مقالات عامة
%PM, %23 %458 %2015 %13:%آب

الأب كوب - أأنت الآتي أم ننتظر آخر

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

"أأنت الآتي أم ننتظر آخر"

يان لا مبرخت


ندرس في هذه المحاضرة أولا النص، ثم معناه، وأخيراً بشارته اليوم.
1- النص- تحليل أدبي
1 -النص شكلان:

image
إضغط على الصورة لمشاهدة الحجم الكامل

2-المقارنة
سلّم الينا النص متى ولوقا لا مرقس. كلام المعمدان وكلام يسوع متساويان تقريباً عند الإنجيليين. من المرجَّح جداً ان متى ولوقا لم يعرف واحدٌ الآخر. تدفعنا هذه المطابقة الكبيرة الى افتراض مصدر مشترك. أغلبية المفسرين يقولون إن هذا المقطع ينتمي الى "مصدر الأقوال" Q وهو المصدر الافتراضي المركّب بواسطة نصوص مشتركة بين متى ولوقا غير موجودة في مرقس.

الأقسام الروائية تختلف فيما بينها. أهم فوارق تأتي من الإنجيليَين. هناك ثلاثة كبرى:
في لو 7: 21 "في تلك الساعة كان يشفي كثيرين من أمراض وأوجاع وأرواح شريرة، ويهب البصر لعميان كثيرين". تبدو هذه الآية إضافة من يد لوقا الذي يُمهِّد جواب يسوع ويجعله أكثر ملموساً. قد يتعلّق بهذه الإضافة اللوقاوية التتابُع المقلوب للأفعال واستعمال الأوريست. متى يكتُب: "اذهبوا وأخبروا يوحنا بما تسمعون وترون". أما لوقا فيكتُب: "اذهبا وأخبرا يوحنا بما رأيتُما وسمعتما". لوقا بإضافة 21 يجعل المرسلين شاهدي عيان لنشاط يسوع العجائبي. لذلك يسبق "الرؤية". والأوريست يدل على ما حدث قبل قليل. وإذا حاولنا البرهان على المقلوب (انطلاقاً من متى) فلا نرى باعثاً معقولاً يجعل متى يُغيِّر الفعلين ووقتهما.

في لو 7: 20 نقرأ: "حين أقبل الرجُلان إليه قالا إن يوحنا المعمدان أرسلنا إليك قائلاً: أأنت الآتي أم ننتظر آخر؟". لوقا إذن يذكُر تنفيذ أمر المعمدان صراحةً. هل نتصوّر ان لوقا حفظ ما يسمّى الأسهاب السامي من الأصل، وان متى أوجز القصة (كعادته)؟ هناك عدد من العُلماء يرون الأمور هكذا. ولكن20 أ "حين أقبل الرجُلان إليه" لوقاوي الأسلوب والمفردات، وبما ان 21 إضافة لوقاوية فيعتبر أغلبية المفسرين 20 كذلك إضافة من يد لوقا. على كل، هذه القضية غير مُهمة من ناحية المضمون، فنتركها.

في جملة متى الأولى (11: 2) نقرأ ان يوحنا قد سمع في السجن بـ "اعمال المشيح". تبدو هذه العبارة متاوية "ناظرة الى خلف": كأن متى يقصد تلميحا الى ان الأعمال التي سوف تُحصى في جواب يسوع هي بالواقع "أعمال المشيح". فبهذه العبارة يُعيد بنا الى متى 8-9 حيث تُروى اعمالٌ مشيحية كهذه. فنشك في ان العبارة كانت واردة في النص الأصلي. من ناحية أخرى لا يذكُر لوقا في مقدمته ان يوحنا كان في السجن، وهذا كان لا بد من ذكره في النص الأصلي. ثم يقول لوقا ان الرسل "اثنين". يكون تنقيحاً لوقاوياً.

3-إعادة نص Q
ممكن ان نعيد نص Q عن تقريب (الآيات مرقَّمة بترقيم لوقا):
(1) 18 سمع يوحنا في السجن بنشاط يسوع.
19 فأرسل تلاميذه يقولون ليسوع: أأنت الآتي أم ننتظر آخر؟
20((حين أقبل الرجال اليه قالوا: يوحنا المعمدان أرسلنا اليك قائلاً: أأنت الآتي أم ننتظر آخر؟))

(2)22أ أجاب يسوع وقال لهم:
22ب اذهبوا وأخبروا يوحنا بما تسمعون وترون:
22ج إن العميان يُبصرون والعُرج يمشون والبرص يطهَّرون والصم يسمعون والموتى يقومون، والفُقراء يبشّرون.
23 فطوبى لمن لا يشكّ فيّ.

يسهل التمييز بين سؤال المعمدان (1) وجواب يسوع (2). يقَّدم السؤال: يسمع المعمدان بنشاط يسوع فيرسل تلاميذ. جواب يسوع فيه 3 أقسام: الأمر "اذهبوا.../ إحصاء الأعمال/ تطويب ختامي. المقطع وحدة واحدة واضحة يجمعها التطويق (البدء: أأنت... النهاية: لا يشك فيّ)

4-تاريخية القصة
أ- نقبل مع عددٍ كبير من المفسرين ان متى ولوقا كتبا في السنوات 75-90. فنص المُعاد يكون أقدم بكثير من الإنجيلَين. هل يخبرنا بشيء حدث في حياة يسوع الأرضية؟
ب- اعتراضات على تاريخية الحدث:

1- في جواب يسوع نلاحظ عدم ذكر إخراج أرواح. هل هذا طبيعي في إشارة يسوع الى عجائبه الخاصة؟ فلا عجب ان لوقا في إضافته (21) يذكُر أرواحاً شريرة. ثم أكان يمكن ليسوع الأرضي ان يشير الى قيامة أموات فعلية؟ هلا يكون أسهل ان مسيحيين أولين يجعلون المسيح القائم يتكلّم هكذا؟
اما رودولف بولتمان فيقول إن جواب يسوع كان موجوداً قبل القصة. لم يكن جواباً بل كان قولاً أصيلاً من يسوع: لا يشير الى أعمالٍ ماضية منه بل كنبي يشير الى ما سوف يحدث قريباً في الأيام الأخيرة.

الإحصاء في 22 ج يتضمّن تلميحات واضحة الى سفر إشعيا: 61: 1/ 35: 5-6 وغيرهما. بعض العُلماء يقولون ان الترجمة اليونانية استُعملت هنا، فيكون دليلاً على ان القائمة تكوّنت بعد الفصح لدى مسيحيين متكلّمين باليونانية.

2- قيل أيضاً إن المعمدان "التاريخي" لم يقدر ان يسأل سؤاله. كان ينتظر دينونةً قريبة: عماد ناري يُنفّذه الله أو شخص أوقلبطي. لا يمكن التصور ان المعمدان يتساءل هل يسوع ذلك الديان المخلِّص الآتي. عندهم المقطع كله اختلاف أدبي من بعد الفصح.
هناك عدد من المُعطيات في النص تدلّ على انه لا يُخبر بشيء حدث قبل الفصح بل انه يُخبر بما حدث في الكنيسة البادئة: دور تلاميذ يوحنا، لا يُقال شيء عن رد فعل يوحنا، التطويب عام جداً وفي الغائب ولو موجَّه الى المعمدان. الوضع: مسيحيون أولون يحاولون ان يُقنعوا معمدانيين ان يوحنا ليس الآتي بل يسوع. هكذا ليس الحدث تاريخياً. إنما النص هو نص إرسالي تبشيري من بعد الفصح.

ج- هذه النتيجة يقبلها عددٌ كبير من العُلماء. لكن هناك علماء يظلّون يدافعون عن تاريخية القصة: و.غ. كومل (1974) يقول: ممكن ان المعمدان تساءل هل يسوع هو الآتي ويسوع يجيب بكلام يلمِّح الى اشعيا. كذلك ي.هـ. مارشال (1978).
د- إذن: خلاف في الآراء. نترك قضية التاريخية لحظة فنعود الى نص Q. ما معناه؟

2- النص- تفسير معناه

هناك 3 صعوبات:
1- في نفس Q نقرأ ان المعمدان تكلّم عن "من هو أقوى" منه الذي لا يستحق ان يحل سير حذائه، واحد سيعمِّد بروح قُدُس ونار. القارئ يعرف ان "الأقوى" يُقصد به يسوع. فكيف يمكن المعمدان ان يسأل بعدئذ: أأنت الآتي أم ننتظر آخر؟: صعوبة شك المعمدان.
2- جواب يسوع غير واضح: هل هو "نعم" أم "لا"؟ لماذا يلمِّح يسوع الى نصوص إشعيا؟ ما فحوى إحصاء الأعمال العجيبة؟
3- من المقصود في التطويب؟

1)سؤال يوحنا
أ‌-يتعذّر ان يوحنا سأل سؤاله عن جهلٍ محض. في الأناجيل وفي Q ليوحنا معرفة بيسوع.
ب‌-قصد المعمدان بسؤاله وسيلة ليجعل تلاميذه يتّصلون مباشرةً بيسوع. ليس السؤال سؤال يوحنا وإنما هو سؤال التلاميذ. وسيلة تربوية لكي يلتحق تلاميذه الأمناء بيسوع عن طريق المقابلة المباشرة. هل هذا التفسير مضبوط؟ هلا تُفترض افتراضات كثيرة؟

ج- أعلن يوحنا أن "يأتي (الآتي) بعدي من هو..." هذا الشخص عند يوحنا ديّان صارم: بيده الرفش. يُحرِق التبن بالنار. الدينونة وشيكة. فيسوع عنده ذلك الديان. فأعلن يوحنا ضرورة التوبة ولم يسكُت حتى أمام الملوك. والآن هو في السجن. والأيام والأسابيع تمضي... ويسوع الديان لا يأتي. يسوع يفقد وقته في الجليل. بدلاً من ان يكون الديان الصارم هو راع صالح يجمع المفقود. فلا يعود يوحنا يفهم فيسأل. رجلٌ في السجن، في الظلمات، يطلُب نوراً وإدراكاً. سؤال حياتي إيماني متّقد.

2)جواب يسوع

كما هو الحال كثيراً في الأناجيل: جواب يسوع غير واضح لأول وهلة. ولكن يوحنا فهم: نعم، أنا الآتي. كأن يسوع يقول: انظر يا يوحنا، يا إسرائيلي حقيقي، أنت تعرف موسى والأنبياء. لما تحدث العجائب المذكورة في اشعيا تعلم ان الأيام الأخيرة أقبلت.

ولكن يسوع ينعت جوابه نعتاً. لا يترك شكّاً في أنه آتٍ بطريقة مختلفة عن انتظار يوحنا. أجل، في Q يسوع ايضاً ابن الإنسان الآتي للدينونة. ولكنه اولاً له مجيء يتجلّى فيه جود الله الكبير الوافر: العميان يبصرون... الفقراء يبشَّرون. حسب خطة الله يسوع موقتاً الراعي الصالح. فعلى يوحنا ان يُعيد النظر في رأيه في الله وفي رسوله الأخير. إذن جواب يسوع "نعم" و "لا" بنفس الوقت.

3)التطويب

إذا حصلنا على حلٍّ لسؤال يوحنا وجواب يسوع، فلا ريب في قصد التطويب الختامي: يوحنا المعمدان نفسه يعثُر بنشاط يسوع. تطويب يسوع دعوة لكي يترك يوحنا رأيه العنيد المُخطئ ويقبل ان يُغيِّر "لاهوته". الله هو قبل كلِّ شيء إله طيب رحوم. والقارئ يتفكّر ويتأمل في هذا التوبيخ القاسي. لكن يسوع الموبّخ يواصل الكلام بعد ذهاب المرسَلين، موجِّهاً إياه الى الجمهور: "ماذا خرجتم الى البرية تنظرون؟... "اكثر من نبيّ..." (متى 11: 7-11/ لو 7: 24-28). هذا المدح العظيم لم يمنع يسوع من ان يُوبِّخ يوحنا أولاً. زهد يوحنا الصادق، وكرامته وتألمه من اجل "القضية" لم تحفظه أوتوماتيكياً من سوء فهم في خطة الله وهوية يسوع ولم يُؤمِّنه من أزمةٍ إيمانية شخصية.

3- النص- بشارته اليوم
فحص النص أتى بنا الى فهم أعمق لما قصد متى ولوقا و Q الافتراضي. ولكن هل فيه بشارة تُكلِّمنا اليوم ايضاً؟

1)الخريسطولوجيا

كل مؤمن يقرأ هذا النص يسأل نفسه: وكيف حال رأيي أنا في المسيح ومجيئه (المزدوج)؟. كيف صحة خريسطولوجيتي؟ وليس ذلك سؤالاً عن مذهب وإدراك عقلي فقط. في سماع هذا النص شعرنا ان مهمتنا الأولى كجماعة المسيح: ان نواصل أعماله. هل يُظهر وجودُنا المسيحي جود الله ورحمته؟ هل عملنا الرسولي والكنسي اكثر من مجرَّد بُنية ومؤسَّسة، أكثر من سلطة وانضباط وعقيدة وطقس وهيئة وعمارات؟ هل يأتي أولاً الاقتداء بيسوع الراعي الصالح الطالب عن المفقود، الطبيب المعتني بالمرضى، المشيح الداعي خطاةً الى التوبة؟ أول ثمرة من النص: توبة شخصية والتزام راعوي.

2)التاريخية

نعود الآن الى هذه النقطة. قلنا: هناك دلائل "لها وعليها". لا اتفاق عند العُلماء. هل لنا هنا سؤال من يوحنا وجواب من يسوع؟ أم لنا هنا افكار وآراء من الكنيسة البادئة، جدال بين مسيحيين ومعمدانيين؟ قد يمكن ان لا يوجد رأي مرضٍ مئةً بالمئة اليوم. لكن قضية التاريخية ليست مهمة جداً.
حتى اذا لم يعُد الكلام الى يسوع نفسه، فللنص مقدارٌ من التاريخية. كيف؟ اولاً النص يبيّن ان الرُواة كانوا يملكون تقاليد في عجائب يسوع يُصدقونها (وعلى أي اساس نشك نحن في إيمانهم؟). ولكن ثانياً: رأي يسوع في الله كما يتبيّن في هذا النص والخريسطولوجيا منه شيء تاريخي مئة بالمئة. هناك نصوص اخرى كثيرة "أصيلة" في عيون الجميع تُؤكِّد صورة يسوع من هذا المقطع تأكيداً تاريخياً.

إعلان جودة الله وجودة يسوع نفسه تظهر من كل نشاطه: تعليم، شفاء، اتصال بالخطأة والمنبوذين يدافع يسوع عن موقفه امام الكتبة والفريسيين الذين (بالعموم) كانوا، مثل يوحنا، يتصوّرون الله أشد وأكثر صرامةً منه يسوع. نذكر الأمثال الكثيرة. كثير من العلماء يعتبرون "طوبى لعيونكم..." (متى 13: 16-17/ لو 10: 23-24) قولاً أصيلاً. افلا يشير هذا التطويب الى اعمال يسوع الموصوفة في الجواب على المعمدان؟

3)الفقـراء

في وسط كلام يسوع ستة "أعمال" متصاعدة بأسلوب معراجي، لأن "الموتى يقومون" أضخم من ما يسبق. ولكن هلاّ يُشكل الذكر الأخير في القائمة هبوطاً مُفاجئاً من المعراج: الفقراء يبشَّرون؟ كلا. لأن تبشير الفقراء ميزة خاصة ليسوع الأرضي كما نعرفه. فالسؤال الحقيقي هو: ما في هذا الجواب ليس فحسب بل في حياة يسوع الواقعية الارتباط بين العمل والكلام، بين عجائب يسوع وتبشيره؟

الظنّ العام هو ان يسوع افتهم رسالته إيفاءً لما قال إشعيا 61: 1 عن نفسه: "روح السيد يهوه عليَّ. لأن يهوه مسحني، وأرسلني أبشّر الفُقراء، وأجبِر منكسري القلوب، وأنادي بإفراج عن المسبيين، وبتخلية المأسورين". يسوع عارف ان هذه النبوات تتحقّق فيه. فهو إذن واقف بين ماضي إسرائيل وبين المستقبل القريب لملكوت الله.
قد يظنّ المرء ان الفُقراء يشكّلون مجموعة سادسة في القائمة. هل هذا صحيح؟ بالخمس المذكورة يشير يسوع الى عجائبه المحققة. ولكنها ليست إلا أمثلة لنشاط أوسع. الخمس المذكورة نماذج فقط لكل ضيق بَشَري: مرض وموت وعجز وخطيئة. يسوع موجود من اجل كل إنسان ومن أجل كل الإنسان. فـ "الفقراء" ليسوا مجموعةً اخرى الى جانب العميان إلخ، بل العبارة تشمُل كل المحتاجين من كل النواحي. الفرق الوحيد هو ان الخلاص في جواب يسوع قد وصل الى المجموعات الخمس، وفي الجملة الأخيرة الخلاص يُبشَّر به أي يُوعَد به.

إذا صحّ هذا التفسير – ولا نجد داعياً لنشك فيه- فعندنا نتيجتان:
(1) يظهَر في نشاط يسوع قُطبان: عملُه وكلامُه. وهذان القُطبان متعلّقان: تبشير يسوع يُصدِّقه موقفه ومعاملته وأفعاله. وعلى المقلوب يوضِّح نشاط يسوع تبشيرَه بصورة "ناطقة": إنه شكل من التبشير.
(2) شرحنا يُبيّن ان العضو الأخير من القائمة يخصِّص كل نشاط يسوع. "الفقراء" ممتازون: طوبى لهم. قد نُزِعَ الفُقر" من بعضهم (العميان..)، خلاصهم موقت وغير كامل (جسداني فقط). الخلاص يكون كاملاً لجميع الفقراء من كل ضيق إنساني: غفران الخطايا، وملكوت الله الطيب. الله ساكن بينهم... إلى الأبد...

كلام يسوع جواب مدروس على سؤال المعمدان. نشأ السؤال في ظلمات سجن هيرودس، لأن يوحنا لم يقدر أن يُوفِّق بين نشاط يسوع وبين انتظاره للديّان الصارم. قلقُنا قد تكون من نوع آخر. نحن نعرف جواب يسوع جيداً "على القلب". ولكن قلقَنا يأتي من الخلل بين الفكرة والعمل. عندنا إيمان. ولكن حبَّنا قد يكون بارداً جامداً... مع ذلك تَعلَّمنا من النص ان علينا اليوم ان نقوم بـ "أعمال المشيح"...

قراءة 11394 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *