ندوة الكتاب المقدس
الخميس, 17 كانون1/ديسمبر 2015 15:33

تأملات في الرسالة إلى الرومانيين اللقاء الرابع

كتبه
قيم الموضوع
(1 تصويت)

المطران بشار متي وردة

الندوة الكتابية (كنيسة مار يوسف – عنكاوا- أربيل)

 

تأملات في الرسالة إلى الرومانيين

 

اللقاء الرابع

 

  وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ ظَهَرَ بِرُّ اللهِ (الفصل الثالث)

 

بعد أن بيّن بولس في الفصل الأول أن خطيئة الوثنيين تكمنُ في عدم إعطاء المجد الواجِب لله الذي عرفوه من خلال الطبيعة، وعدم الإلتزام بما تأمرهم به الشريعة الطبيعية التي جعلها الله فيهم. وفضح خطيئة اليهود التي تحوّلت إلى معصية وعثار للآخرين، صارَ من الواضح أن الجميع أخطأؤوا. شمولية الخطيئة تفتح الباب له لا ليُجعل الناس تييأس وتموت في خطاياها، لأنه كشفَ لنا منذ الأسطر الأولى أن رسول البُشرى السارة، لذا، فشمولية الخطيئة هي الطريق للحديث عن شمولية الخلاص.

وبعد أن فنّد بولس إدعاء اليهود حول الناموس والختان وبيّن أنهم نقضوه بإرتكابهم الخطايا، مُبيناً أن ختان القلب كان علامة الخلاص المسيحياني المنتظر في كرازة الأنبياء، والذي تحقق في يسوع المسيح، يأتي إلى الحجة الأخيرة التي يعتمِد عليه اليهود في إدعائهم بأنهم مخلّصون لا محالةَ وهي العهد، ففيها ومن خلالها يؤمن كل يهودي أن خلاصهُ يعتمد كلياً على رحمة الله. الله بقي أميناً للعهد التي قطعه مع آبائهم حتّى مع خيانة الإنسان، ولكنه يُشدد على أن الاختيار (إختيار الله لشعبٍ) يخلق مسؤولية، فمن أخذ كثيراً يُحاسَب كثيراً. الله اختار الشعب الصغير (الكنيسة) ليُصالح العالم مع نفسهِ، وليس ليفتخرَ هذا الشعب.

لذا، يُؤكد بولس على أن اليهود ليسوا أفضل ... جميع الشعوب أخطاؤوا، كاشفاً ومن خلال آيات من المزامير وإشعيا أنهم خاطئونَ: الكتاب المُقدس، كشفُ الله يُبيّن هذه الحقيقة، والناموس نفسه يكشف خطيئة الإنسان، واليهودي المتدين يعرف أن الخطيئة خيانة موجهة ضد الله المُحِب الرحوم. لذا، صارت الشريعة سبيلاً لا إلى البرارة بل إلى معرفة الخطيئة، ولفضح ذنوبِ الإنسان، لذا، فالجميع بحاجة إلى خلاص المسيح، فأضحوا موضوعَ حُبِ الله، فتدخل الله على نحو حاسمٍ في تاريخ الإنسان بيسوع المسيح، لينتصرِ على الخطيئة ويحسمَ النصر للإنسان الخاطيء.

لكن الناموس الذي يكشِف للإنسان خطاياه يكشفِ أيضا أن برّ الله والذي ظهر في يسوع المسيح، هو ضمانة الخلاص، لأن الجميع أخطأؤوا. هذا الخلاص صار الآن: أما الآن"، فمع ربنا يسوع بدأ الزمن الآواخري، فصار الناموس، والذي وقفَ شاهداً على خطيئة الإنسان، شاهداً على برّ الله وقُدرته، أي فعلهُ في حياة الإنسان. وسيكون الإيمان قبول الإنسان لفعل الله الخلاصي في يسوع المسيح، في طاعة تامّة، وهنا يُمكن للأمم الغير اليهودي أن تنعم بخلاص الله إن آمنت. الله يقبل الإنسان (اليهودي والأممي)، ويفديه، أي يدفع عنه الجزية المفروضة ليعود إلى البيت الأبوي من جديد.

ليس هذا فحسب، إيماننا بالمسيح يهبُ لنا مجداً يفوق المجد الذي صار لموسى، لأنه يُنير في قلوبنا نور معرفة مجد الله، وهي خدمة أوكِلتَ إلينا لنحمل البٌشرى السارة التي وهبها الله مجاناً لا إستحقاقاً. الفداء الذي هو شخص يسوع المسيح نفسه. ففي يسوع صالحَ الله العالمَ إلى نفسهِ، فرفع عن الإنسان كل ما يُعيقُ الإنسان من إقامة علاقة صحيحة معه. الله هو الفاعِل دوماً، لأنه كشفَ عن برّه المُخلِص إزاء خطايا الإنسان (اليهودي والأممي). كشف الله عن محبته وأمانتهِ بأنه قبِلَ الإنسان الغير الأمين، وغفرَ له خطاياه (أزال ما يُعيقُ اللقاء). فقبول يسوع مسيحياً ورباً هو قبول لتبرير الله. فالخلاص هو للجميع مثلما أن الله هو للجميع، فالله لا يُقدِم إلا ذاته: المحبة. فلا إله إلا الله.

 

برُّ الله

"وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ ظَهَرَ بِرُّ اللهِ بِدُونِ النَّامُوسِ مَشْهُوداً لَهُ مِنَ النَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاءِ" (روم 3: 21)، بهذه العبارة غيّر الرسول بولس حديثهُ إلى كنيسة روما والذي فيّه بيّن إن الإنسان ميّت لا محالة بسبب خطاياهُ، والذي يحكم عليه هو الناموس الذي يتنكّره (الأمميين)، أو الذي يتناساهُ (اليهود)، ليظهر برُّ الله ويُنير ظُلمة حياة الإنسان المُصابة بالخطيئة. فالإنسان لم يتغيّر ولم يُعدّل مسارَ حياتهِ ليكونَ صالحاً، الأمر الجديد الذي حصلَّ هو أن الله كسرَ صمتهُ ومدَّ يده إلى الإنسان الخاطئِ فملءَ الأرض والسماء فرحاً، وكشفَ للانسانِ أنه بارٌ لأنه يُحب.

فعلُ الله كان:

"بِالإِيمَانِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ إِلَى كُلِّ وَعَلَى كُلِّ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ. لأَنَّهُ لاَ فَرْقَ. إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ. مُتَبَرِّرِينَ مَجَّاناً بِنِعْمَتِهِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ الَّذِي قَدَّمَهُ اللهُ كَفَّارَةً بِالإِيمَانِ بِدَمِهِ لإِظْهَارِ بِرِّهِ مِنْ أَجْلِ الصَّفْحِ عَنِ الْخَطَايَا السَّالِفَةِ بِإِمْهَالِ اللهِ. لإِظْهَارِ بِرِّهِ فِي الزَّمَانِ الْحَاضِرِ لِيَكُونَ بَارّاً وَيُبَرِّرَ مَنْ هُوَ مِنَ الإِيمَانِ" (3: 22- 26).

برِّ الله ظهرَ من خلال رحمتهِ لأنه محبّة، فكانَ باراً مع الإنسانِ، إذ أظهرَ محبتهُ بالرحمةِ التي فيه فقَبِلَ الإنسان من جديد. برّه يجعلُ الإنسان باراً، فعندما يعي الإنسان حالتهُ الخاطئة، ويعي أنه مغفورٌ له ومُنحَ حياةً جديدةً وفُتحَت له أبوابُ الفردوس من جديد، عندها سيبدأ العيش إنساناً جديداً. "قَدْ كَمَلَ الزَّمَانُ وَاقْتَرَبَ مَلَكُوتُ اللَّهِ فَتُوبُوا وَآمِنُوا بِالإِنْجِيل" (مر 1: 15) من هنا كانت البداية، برُّ الله، فعلهُ الخلاصي الذي علينا أن نطلبهُ أولاً: "اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللَّهِ وَبِرَّهُ وَهَذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ" (متّى 6: 33). فالتوبة وطلبُ ملكوت الله وبرّه لا تعني العودة إلى تطبيق ما تأمر به الشريعة، بل الدخول في العلاقة الجديدة التي صارت لنا بيسوع المسيح.

أن نؤمنَ، يعني أن نتوبَ من خلال الإيمان، فتكون التوبة لا سببَ الخلاص بل نتيجة للخلاص الذي صارَ لنا بيسوع المسيح. هذا لا يعني أن طريق الإنسان سيكون: الخطيئة- التوبة – الخلاص (تُب فتخلص)، بل، طريق الله: الخطيئة – الخلاص- التوبة (تُبُ لأنّك مُخلَص يا إنسان). الخلاص صارَ للإنسان هبةً مجانية ينتظر القبول (الإستجابة)، ومكّن َالإنسان من التوبة، فلولا معرفةُ الأبن بأفكارِ الآب وبرحمتهُ التي ستقبلهُ لما عادَ بعد أن رفض البقاء إلى جانب أبيه، وترك البيت وبعثرَ كل أموالهِ (لو 15: 11- 32). كرازةُ ربّنا يسوع كانت: الله بادرَ ثم إستجابَ الإنسان، وهو ما عارضهُ الكتبة والفريسيون: "لأَنَّهُمْ إِذْ كَانُوا يَجْهَلُونَ بِرَّ اللهِ وَيَطْلُبُونَ أَنْ يُثْبِتُوا بِرَّ أَنْفُسِهِمْ لَمْ يُخْضَعُوا لِبِرِّ اللهِ" (10: 3). الله بادرَ وعلى الإنسان أن يقبل هذه المُبادرة، أن يُؤمِن، وعليه أن يسلَك وفقها. مثلهُ مثلُ ملكِ فتح باب قصره ليدعو المارّة: "تعالوا فقد أُعدَّ كل شيءٍ".

"تُب وآمن" تعني أن تمر من العهد القديم المؤسس على الشريعة إلى العهد الجديد المؤسس على الإيمان، ليكونَ الإيمان أولى خطوات التوبة. فلم تعد البراءة والفضائل وحفظ الوصايا مدخلاً للملكوت، فالإنسان غير قادرٍ من ذاتهِ ليدخل مثل هذا الباب لأنه ليس باراً ولا يمتلك الفضائل اللازمة. لذا، أعلنَ الله أن باب الملكوت هو الإيمان، وهو ليس مُستحيلاً عليك: "لَكِنْ مَاذَا يَقُولُ؟ "اَلْكَلِمَةُ قَرِيبَةٌ مِنْكَ فِي فَمِكَ وَفِي قَلْبِكَ" (أَيْ كَلِمَةُ الإِيمَانِ الَّتِي نَكْرِزُ بِهَا). لأَنَّكَ إِنِ اعْتَرَفْتَ بِفَمِكَ بِالرَّبِّ يَسُوعَ وَآمَنْتَ بِقَلْبِكَ أَنَّ اللهَ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ خَلَصْتَ. لأَنَّ الْقَلْبَ يُؤْمَنُ بِهِ لِلْبِرِّ وَالْفَمَ يُعْتَرَفُ بِهِ لِلْخَلاَصِ" (10: 8- 10). فالملكوت صارَ لنا هبة مجانية، نعمة من الله، رافعاً من البشرية "السرطان" الذي أنهكَ البشرية وقتلها، وهو "إفتخارُ الإنسان وكبريائهُ": "لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ. لَيْسَ مِنْ أَعْمَالٍ كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ" (أفسس 2: 8-9)، "فَأَيْنَ الافْتِخَارُ؟ قَدِ انْتَفَى! بِأَيِّ نَامُوسٍ؟ أَبِنَامُوسِ الأَعْمَالِ؟ كَلاَّ! بَلْ بِنَامُوسِ الإِيمَانِ. إِذاً نَحْسِبُ أَنَّ الإِنْسَانَ يَتَبَرَّرُ بِالإِيمَانِ بِدُونِ أَعْمَالِ النَّامُوسِ" (روم 3: 27- 28). ملكوت الله يُقبَل هدية لا مُجازاةً، تماماً مثل الأطفال: "اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَنْ لاَ يَقْبَلُ مَلَكُوتَ اللَّهِ مِثْلَ وَلَدٍ فَلَنْ يَدْخُلَهُ" (مر10: 15). فالأطفال يطلبونَ ما يشاؤون من والديهم ليس لأنهم عملوا وإستحقوا الأجرة، بل لأنهم يؤمنون أنهم محبوبونَن فلهم أن يسألوا ما يشاؤوا. هذا لا يُلغي مبدأ المُجازاة، بل يضع الأمور في مسارها الصحيح، فالخلاص نابعٌ من الإيمان. فالوالدين يُعطون بسخاء لأبنائهم لكي يتمكنوا من شراء هدية لهم في عيد الأم أو عيد الآب، وهي هدية تُفرحُ قلب الوالدينِ.

لقد تعلّم الرسول بولس من خبرتهِ الإيمانية، من إهتدائهِ، معنّى أنه مقبول بمحبة الله ومُبررٌ له بلإيمان بهذه المحبّة، فعبّرَ من مفهوم المجازة إلى النعمة: "لَكِنْ مَا كَانَ لِي رِبْحاً فَهَذَا قَدْ حَسِبْتُهُ مِنْ أَجْلِ الْمَسِيحِ خَسَارَةً. بَلْ إِنِّي أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ أَيْضاً خَسَارَةً مِنْ أَجْلِ فَضْلِ مَعْرِفَةِ الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّي، الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ خَسِرْتُ كُلَّ الأَشْيَاءِ، وَأَنَا أَحْسِبُهَا نُفَايَةً لِكَيْ أَرْبَحَ الْمَسِيحَ، وَأُوجَدَ فِيهِ، وَلَيْسَ لِي بِرِّي الَّذِي مِنَ النَّامُوسِ، بَلِ الَّذِي بِإِيمَانِ الْمَسِيحِ، الْبِرُّ الَّذِي مِنَ اللهِ بِالإِيمَانِ" (فيلبي 3: 7-9).

 

عَرِفَ أن ما يؤمن به عن التبرير هو اشبهُ برجلٍ يحمل شمعةً تُنير له ظلمةُ الحياة حتّى إنكشفَ أمامهُ النهار وإذا بشمسِ الله تُنير حياتهُ حتّى لم يبقَ أثرٌ وتأثيرٌ لهذه الشمعة التي كانت يخافُ أن تنطفأ في أية لحظةٍ. فالله جعلهُ يختبِر معنى ما سيقوم بالتبشير به في الكنيسة. "برُّ الله" بيسوع المسيح الذي انعمَ به على كل مَن يؤمِن به.

 

        شكلُ هذا الإيمان ليس إيماناً عقلانياً، بل له هيئةٌ أخُرى، هو "إستيلاءُ تامٌ" على حياة الإنسان بعد أن يقول الإنسان الــ"نعم" لله. هذه الـ"نعم"، تكفي ليستولي الله على حياة الإنسان كلّها. الله خلقَ الإنسان حُراً ليقبلَ هذه العطية بحريةٍ، ويقبل أن يعيش في ظلِّ محبته ونعمتهِ. فبعد زمان طويل إنتظرَ الله هذه الــ"نعم" الأمينة من الإنسان، ولم يسمع إلا الرفض، لكنه، ولأنه محبة بينَ نفسه باراً، عادَ ليُجدد مُبادرتهُ فسمِعَ من أمنا مريم الــ "نعم" التامّة، فأستولى عليها، ليجعل نفسه تحت تصرّف الإتسان، فخلقَ الإنسان جديداً بيسوع المسيح، بعد أن حاربَ فيه كل أشكالَ الرفضِ وخرجَ منتصراً، ولو مجروحاً (مصلوباً).

الإيمان هو قبول هذا الصراعِ ليكونَ صراعنا الشخصي، والإفتخار بهذا النصر وكأنه إنتصارنا نحن، مثلما يحصل عندما يُشجع أحدهم فريقاً أو رياضياً. فالإيمان يستولي على الإنسان كليا ًويأخذه من مرحلة ٍإلى أخرى، فيُعمّق فيه المسيرة: "إلقوا شباككم في العمُق"، فيبدأ من إيمان بشواهدِ نحو إيمانٍ من دون شواهِد، وهي تعني بالضرورة أن على الإنسان أن يتجاوزَ الكثير من المعوقات ليتغلّب عليها حتّى يأتي الإيمان نقياً.

 

        هذا القبول لا يتحمل التأجيل، فعلى مَن يسمعَ البشارة أن يقبل اليوم، "هنا والآن وليس غداً. فالإيمانُ حبةٌ صغيرة فيها قُدراتٌ عظيمةٌ تتطلعُ إلى أرضٍ تقبلها لتموتَ فيها، بل لتحيا وتُثمِر. وكُل ما يحتاجهُ الإنسان هو أن يقول بتواضعٍ: إقبلني يا الله وأرحمني بعظيمِ رحمتِك، مثلما قالَ العشار مع أنه لم يقصد أن يُعوَض أن خطاياهُ، بل تركَ كل شيء ٍفي يد الله، فبررهُ (لو 18: 14). فإن كان للإنسان فرصةٌ في الإفتخار فستكون بالربِّ (1 كور 1: 31).

 

المسيح يسوع مات من أجل خطايانا

        "إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ. مُتَبَرِّرِينَ مَجَّاناً بِنِعْمَتِهِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ الَّذِي قَدَّمَهُ اللهُ كَفَّارَةً بِالإِيمَانِ بِدَمِهِ لإِظْهَارِ بِرِّهِ مِنْ أَجْلِ الصَّفْحِ عَنِ الْخَطَايَا السَّالِفَةِ بِإِمْهَالِ اللهِ" (روم 3: 23- 25). كلُّ مَن يؤمن بالمسيح ربّاً، أي أن يقبلَ هذه عطية الله الآب؛ ربنا يسوع المسيح، سينالُ الخلاص، الذي صارَ لنا بموتِ المسيح، أي في محبته التي قادتهُ إلى الصليب: "لقد ماتَ المسيحُ وعادَ إلى الحياةِ ليكون ربَّ الأمواتِ والأحياءِ" (روم 14: 9). فـ "اذا شهدتَ بفمك أن يسوع ربٌّ، وآمنتَ بقلبكَ ان الله أقامهُ من بين الأمواتِ، نلتَ الخلاص" (روم 10: 9).

ولكن ما الذي يحصل عندما نُعلِن هذا الإيمان؟ ما التغيير الذي ينشأ فينا بسبب هذا الإعلان؟

يقول الرسول بولس: "لا يستطيع أحد ان يقول: "يسوع ربّ!" الا بإِلهامٍ من الروحِ القدس" (1 كور 12: 3). فمَن يُعلِن أنَّ المسيح هو الربّ الآتي لخلاصنا وتبريرنا، إنمّا يقبلُ أولاً الروح القدس ويقبل عملهُ فيهِ ليُعرّفهُ حقيقة هذا الإيمان، وهو في ذات الوقت إعلانٌ لسيادة الله على الحياة والخضوع َله بمحبّة في طاعة الإيمان.

هذا الإيمان لا يُطفأُ نورَ العقلِ، بل يتضمّن بالضرورة أن نسمحَ لنورِ الله، لمحبتهِ، لضعفهِ؛ للصليب أن يُوصِلنا إلى معرفة الحقّ. وهذه حقيقة إيمانية تُغيّر وجه الحياة وتوجهها كلّياً: "لأَنْ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَّا يَعِيشُ لِذَاتِهِ وَلاَ أَحَدٌ يَمُوتُ لِذَاتِهِ. لأَنَّنَا إِنْ عِشْنَا فَلِلرَّبِّ نَعِيشُ وَإِنْ مُتْنَا فَلِلرَّبِّ نَمُوتُ. فَإِنْ عِشْنَا وَإِنْ مُتْنَا فَلِلرَّبِّ نَحْنُ" (روم 14: 7-8). فمع ربّنا يسوع المسيح لم يعد هناك إنفصالٌ ما بين الحياة والموت، بل على الإنسان أن يختار إمّا الحياة لله أو الحياة للذات. الأولى هي الحياة الأبدية، أما الثانية فهي الموتُ لا محالةَ.

 

        هذه السيادة التي صارت لنا بيسوع المسيح، أي محبةُ الله المتجسّدة على الأرض. مع ربنا يسوع لم يبقَ الله الذي يُكلمنا عن بُعدٍ من خلال وُسطاء، بل صارَ قريبا منّا ويُحدثنا من وسط تاريخنا الإنساني. وكشفَّ عن عظيمِ محبتهِ على الصليب، إذ ليس حُباً أعظمٌ من هذا من أن يبذلُ الإنسان نفسه عن أحبائهِ. فالآلام والصليب كانتا لأن الله يُحبنا، فهو لا يُناقِض جوهرهُ لأنه محبّة. ومحبة الله محبةٌ مجانيةٌ لا غشَّ فيها، ولا تطلب لنفسها شيئاً: "ما تقوم عليه المحبة هو أنه لسنا نحن أحببنا (الله) بل هو أحبنا... انه أحبنا قبل ان نحبه!" (1 يو 4: 10، 19). ربّنا يسوع تألمَ وماتَ بحريةٍ وبمحبةٍ لأنه أعلنَ أن الله يُحبنا مجاناً، لا ليُعلِنَ هذه الحقيقة فحسب، بل يعيشها ويكون هو الله "محبة" بيننا، وأحبنا "محبةً أبديةً" (إرميا 31: 3)، بخلاف إله الفلاسفة الذي يجب محبتهُ ليُحبَّ الإنسان ويمنَّ عليه بالخيرات أو يمنعَ عنهُ المصائب.

 

        في رواية "كوفاديس"، سأل وثني القديس بطرس الذي وصل تواً الى رومة: "أثينا، اعطتنا الحكمة، ورومة القدرة، فماذا تقدّم لنا ديانتك؟ "فاجاب بطرس: "المحبة!" محبةٌ الله ليست صُدفةً وليست نزهةً على الأرضِ، بل هي قضية جدّية، إذ أخلى ذاتهُ، هو المحبة العادِلة، يستسلِم لظُلمٍ الإنسان وخطيئتهِ. هو البريءُ يحسِب نفسهُ خطيئةً. قدّم الله للإنسان كل ما يجب أن يُقدَم وأحبهُ غاية المحبة. وخطيئةُ الإنسان هي أنه لا يعرِف ولا يعترِف بهذه المحبة فلا يُؤمِن بها، وإن عرفها فهو لا يُقدرها حقَّ قدرها. هي محبة الله وضعفه. وضعفٌ الله سببهُ حُبهُ للإنسان الذي يراه الله يهدِمُ ذاتهُ باختياراتهِ المُهلِكة، ويعجز الله عن فعلِ شيءٍ إزاء ذلك، لأن تدخله في حياة الإنسان يعني إبطالَ حُرية الإنسان. لذا، يُناديه ويناشدهُ ويُنبههُ من خلال الأنبياء. فمراراً ما نسأل : لماذا لا يُوقِفُ الله هذا الشّر؟ والحال أن الله أعطى الحُرية للإنسان ولا يُمكنهُ أن يسحبها منه إذا رأى أن الإنسان يُسيءُ استخدام حُريتهِ ولا يلتزِم تمام مسؤوليتهِ فيظلمُ ويهينُ إنسانيتهُ وإنسانية الآخرين.

 

        لو آمن الإنسان حقاً بمحبة الله، والإيمان هنا، ليس قبولَ العقيدة كفكرة فحسب، بل الإيمان الذي يسمح لهذه الحقيقة أن تنسلَ إلى الإنسان فتخلقهُ من جديد، في عالمٍ لا يُؤمِن بالمحبةِ المجانية، بل يرزح تحت وطأةِ الحقد والعنف والقتل والخيانة وخيبات الأمل في العلاقات بين البشر، مما يجعل الإيمان بمحبة الله أمرًا صعباً. سبقَ وأن أشرنا إلى أن الخطيئة الأعظم هي خطيئةُ الذين يعلنون هذا الإيمان، ولكنهم لا يعيشونهُ في حياتهِم، ليكونوا ضمنَ موكبِ الذين "يصلبون المسيح يسوع مرّة ثانية"؟ هي خطيئة الذين يعني لهم موت المسيح حضور مراسيم الجمعة العظيمة فقط! أو تخصيص ساعة واحدة في الأسبوع لله فقط! بُكاءٌ للحظةٍ وتجاهل للحياة كلّها. وهذه هي الخطيئة الأعظم: المراءة.

 

قلباً نقياً أخلق فيَّ يا الله     

يدعونا إلهنا وملكنا، بصليب ربّنا يسوع أن نسمحَ له بان يُمزِق الستار الذي يحجب قلبنا عنه، ويكسر قلوبنا الصخرية، وينزع منها إنسان المراءة والخبث والكذب والحقد واللامبالاة، ليولَد منها الإنسان الجديد العارِف المؤمِن بمحبة الله التي تدعوه ليخرَجَ من قبرهِ ويُولدَ إنساناً حُراً بالمسيح يسوع، ويتطلّبُ الأمر استجابةَ قلبٍ متواضعٍ منسحقٍ بمحبةِ الله: "فَالْتَفَتَ الرَّبُّ وَنَظَرَ إِلَى بُطْرُسَ فَتَذَكَّرَ بُطْرُسُ كَلاَمَ الرَّبِّ كَيْفَ قَالَ لَهُ: «إِنَّكَ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ الدِّيكُ تُنْكِرُنِي ثَلاَثَ مَرَّاتٍ». فَخَرَجَ بُطْرُسُ إِلَى خَارِجٍ وَبَكَى بُكَاءً مُرّاً. (لو 22: 15- 16). حقاً يصعُب على الله أن يحصِل على قلب نادم ومتواضع، قلب منسحق يُقرُّ بأنه خاطئ، فيسير أمام الله متواضعاً: "لأَنَّكَ لاَ تُسَرُّ بِذَبِيحَةٍ وَإِلاَّ فَكُنْتُ أُقَدِّمُهَا. بِمُحْرَقَةٍ لاَ تَرْضَى. ذَبَائِحُ اللهِ هِيَ رُوحٌ مُنْكَسِرَةٌ. الْقَلْبُ الْمُنْكَسِرُ وَالْمُنْسَحِقُ يَا اللهُ لاَ تَحْتَقِرُهُ" (مز 51: 16- 17). إلهنا يتطلّع إلى قلبٍ يستقبلهُ بحريةٍ تامّة. فالإنسان يميلُ إلى تبرير خطاياهُ، أو أنه لا يرى خطاياهُ، وهذا ما جعلَ ربنا يسوع يُعلَّق على الصيلب، لأنه قال للفريسيين والكتبة ورؤساء الكهنة: إنكم مراؤون وتبررون خطاياكم، بل إنكم لا ترونَ خطاياكم مُطلقاً، فرفعوه على الصليب، وما زلنا نرفعه حتّى يومنا هذا.

ذو القلب المنسحق يرى حياتهُ في ضوء نعمة الله المُحررة، لينكشِف أمام هذا النور ويجد أن عليه أن ينزعَ عن حياتهِ الكبرياء والحسد والأنانية والغضب والحقد والمراءة والبحث عن المجد الباطل والتراكض لإرضاء شهواتِ الجسد بعيداً عن الله، لا لأن الجسد شرٌ، بل لأنه يُريد أن ينزعَ من هذه الجسد المُبارَك بكلمة الله: ورأى أنه حسن، ينزعَ منه النَفَسَ الذي نفخهُ الله فيه. ذو القلب المنسحق هو مَن آمن بمحبة الله التي جاءت لتخدُم وتغسل أقدامَ الإنسان فيقومَ طاهراً، لينحني هو الآخر ويغسل أقدام أخيه الإنسان. فإن لم يقبل الإنسان أن يُغسَل فلن يكون بإمكانه أن ينحني ليغسِل أقدام إخوتهِ البشر.      ذو القلب المنسحِق هو الإنسان الذي اكتشَف خطيئتهُ التي تعلّق قلبهُ بها، فقرر أن يسمح لله أن يهدِم جدار الكذب والتبريرات، ويُمزق الحجاب، فيتوقف عن الخطيئةِ مرّة واحدة وإلى الأبد، فلن يفعلها مهما تطلّب الأمر من تضحيات وإماتاتٍ.

الإيمان بمحبة الله يتطلّب أن "نقبلَ هذه المحبة" ونستسلِم لتبعاتها من دون تجزئة أو تفضيلات شخصية لهذا أو تلِك من التبعات، إما الكل وإمّا فلا. لذا، يسأل الرسول بولس أبناء كنيسة كورنثس: "إِذاً إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ. الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ. هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيداً. وَلَكِنَّ الْكُلَّ مِنَ اللهِ، الَّذِي صَالَحَنَا لِنَفْسِهِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَأَعْطَانَا خِدْمَةَ الْمُصَالَحَةِ، أَيْ إِنَّ اللهَ كَانَ فِي الْمَسِيحِ مُصَالِحاً الْعَالَمَ لِنَفْسِهِ، غَيْرَ حَاسِبٍ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ، وَوَاضِعاً فِينَا كَلِمَةَ الْمُصَالَحَةِ. إِذاً نَسْعَى كَسُفَرَاءَ عَنِ الْمَسِيحِ، كَأَنَّ اللهَ يَعِظُ بِنَا. نَطْلُبُ عَنِ الْمَسِيحِ: تَصَالَحُوا مَعَ اللهِ. لأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ" (2 كور 5: 17- 20).

هذه المُصالحة بدأت من على الصليب: "يا أبتاه أغفر لهم"، الله نفسهُ يتوسل خلاص الإنسان، وتوبتهُ ليعود عن الطريق المؤدي به إلى الموت والهلاك. الله ينتظر عودة الإنسان إلى ذاتهِ ليكتشِف إنه إبتعد عن محبّة الله ورعايتهِ: "فَرَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ وَقَالَ: كَمْ مِنْ أَجِيرٍ لأَبِي يَفْضُلُ عَنْهُ الْخُبْزُ وَأَنَا أَهْلِكُ جُوعاً! أَقُومُ وَأَذْهَبُ إِلَى أَبِي وَأَقُولُ لَهُ: يَا أَبِي أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ وَقُدَّامَكَ وَلَسْتُ مُسْتَحِقّاً بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْناً. اِجْعَلْنِي كَأَحَدِ أَجْرَاكَ" (لو 15: 17- 19). على الصليب أسلمَ ربّنا يسوع الروحُ (يو 19: 30)، أي أنه لفظَ النَفَسَ الأخير، ولكنه كان هو النَفسَ الأول للكنيسة، فالفداء لا يعني غفران الخطايا فحسب، بل هبةُ الحياة الجديدة، الحياة بالروح القُدس، والروح القُدس الذي حلَّ على الرُسل هو أعطاهم القُدرة على مغفرة الخطايا.

 

هذا الإيمان إذن، الله بررنا بيسوع المسيح، يعني أن نقبلَ حقيقةَ: أنه مغفورٌ لنا، وإننا مدعوون لحياةٍ جديدة، وهي خطوةٌ جريئةٌ تتمثل في تسليم الحياة كلّها لله، ليفعلَ بها ما يشاءَ، لأن ما يشاءُ الإنسان. فالمسيح الذي أعطاهُ الله لنا بكراً، هو الذي حملَ في جسدهِ خطايا العالم: "ان واحداً قد مات من اجل جميع الناس، فجميع الناس اذاً قد ماتوا" (2 كور 5: 14)، فكانَ انتصارهُ انتصارنا نحن إخوتهُ، لأن محبة الله هي التي أعطت الإنسان البدء َمن جديد، وكان ذلكَ مجاناً

قراءة 19244 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *