اخبار الرعية
الأربعاء, 30 أيار 2018 14:09

احتفالية ذكرى تتويج مريم العذراء ملكة الكون في دير ماريوسف البتول للابتداء

برعاية سيادة الحبر الجليل مار بشار متي وردة السامي الوقار، احتفلت رهبانية بنات مريم الكلدانيات يوم الأربعاء الموافق 30/آيار/ 2017، باحتفالية تتويج مريم العذراء ملكة الكون، حيث أستهل الإحتفال بصلاة مسبحة الوردية وتأمل الشهر المريمي ومن ثم طلبة العذراء مريم، ومن ثم ترأس سيادته الاحتفال بالقداس الإلهي واشترك مع سيادته الأباء الكهنة الأفاضل: الأب سمير صليوا؛ الأب افرام كليانا والأب بيير قوجا القادم من إيبارشية مار توما الكلدانية/ ميشغن، الأب وائل ابلحد والأب إيلرام أصلان والأب هاني خميس، وحضر الإحتفالية الأب الفاضل سالم ساكا...
واشترك بالاحتفالية تلاميذ معهد شمعون الصفا الكهنوتي والشمامسة الإنجيليين  القادمين من إيبارشية مار توما الكلدانية/ ميشيغن؛ وراهبات من مختلف الرهبانيات وجمع غفير من مؤمني الإيبارشية. ختم الإحتفال برتبة تتويج العذراء مريم وزياح بتمثال العذراء فاتيما حول مبنى الدير...  
فيما يلي عظة سيادة الحبر الجليل مار بشار متي وردة:

عظة إحتفالية تتويج العذراء مريم ملكة الكون

مريم مُعلّمة الإيمان

أمتلأت إليصابات من الروح القُدس وأنشدّت: "هنيئاً لكِ، يا مَن آمنتِ بأن ما جاءَها من عند الربِ سيتُم" (لو 1: 41- 45). وعادَ ربّنا وهنأ أمهِ مريم عندما قال للمرأة التي باركتهُ: "هنيئاً لمَن يسمع كلام الله ويعمل بهِ". فبدءُ الإيمان هو من عند الله، في كلمتهِ: "في البدء كان الكلمة، والكلمةُ عند الله، وكان الكلمة الله. هو في البدءِ كان عند الله، به كان كلُّ شيءٍ، وبغيره ما كانَ شيءٌ مما كان" (يو 1: 1- 3). وإيمانُ أمنا مريم كان جواباً لدعوةِ الله لها، وتحقق هذا الجواب عمليا ًفي حياتها من خلال: الإصغاء للكلمة وحفظها ثم عيش هذه الكلمة والشهادة لها في حياتها مهما كانت تبعاتها، فلا يُمكن الحديث عن أمنا مريم إلا إنطلاقاً من مُبادرة الله المُحبة تجاه الإنسان؛ تجاهنا.

الله الآب يُريد قلب الإنسان، لذا يُبادِر إليه مثلما يُبادِر المُحِب تجاه مَن يُحبهُ فيسألهُ الشِركة، ويُبادِر تجاههُ بالعهدِ، فالله الآب هو المُبادِر وهو صاحبُ الخطوة الأولى. من هنا نفهم سلامَ الملاك لمريم: "السلام عليك يا مُمتلئة نعمة". فمريم لم تملء نفسها من النعمةِ، الله الآب هو الذي أنعمَ عليها، والله يُعطي ما هو عليه، المحبّة. إلهنا وهبَ لأمنّا مريم المحبة، وهذه المحبة قادرةٌ على تغيير المحبوب فتجعلهُ إنسانا مُحباً، تخلقهُ من جديد. محبة الزوجين لبعضهما تخلقُ إنساناً وتغيّرهما من زوج وزوجة إلى أب وأم، ومحبتهم كأبٍ وكامٍ تغيّر الطفلَ إلى إنسانٍ ينمو في القامة والحكمة أمام الله والناس. حيثما تأتي المحبّة تهبُ لمَن يقبلها هويّة جديدة وتغيّره ليكون هو مُحباً، فصارت أمنّا مريم بنعمةِ الله: والدتهُ، أمةُ الربِ، خادمتهُ.

قَبلِت مريم إذن مُبادرة الله الخلاصية، وآمنت بأن الله قادرٌ على كلِّ شيءٍ بالمحبة، فهو محبة، والمحبة تتجاوز المستحيلات: "فما من شيءٍ غير ممكن عند الله". فقالت مريم: "أنا خادمة الرب: فليكن لي كما تقول" (لو 1: 26- 38).

إيمان مريم إيمانٌ مُكتملٌ: مُبادرة من الله (الداعي)، وجوابٌ شخصيٌّ على الدعوة، فجاءت الدعوة من الله نعمةً على على مريم وعادت إليه بإنسانة كرست حياتها كلها له شاكرةً: "أنا خادمة الرب"، وفي هذه العبارة جعلت مريم حياتها كلّها بين يدي الله الآب، وأختارت أن تكون الأمة، الخادمة الأمينة لمشيئتهِ.        

إيمانٌ امنا مريم هو إيمانٌ يُصغي إلى كلمةِ الله ويتأمل فيها ويحفظها ويرافقها ويحرس عليها بل يبحث عنها لكي لا تتيه عنه. إيمانها إيمانٌ يسهر على كلمة الله، ويخدم كلمة الله، ويعتني بكلمة الله في بيت لحم وفي مصر وفي الناصرة وفي الجليل وعلى الجلجلة. ومن هذه المحطات نعرف أنه إيمانٌ مُختَبرٌ بالصعوبات والآلام، فلم تكن حياتها مفروشةً بالوردِ، بل نفذَ سيفُ الحزنِ في نفسها" (لو 2: 35).

إيمان امنا مريم إيمانٌ مُحبِ، لأن باعثهُ: الله هو محبّة، فهي تقبل ما يُقدم لها، فيُغيّرها لتكون هي ما تنال: المحبّة. فأمنا مريم سمحت لله بأن يخدُم الناس من خلالها، فقامت مُشرعةً حاملة الله الذي حلَّ فيها لتكون قُربَ أليصابات والتي أنشدّت وبإلهامٍ من الروح القُدس: "مَن أنا حتّى تجيءَ أم ربي؟ قبلت مريم كلمة الله وسمحت لهذا الكلمة أن تتجسد فيها، فقدمت لنا أولى علامات الخلاص الآتي، فربنا يسوع يذهب من خلال مريم ليخدمَ أليصابات العاقر وزكريا الشيخ.

إيمان امنا مريم هو إيمانٌ شاكرٌ، أصلهُ من عند الله وعادَ إليهِ بإنسانةٍ تُمجدهُ لعظمتهِ: تُعظمُ نفسي الربّ وتبتهجُ روحي بالله مُخلصي، لأنه نظرَ إليَّ أنا خادمتهُ الوضيعة! فكل التمجيد هو لله وهي صارت مُباركة بسبب نعمةِ الله. لم تتفاخر أو تتكابر بسبب ما أُعطيّ لها من النعمة، بل رأت فيها علامات محبة الله للإنسان.

إيمانها جعلها حاضرة في حياة ربّنا يسوع فرافقتهُ دوماً، ورافقت الكنيسة لأن الله هو الذي أرادَ ذلكَ (أع 1: 14). فلمريم مكانةٌ متميّزة في مخطط الله الخلاصي. وعندما حلَّ الله بيننا خلقَ مع مريم شِركة لا تنفصم، فهو ربّها ورأسها، وهي أول مَن قال: ليكن لي بحسبِ قولِكَ. فسارت طريق الإيمان بأمانةٍ حتّى الصليب.

مسيرة إيمان مريم جعلها تقف إلى جانب إبنها على الصليب فأختارها ربّنا يسوع لتكون أماً للكنيسة التي تمثلّت بالتلميذ الحبيب الواقف إلى جانب صليب يسوع، وأختارها الله لتكون مَن يُرافق الرُسل (الكنيسة) في الصلاة: "وكانوا يُواظبون كلهم على الصلاة بقلبٍ واحدٍ، مع بعضِ النساء ومريم أم يسوع وإخوتهِ" (أع 1: 14). إلهنا اختارها لتكون المرافقة المُصلية، فعندما نُصلي لها وإليها، فنحن لا نقول أنه أخذت مكان الله، فإيمانها صادقٌ لأنه إيمانٌ يقود إلى الله الآب: "إعملوا كل ما يأمركم به" (يو 2: 5). نحن إنمّا نُنفذ ما حسُنَ لدى الله الذي أختارها لنا ككنيسة لتكون مَن يُصلي معنا ولنا إلى الله الآب. وعندما نُكرمها فإننا نُكمل وصية الروح القُدس الذي أنشدَ فيها: سوف تهنئني جميعُ الأجيال.

نحن إذ نُكرِم أمنا مريم فنحن نُعظمُ أعمال الله القديرة فيها، ففيها ظهرت قُدرة الله. وكان هذا ليُعطينا الشجاعة لمواصلة مسيرة الإيمان والنمو في القداسة فالإنتصار على الخطيئة ممكن بيسوع المسيح، إبنُ مريم. ففي إكرامنا لمريم أمنا اليوم نواصلُ التعظيم الذي صارَ لها من قبل الله الآب ونُعلِن: أن الله صنعَ فيها كل ما يُريد أن يصنعهُ في الإنسان، وهي نفسها تعترِف بذلك: "لأَنَّ القَديرَ صَنَعَ إِليَّ أُموراً عَظيمة: قُدُّوسٌ اسمُه" (لو 1: 49). فمريم لا تحسُبُ ما أنعمَ الله به عليها إمتيازاً، بل مناسبةً لتمجيدهِ.

نحن بحاجة اليوم لمثل هذا الموقف الإيماني: أنا أمةُ الربّ"، إيمانٌ يعرِف أن يشكر ويُمجّد عظائم الله في الحياة، ويشعر العالم أنه عالمٌ أكثر محبة من خلال حضورنا المسيحي. ربّنا يسوع جعلَ الله حاضراً في حياة البشرية، وقدمت مريم حياتها وجسدها لتكون في خدمة مشروع الله، ونحن مدعوون لأن نجعل يسوع حاضرا ًفي حياة الناس، وهو ينتظر أن نكون على مثال أمنا مريم مُستعدين لأن نُعطيه حياتنا لتكون في خدمة مشروعهِ.

اليوم، ونحن نحتفل بتتويج العذراء مريم ملكةً للكون، تدعونا أمنا مريم الملكة لأن نسمح لها بأن تدخل بيوتنا، قلوبنا لتكون ملكةً عليها. لندعوها مريم لتدخل بيوتنا وتعلّمنا كيف نعيش إيماننا المسيحي اليوم. فهي بنتُ جنسنا الإنساني ووضعت حياتها تحت تصرّف الله، فنالت الخلاص بل القداسة، وملئها الله بالنعمةِ، وهي تدعونا اليوم قائلة: "سلمّوا حياتكم بيد الله ولا تخافوا، فهو معكم: عمانوئيل، فأعملو بكل ما يقولهُ لكم".

فيا أمنّا مريم،

نَحْنُ أَيضاً اليَوم، نَقِفُ أَمامَكِ، أَيَّتُها المَلِكَة، ملكةُ الكون،

ونُكرمُكَ ملكةً على حياتنا وبيوتنا

نُعَلِّقُ عَليْكِ رَجاءَنا كَما عَلى مِرْساةٍ أَمينَةٍ وَراسِخَة.

نُكَرِّسُ لَكِ عَقْلَنا ونَفْسَنا وَجَسَدَنا، بِجُمْلَتِه.

فأقبليها ليكون بين يديك في خدمةِ مشروع الله الخلاصي.

وأجعلينا تلامذة أمناءَ لأبنكِ، نُصغي إليه بقلبٍ صافٍ وبطاعةٍ نزيهةٍ.

ولترافقنا صلاتُك مثلما رافقتي الكنيسة

وأرشدينا إلى إبنك عندما نتيهُ عنه بسبب خطايانا.

يا مريم يا أمنّا، يا ملكةِ الكون.

صلِّ لأجلنا.

معرض الصور

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *