت ولا مناص. إنما هي حياة جديدة قد تركت الموت خلفها. فلابد من ان نتكلّم عن القيامة بمقولات مكانية زمنية، لكن بنفس الوقت يجب ان نعرف جيداً ان كل هذه المقولات ليست إلا صوراً لا تعبِّر عن الواقع تعبيراً كاملاً تاماً، وان الصور والمضمون لا يمكن انفصالُهما التام عن بعضهما. إذا أردنا ان يكون لشهادة التلاميذ بأن يسوع قام، أي أنه حي بطريقة جديدة، معنى بالنسبة إلينا، وجب علينا ان نُعيد مرة أخرى (بطريقة أو بأخرى) الاختبار المعتمد عليه شهادتُهم. كما قلنا أعلاه بواسطة قول من والتر كاسبر: الشرط هو أن لا نسدّ أنفسنا بالقول منذ البدء ان اختباراً كهذا من المستحيلات. ممكن ان نستخلص شيئاً آخر أيضاً من الكتاب المقدس. نشير على سبيل المثال الى قصة توما (يو 20: 19-31). كل واحد منا يكتشف نفسه في توما. ينكشف هنا بوضوح تركيب كل إيمان فصحي. لقد رأينا ان هذا الإيمان في جوهره معتمد على شهادة. يستصعب توما ذلك. لا يستطيع ان يصدِّق شهادة رفاقه التلاميذ. لكن عندما يظهر له الرب فيبلغ هو بدوره الى الإيمان، يسمع القول: "طوبى لمن آمن وما رأى". أجيال المؤمنين اللاحقة الذين يمثّلهم توما هنا، لا يتحرّكون في خواء وفراغ. ممكن ان ينبع الإيمان من شهادة التلاميذ. في القصة نقطة مهمة ثانية: الرب يظهَر لتوما فقط بعدما انضم مرة أخرى الى رفاقه. إنما يصل الى الايمان القيامي في وسط جماعة التلاميذ، إنما ينتصر على تشكُّكه هناك. يريد الرب ان يُختبَر حضورُه الممجَّد في حضن تلك الجماعة. وهذا صحيح بالنسبة إلينا نحن أيضاً. الإيمان بالقيامة لن يكون نتيجة من صراع فردي بين الإنسان ونفسه حول مسألة معنى الحياة. ولن يكون نتيجة من برهنةٍ مُقنِعة قاطعة. لا يكون إلا – كما هو الحال عند توما – نتيجة من اختبار حضور الرب في وسط تلاميذه. الآن، يسوع قائم ممجَّد فلا يكون محدَّداً أيضاً من الزمن والمكان، فيُمكنه ان يكون حاضراً حيثما كان اثنان أو ثلاثة يجتمعون باسمه. حيثما كان الخبز يُكسر والكوب يُوزَّع، حيثما بُشِّر بكلمته، فهناك ممكن ان يُختَبر حضورُ المسيح القائم.
قراءة 3360 مرات آخر تعديل على %AM, %30 %066 %2015 %03:%تشرين2

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *