مقالات عامة
%AM, %13 %298 %2013 %09:%آب

تجلّي ابن الله المتألّم (مر 9: 2-9)

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
تجلّي ابن الله المتألّم (مر 9: 2-9) إ. سخلّه بيكس في رومة، في المتحف الفاتيكاني، لوحة زيتية رسَمَها ساننتسيو رافائيل، فيها التلاميذ الثلاثة بعد التجلّي المجيد ينحدرون من جبل المجد الأواخري الى وا
تجلّي ابن الله المتألّم (مر 9: 2-9) إ. سخلّه بيكس في رومة، في المتحف الفاتيكاني، لوحة زيتية رسَمَها ساننتسيو رافائيل، فيها التلاميذ الثلاثة بعد التجلّي المجيد ينحدرون من جبل المجد الأواخري الى وادي ضيق البشر وشقائهم. الفنّان رافائيل شعر ما قصدَه مرقس بروايته للتجلّي. تردُ الرواية في جزء إنجيل مرقس الذي يمكن ان يسمَّى مركز هذا الكتاب: 8: 27-9: 13. القضية في هذا السياق تتركز في الجواب المضبوط للسؤال في هوية يسوع. في المقطع المتقدّم على قصة التجلّي مباشرةً طرح يسوع السؤال: "مَن أنا في قول الناس؟" (8: 27). تلي ثلاثةُ تعيينات مُخطئة لهُوية يسوع (8: 27-28): يسوع ليس يوحنا المعمذان، ولا إيليا، ولا أحد الأنبياء فقط. ثم يسأل يسوع التلاميذ ماذا يقولون هم عنه. فيُجيب بطرس باسم الجميع: "أنت المشيح" (8: 29). إنه تعيين مضبوط لهُوية يسوع، ولكنه جزئي فقط وموقَّت وغير مدقَّق غامض في رأي مرقس. هذا التعيين لهُوية يسوع كالمشيح يُشبه بَصَرَ أعمى بيت صيدا الذي شفاؤه يُروى قبل هذا المقطع مباشرةً. المَشفي يرى أولاً الناس يمشون ولكن بصورة غير واضحة: "كأنهم أشجار" (8: 24). الاعتراف بأن يسوع هو النبي المشيحي يُشكِّل خُطوةً الى الاتجاه المضبوط، أجل، ولكنه في رأي مرقس ما زال إفادةً صحيحة جزئياً فقط: نصف حقيقة، يترُك سر هوية يسوع العميق في الغموض. يريد مرقس ان نُبصر يسوع في خطوطه الواضحة. يريد ان نُعيِّن هويته كابن الله الحبيب. إنه كشفٌ من الله يُريد مرقس ان يَغرِسَه في ذهن التلاميذ الثلاثة، بطرس ويعقوب ويوحنا. يسوع المشيحي هو ابن الله الخاص، فجاء لليهود بل لجميع الناس. شأنُ إنجيل مرقس شأنُ "بشارة يسوع المشيح ابن الله" (1: 1). يُخرِج مرقس هذا الكشف الإلهي عن هوية يسوع العميقة بالاعتماد على آمال يهودية آنذاك بخصوص مجد الأزمنة الأخيرة. كان البعض ينتظرون موسى أولاً طالعاً من البرية، ثم إيليا أيضاً يظهر بيننا مرةً اخرى وهو سباق لدينونة الله الأخيرة. فقد تكلّم إنجيل مرقس عن هذه الدينونة الأخيرة الآتية: حالاً قبل قصة التجلّي: "في جملة الحاضرين ههنا من لا يذوقون الموت، حتى يشاهدوا ملكوت الله آتياً بقوة" (8: 38-9: 1). ظهور النبييَن، إيليا مع موسى، الأواخريين كان جزءاً من الآمال شائعة بين اليهود آنذاك (انظر كذلك رؤ 11: 3 و 5-6). يدلّ هذا السياق على ان قصة التجلّي يجب ان تُقرأ على خلفية أواخرية. مقصد الرواية ان تُرفَع زاويةٌ من الستار الذي على الآتيات. وهذا ليس من الممكن إلا على أساس الإيمان المسيحي بقيامة يسوع، القيامة كأساس لمجيء ابن الإنسان المجيد الآتي. لأنه في جبل التجلّي يظهر يسوع في ثوبٍ ناصع البياض: وهذا في الكتب اليهودية ثم المسيحية رمز الى الأبرار الذين قد أخذوا عنه الله. بالمقارنة مع إنجيل متى يبقى مرقس رزيناً للغاية. يقول متى 17: 2 عن يسوع ان "وجهه أشَعَّ كالشمس". لا يقول مرقس عن يسوع نفسه شيئاً مباشراً: فقط أنه لابس ثوب القائمين الأبيض، أبيض بياضاً لم يُرَ قط في هذه الأرض. فعن يسوع هذا يُسمع الصوت السماوي: "هذا هو ابني حبيبي. فله اسمعوا" (9: 7). التماسُك إذن واضح: قصة التجلّي واقفة داخل سياق انتظار مجيء ابن الإنسان المجيد، وهذه القصة ممكنة على أساس قيامة يسوع المُشار إليها بثوب يسوع الأبيض. تُمكِّن مشاهدةُ العهد الجديد وشهادتُه ليسوع القائم من بين الأموات من استحضار رؤيا أواخرية في مركزها يسوع الابن. ولكن، كما أن مرقس جعل يسوع حالاً يُعدِّل اعتراف بطرس بأن يسوع هو المشيح: مشيح أجل، لكنه مشيح متألّم مضطهَد (8: 31-32)، كذلك تُعدَّل قصة التجلّي حالاً: عند النزول من الجبل يبدو من الحوار: يسوع هو ابن الله أجل، ولكنه ابن "سيعاني آلاماً شديدة ويُزدرَى" (9: 12). فالمفهوم المسيحي "مشيح" والمفهوم المسيحي "ابن الله" كل منهما متشرِّب بواقع موت يسوع الفاجع: ما من أحد يبلُغ الاعتراف بيسوع مشيحاً وابنا لله إلا وبنفس الوقت يكتشف ان على هذا المشيح وهذا الابن ان يتألم قبل ان يتجلّى وإلا ويمشي هو ايضاً نفس الطريق في حياته (8: 34-38). زد على ذلك ان العبارة "ابني حبيبي" تُذكِّر بقصة إسحق الذي كان على إبراهيم أن يُقرِّبه محرقةً (تك 22: 2 و 12 و 16). يسوع هو "إسحق الجديد" الذي "لم يُضَنّ به فعلاً. فيقول مرقس بوضوح ان التلاميذ الثلاثة لم يفهموا شيئاً من الأمر. يلغُو بطرس لَغوا عن ثلاث مظال فيُضيف مرقس: "فلم يكن يدري ماذا يقول" (9: 6). لا يمكن التكلّم عن التجلّي ولا يمكن إدراكه إلا انطلاقاً من قيامة يسوع من بين الاموات. فعلى التلاميذ الثلاثة بالصمت عن ما حدث "إلا متى قام ابن الإنسان من بين الأموات" (9: 9). لا يُمكنهم التكلّم عن ما حدث ما دامت العلاقة بين الصليب والتمجيد غير مفهومة. في موضع الآخر ايضاً (5: 37-43) حيث يشاهد نفس التلاميذ الثلاثة إحياء ابنة رئيس الكنيسة التي ماتت، لا يجوز التكلُّم عنه في الوقت الجاري: لأنه من الممكن ان القيامة والتمجيد يُفهَمان بالغلط، في جوٍ مستعجل للهُتافات والهلّلويا قبل الأوان. كل اعتراف بهوية يسوع كابن الله يتضمّن الاعتراف الصادق بآلامه وموته. لهذا السبب لا يَسمح إنجيل مرقس باعترافٍ بابن الله لإنسانٍ إلا تحت الصليب وهو إنسانٌ وثني: "كان هذا الإنسان ابن الله حقاً" (15: 39). لا يُمكنك ان تلفظ بهوية يسوع بغض النظ عن آلامه وإعدامه. أيَّ ما كان شكل قصة التجلّي قبل ان وجدت مكاناً في إنجيل مرقس، فإن هذه القصة عند مرقس نوع من "إخراجٍ مسرحي" للبشارة "بوجوب" يسوع المشيحي "أن يتألّم" من حيث هو ابن الله ليدخل الى المجد. إنما هو فصح من حيث هو فصح: عبور واجتياز. اما بطرس فكان يظن ان المجد (وهو "سُكنى الله" بيننا، أي الله الذي يضرب خيمته بين خيامنا)، أقول إن بطرس يظن ان المجد ممكن بدون تألم وبدون اضطهاد. ولكن سوف لا يتحقق إلا في اليوم الأخير ما يقول سفر الرؤيا: "ها هو مسكن الله والناس: يسكُن معهم ويكونون له شعباً. الله نفسه معهم ويكون لهم إلهاً" (21: 3). بطرس في حماسته أهمل حلقةً مهمة في مصير يسوع هي: نبذهُ المميت من قبل الناس. وَضَعَ مرقس، حالاً قبل قصة التجلّي، كلام يسوع: "مَن يستحيي بي... يستحيي به ابن الإنسان، متى جاء في مجد أبيه ومعه الملائكة الأطهار" (8: 38). من وراء عدم الاستحياء بيسوع المضطهَد المتألّم ومن وراء أخذ صليبك على عاتقك فقط تقدر ان تفهم مشهد التجلّي. هو الشرط الضروري. مشيح متألم: موضوعٌ يصعب تصوُّره لليهود ولكنه في آخر الأمر لا يستحيل تصوّره. اما ابن الله المنبوذ المتألم فإنما يفوق إدراك كل إنسان. وإنما هو بالذات ما يقصده مرقس. هذا الأمر فقط يُمكّننا من ان نؤمن إيماناً مسيحياً، حتى بعد ما شاهدنا كل هذه الفظائع كمثل أوسويتش وغير أوسويتش... يُقال إننا نقتدي بالله من خلال يسوع. بالواقع، ليس هذا هو أول شيء. العكس هو الأول: في يسوع ومن خلال يسوع الله نفسه يُدمج ذاته في تاريخنا التألُّمي البشري ويُسوّي بين نفسه وبين آلام جميع البشر. لهذا السبب يعني الإيمان بيسوع كابن الله انضماماً الى شركة حياة يُتجاوز فيها على الانقسام بين اليهود وبين الأمم في رحمة الله الشمولية لجميع الناس المتألمين سواء أكانوا من أهل الإيمان أم لا. زُبدةُ قصة التجلّي هي تحوُّل الألم البشري الى ملكوتٍ تُسمح فيه كل الدموع وتُنسى، ولا تُلبس فيه إلا ثيابٌ بيضاء مطهَّرة مغسولة بحمام التألُّم. مشهد التجلّي كأنه قصة عماوس أخرى: "أما كان يجب على المشيح ان يُعاني هذه الآلام، فيدخل في مجده؟" (لو 24: 26). فالتلاميذ، الثلاثة، بعدما شاهدوا التجلّي بالمعنى العميق الذي يُعطيه إياه مرقس، عندما ينزلون من الجبل ويتحادثون مع يسوع الذي يتكلّم عن آلامه المقبلة، قد يقولون: "أما كان قلبُنا يحترق في صدرنا، حين حدَّثنا في الطريق وشرح لنا الكتب؟" (لو 24: 32). وبطرس، رغم عدم فهمه الكبير في كلامه المستعجل عن المظالّ الثلاث، فهم شيئاً مما حدث: "رابّي، حسنٌ ان نكون ههنا" (9: 5). الرواية كما هي واردة في إنجيل مرقس الآن هي درس تعليم كنسي (الموعوظين يستعدّون للعماد؟). أما القصة في شكلها الأصيل الأول، فلا ندري هل هي تعبير أيضاً عن خبرة خاصة ليسوع. لا يسعُنا إلا تخمين فقط ولكن على أُسس متينة. طريق حياة يسوع لم يكن من الأول واضحاً تماماً ليسوع نفسه. في الأناجيل نجد كلاماً عن تجربة على يسوع. هل من المعقول ان أُحاول ان آتي بالناس الى توبة؟ هلا يكون ذلك شغلاً بلا نهاية ولا فائدة؟ مرةً بعد مرةٍ يأتي الناس بظُلم وإساءة. صُوَر أخبار التلفزيون صارخة كل يوم. ولكن يسوع يتذكّر ثقة الله بالتاريخ البشري، ليس على أساس ذلك التاريخ بل على أساس كينونة الله سلطاناً خلاصياً يريد خيرَ الناس وسعادتهم. نجد في قصة مرقس شيئاً من هذه النقطة عندما تقول: "وكانا (إيليا وموسى) يكلِّمان يسوع" (9: 4). ليس يسوع يكلِّمُهما، ولكنهما هما يكلِّمانه. يبدو يسوع كأنه يستمع خصوصاً. كان يسوع قد تأمَّل في مصير الأنبياء، مصير إيليا، مصير موسى. إيليا الذي مطروداً من قبل شعبه وتعباناً من الحياة يُواصل السير مع ذلك. وموسى كذلك، وآخرون كثيرون. الحوار مع ايليا خصوصاً يدُلّ على زيادة فهم يسوع لدعوته. لأن يسوع أيضاً كان عليه ان يكتشف طريقه في هذا العالم. فيسوع باتصال الصلاة مع الله، الآب، أمام مرآة تاريخ الخير والشر لشعبه، ثم في وجه معارضة أهل إيمانه ضد بشارته وسلوكه، ينتهي يسوع الى الاعتقاد أنه سوف لا يُضَن به (مثل إسحث)، ولكن مصيرَه سوف يكون صعوداً الى "إله البشر" بشكل درب صليب بالذات من اجل اولئك الناس. إذا قدرنا ان نتصاعد الى الأصل الأول لقصة التجلّي، فتكون القصة شاهدة لاختراق تام في فهم يسوع لنفسه ورسالته: هو الفهم ان الانحياز الى قضية الإنسان كقضية الله يأتي بتالُّم واضطهاد وحتى إعدام. لهذا السبب لا يجعل مرقس وجه يسوع "يشع" (مثل متى): لا داعي على الإطلاق للابتهاج بضرورة التالُّم المشيحية!! هلاّ يصلّي يسوع نفسُه بالقول: "اصرف عني هذه الكأس"؟ (مر 14: 36). خبرة يسوع هذه هي أيضاً خبرة على المسيحيين ان يتعلّموها، على مثال التلاميذ الثلاثة الذين يصعب عليهم جداً فهمُ هذا المصير، أكثر من يسوع. مرجَّح جداً ان انجيل مرقس كُتب في وقت اضطهاد مسيحيين. "الثوب الأبيض" هو في سفر الرؤيا ثوب الشهداء المغسول من الدم. هذه هي بشارة يسوع لمؤمني اليوم، حسب مرقس.
قراءة 12192 مرات آخر تعديل على %AM, %30 %057 %2015 %03:%تشرين2

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *