ندوة الكتاب المقدس
%PM, %17 %745 %2011 %19:%آب

الندوة الكتابية اللقاء الثامن والعشرون

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
الندوة الكتابية اللقاء الثامن والعشرون المٌقدّمة صدّقَ موسى عندما أعلن أنه غيرُ مُؤهلٍ لهذه المهمةِ ولكنّه لم يفلح في إقناع الله بذلك، ولم ينجح في أولِ مُقابلةٍ له مع فرعون في إقناعهِ بمطلبِ
الندوة الكتابية اللقاء الثامن والعشرون المٌقدّمة صدّقَ موسى عندما أعلن أنه غيرُ مُؤهلٍ لهذه المهمةِ ولكنّه لم يفلح في إقناع الله بذلك، ولم ينجح في أولِ مُقابلةٍ له مع فرعون في إقناعهِ بمطلبِ الله إذ أن الأخير رفضَ الانصياع لأمرِ الله، فوعدَ الله موسى بأنه سيُظهِر قُدرتهُ ليعرِفَ الجميع: أنهُ الربُّ" على الرغمِ من اعتراضاتِ فرعونَ ومقاومته بل رفضهِ الاعترافَ بالله إلهاً وربّاً قديراً. نحنُ نعلمُ أن الرغبةَ في التحرر تقود السُلطات الجائرة للضغطِ على شعوبها المقهورة وإذلالاها، والمزيدُ من الإذلالِ يقويّ رغبةِ الشعب في التحرر، متناسينَ أن الشعبَ إنما هو مُلكُ الله وهو أمانةُ عليهم المحافظةُ عليها لئلا تهلَك، بل تكون لهم الحياة والحياةُ بوفرةٍ. ولكنَّ لله خوّلَ موسى بصلاحياتٍ فوقَ العادة مثلما سيُؤكدها لأرميا: "قالَ لي الربُّ: "قَبلَ أن اُصورَكَ في البَطنِ اخترتُكَ، وقبلَ أن تَخرجَ مِن الرحمِ كَرستُكَ وجعلتُكَ نبياً للأممِ". فقُلتُ: "آهِ، أيها السيّدُ الربُّ! أنا لا أعرفُ أن أتكلّمَ لأّني صغيرٌ". فقالَ لي الربُّ: لا تقل: أني صغيرٌ. أينما أُرسلُكَ تذهبُ، وكُلُّ ما آمرُكَ بهِ تقولهُ، لا تخف من مواجهةِ أحدٍ، فأنا معكَ لأُنقذَكَ. ثُمَّ مَدَّ يده ولمسَ فمي وقال: "ها أنا جعلتُ كلامي في فَمِكَ وأعطيتُكَ اليومَ سُلطةً على الأممِ وعلى الممالكِ لتقلعَ وتهدُمَ وتُهلِكَ ولتنقُضَ وتبني وتغرُس". (إرميا 1: 4- 10) لذا، قالَ الله لموسى أنت تكون لهرون إلهاً وهو سيكون لكَ نبياً عندما تتحدّث إلى فرعونَ، والهدف هو: أن تسمحَ للشعب بالخروجِ، وهناكِ تبعاتٌ قاسية لعدم طاعةِ فرعونَ لأوامرِ الله لأن الله قررَ زيادة القوّة؛ وهناك الكثير من المعجزاتِ والعجائب والضربات التي ستجعل فرعون يقسو أكثرَ من ذيِ قبلُ، ولكنَّ غايتها ليس إذلالَ مصرَ ولا تحريرَ الشعبِ: بل ليعترِف فرعون وشعبه أن لا إلهَ يُعبدُ إلا الربُّ وحده. وضعَ الله يدهُ القديرة على مصرَ، وهذا يعني الضيقَ لمصرَ ولأهلها، فيعلو هو إلهاً حقاً، سيّد الحياةِ، ولا يُمكن لفرعونَ أن يقفَ عائقاً أمامَ إرادتهِ، وإرادتهُ هي: العدالةُ للمظلومين والحياة الكريمة للفقراء لأنَّ هذا هو واجبهُ كملكٍ، وهذا لم يحصلَ في مصر، مما جعلَ الله يتدخّل لصالحهم، ليُحررهم وليُثبّت سُلطانهُ، ويجعلَ هذا واضحاً في عيون فرعون وفي عيون السُلطات الحاكمةِ أينما كانت. أظهرت لقاءات موسى وهرونَ مع فرعون طاعتهم لإرادةِ الله على الرغمِ من اعتراضاتِ الأخير دوماً ورفضهِ، بدءً من مُطالبتهِ بمعجزةٍ تُبرهِن على أنهم أكثرُ من معارضينَ للحكمِ أو لسياسة البلادِ، فكانت له معجزة العصا: علامة السلطة والتي تحوّلت إلى أفعى، والأصح هو: تحولّت إلى وحشٍ في إِشارة واضحةٍ إلى جسامة الانتهاكات الحاصلةِ في مصرَ، وعلى الرغمِ من أن لفرعونَ القُدرة على التعامل مع هذا الوحشِ عبر مُستشاريه وسحرةِ البلاد، إلا أن إرادة الله هي التي ستغلبُ في نهايةِ الأمرِ: "ولكنَّ عصا هرونَ ابتلعت عِصيّهُم" (7: 12). الضربات العشر: السيطرة على نهر النيل (7: 14- 25) عَلِمَ الربُّ برفضِ فرعونَ ومُقاومتهُ لأمرِ بإطلاقِ الشعب ليعبدهُ فيتحررَ من ظُلمِه ويكون ولائهُ لله وحده، فارسلَ الله موسى وهرونَ إليهِ ومكان المُقابلةِ هذه المرّة ليس في قصر فرعونَ، بل في قُربَ النهرِ العظيمِ: النيل مصدر خيراتِ مصرَ ورفاهيّتها، ليُؤكّدَ له: إنك لم تسمع لهُ بعدُ وهذا ما كانَ مُتوقعاً منّكَ: أن تسمع لله مثلما سمِعَ سلفُك ليوسفَ فميّز فيه روح الله وكان له ولمصر والأرض كلّها الحياة: "هل نجدُ مثل هذا رجُلاً في روحُ الله؟" (41: 38). ولكنّكَ ستسمعُ لاحقاً لأنَّ الله واثقُ من نهايةِ القصةِ كلها، فإرادتهُ ستغلبُ حتى لو سعى الإنسان إلى تأخيرها أو عرقلتها. كانت الضربةُ الأولى ضدَّ النيل العظيم فحولَّ مائهُ إلى دمٍ فلا حياة لمصرَ ولا شرعيةَ لفرعونَ الذي لم يعد قادراً على التحكّمِ بمصيرِ نهرِ النيلِ لأن مصيرَ النيل هو بيد الله القدير وليس في يد فرعون. النيل إشارةٌ لمَن بيده السُلطان. صارَ النيل مصدرَ الموتِ بعدما كانَ مصدرَ حياة مصرَ، فمات السمكُ وأنتنَ، والغريبُ أن فرعونَ استخدمَ سحرة البلادِ ليفعلوا نفسَ الشيء، فوسّعَ فرعونَ ظُلمهُ ليشملَ هذه المرّة المصريين أيضاً الذين لم يتمكنوا من شربِ ماء النيل فراحوا يحفرونَ حولَّ النهرِ ليشربوا ماءً. ولم يتعلّم فرعونَ الدرس ولم يسمع، فرفضَ ودخلَ بيتهُ غيرَ مُبالٍ بما يحدث لشعبهِ، ليُظهِرَ بذلك عدمَ استحقاقهِ ليكونَ مسؤولاً عن الشعب، فهو لا يبحث إلى عن راحتهِ، وراحتهُ هي في أن يكونَ مُتسلّطاً وأن يعمل الجميع من حوله وله ولمشاريعهِ، أما حاجاتهم فهو غيرُ مُبالٍ فيها. بالطبعِ لم تُشكل هذه الضربةُ تهديداً للعبرانيين العبيد الذين تعلّموا كيف يُدبرون واقعَ حياتهم بالقليلِ الذي لهم، وبالتالي لم تُشكل هذه الضربة تهديدا لإرادة الله الذي يُمكن له أن ينتظر. المشكلة كانت مع المصريين الذين تعلموا على حياة مترفةٍ وها هم يُواجهونَ العوزَ ويُطالبونَ بماءٍ صالحٍ للشرب ولمدة سبعةِ أيامٍ، وسينتظر الله سبعةَ أيامٍ ليأتي بالجديد. وبذلك بيّن الله لفرعون أن النيل هو تحت سيطرتهِ، وسيستخدمّه تبعاً لمقاصده، وأن فرعونَ أخطأ في فهمِ واقعه: هو إنسانٌ مخلوق ليس إلا، وإذا أضحى ملكاً فهذا لا يُعطيهِ الحقَّ في استخدامِ الناس واستغلالهم من أجل منافعَ شخصيةٍ متنكراً إلى كرامتهم، بل كونه ملكاً يعني أنه مسؤولٌ، والمسؤول سيُسأل، بمعنى آخر: سيُحاسب، فعليه أن يسمعَ إلى الله ويطيعهُ ويظهر ذلك في موقفٍ رحومٍ تجاه الفقراء والمهمشينَ، وأن لا يستبدِلَ الخالقِ بمخلوقاتٍ يعبدُها: النيلُ والشمس أو القمر وغيرها: "فمنذ خلقَ الله العالمَ، وصِفاتُ الله الخفيةُ، أي قُدرتهُ الأزليةُ وألوهيتهُ، واضحةٌ جّليةٌ تُدركها العُقولُ في مَخلوقاتهِ. فلا عُذرَ لهُم، إذاً. عَرَفوا الله، فما مَجدوهُ ولا شكروه كإلهٍ، بل زاغت عُقولهم وملأَ الظلامُ قلوبهم الغبيةُ. زعموا أنهم حُكماءُ، فصاروا حَمقى واستبدلوا بمجدِ الله الخالدِ صُوراً على شاكِلةِ الإنسانِ الفاني والطيورِ والدوابِ والزُحافاتِ. ولذلكَ أسلمهم الله إلى شهواتِ قُلوبهم إلى الفجورِ يُهينونَ بهِ أجسادهُم. أتخذوا الباطلَ بدلاً من الحقِّ الإلهي وعَبدوا المَخلوقَ وخدموهُ من دونِ الخالقِ، تباركَ إلى الأبدِ آمين". ( روم 1: 20- 25). ضربة الضفادع (7: 26 – 8: 15) لم يُغيّر الله من موقفهِ ولم يتغيّر مقصده بسبب قساوة قلبِ فرعونَ، فأمرَ موسى وهرون ليمثلوا أمام فرعون يُطالبوه بإطلاق الشعبِ، وعلى فرعونَ أن يُرسل الشعب إلى الله ليعبدوهُ (6: 26- 27)، وهو أمرٌ تحت طائلةِ التهديد بضربِ أرضِ مصرَ بالضفادعِ مع ما تتضمنهُ من إزعاجاتٍ وأمراضٍ ورائحةٍ كريهةٍ، وهي في كلِّ مكانٍ فلا مهربَ منها، ولن يسلمَ فرعونَ منها لأنه لا يستطيع أن يُغلِقَ الباب على نفسهِ ويبقى غيرَ مُبالٍ بما يحدثُ للشعبِ، لأنَّ الضفادعَ ستصعدُ وتنتشرُ في بيتهِ وفي غرفة نومهِ وعلى سريرهِ. عرف الله قساوة قلبِ فرعون فلم ينتظرَ حتى يسمع الجوابَ بل نفّذ ضربتهُ على نحو مُباشر: "قُل لهرونَ: أن يمُدَّ يده بعصاه على الأنهارِ والسواقي والبُركِ ويُصعِدَ الضفادِعَ على أرضِ مصرَ" (8: 1)، وحدثَ هذا في مصرَ، ويبدو أن موسى حقق أولَ انتصارٍ له إذ دعاه فرعونَ ليتشفّعَ له عند الله فيرفعَ عنه وعن شعبهِ الضفادعَ حتى يُطلقَ الشعبَ ليُقدّموا الذبائحَ للربِّ". أعترفَ فرعونُ أن الضفادعَ أزمةٌ تتجاوز إمكانياتهِ، وأن موسى وهرون قادران على صُنعِ الخير الذي لا يستطيعُ هو أن يصنعهُ لنفسهِ ولشعبهِ، والأهم من ذلك أن الربَّ قادرٌ على ما لا ليس بوسعهِ هو أن يعمل، هو نفسهُ الذي رفضَ الاعترافَ بالربِّ (5: 2). أمام هولِ هذه الأزمة تنازلَ فرعون عن اعتقاده بأن ولاء الناس وتعبدهم يجب أن يكون لهُ وحده، وصارَ مستعداً للتفاوضِ حولَّ أمرٍ كان موسى وهرون ينتظرانه بشغفٍ، فطلبَ إنهاءَ أزمة الضفادعَ، من دونَ أن يُعطي قراراً أو وعداً. استقبلَ موسى طلبَ فرعونَ بترحيبٍ مؤكداً أن خطرَ الضفادعَ لن يكون بعيداً عنّك وعن شعبِكَ يا فرعون: سيبقونَ في النهر ينتظرونَ أوامرنا: "أخبرني متى أتشفّعُ إلى الله بِكَ وبرجالِكَ شعبِكَ، فيقطعَ الضفادعَ عَنكَ وعن بُيوتِكَ ولا تبقى إلاَّ في النهرِ؟" (8: ). وحصلَ فرعونَ على مطلبهِ بعد صُراخِ موسى الذي سمعهُ الله، مثلما سَمِعَ صُراخَ الشعبِ (2: 23، 3: 7)، فعَرِف الجميعُ أن مصرَ وفرعونها هي تحت سُلطانِ الله، وإن الله حاضرٌ لسماعِ حاجاتهم أيضاً، حتى وإن كانوا خاطئينَ رافضينَ ألوهيتهُ مثل فرعونَ. زالت الضفادعُ لكنها أنتنت ليتذكّر أهلُ مصرَ أن اللعبة َلم تنتهي بعدُ، وما زالَ هُناكَ ما يتبع. لم يفِ فرعونَ بوعدهِ الذي قدّمهُ وقتَ الأزمةِ، بل تراجعَ عنهُ لأنه عدَّ إطلاقَ الشعبِ أمرً غبياً وغير ضروري البتّة فأظهرَ ضُعفاً غير مسبوقٍ أما الله وموسى وهرون، لأنه من جهةٍ اعترافَ بقُدرةِ الله وجبروتهِ، وأنه قادرٌ على هزيمتهِ مرّة أخرى، بل قالَ لله: إني لا أحفظُ العهودَ والوعودَ، بخلافِ الله الذي يذكرُ عهدُ ويحفظ وعدهُ (خر 2: 24) ويرغب في حياة الإنسان، كل إنسانٍ، فسمعَ الله صلاةَ موسى من أجل فرعون وشعبهِ. ومع أن سخاء الله ليسَ مشروطاً بتجاوبِ الإنسان إلا أنه لا يُلغيهِ، لذا، لا يُمكن الاستخفافُ بالله، ولا يُمكن لفرعونَ أن ينالَ الطريقين معاً، أو أن يتفاوضَ مع الله على نفسِ المستوى: أُعطني السلام أُعطيكَ الشعب، فهذا غير مقبولٍ. ضربةُ البعوضِ والذباب (8: 12- 28) أمام رداءةِ إيمانِ فرعونَ ضربَ الله مصرَ بالبعوضِ إذ أمرَ موسى أن يقولَ لهرونَ بأن يمدَّ عصاه ويضربَ ترابَ مصر هذه المرة وليس نهرها: النيل، وأطاعَ موسى وهرون الربَّ، فشاعت الفوضى في كلِّ الأرض، وكانت فرصةٌ ليعترِف السحرة "بإصبع الله" فيما يحدث في مصرَ، في إشارة واضحةٍ لفرعونَ: إنك لن تستطيعَ الفوزَ في هذه المعركةَ، لأنّك لا تواجه بشراً: موسى وهرونَ، بل الله سيدُّ الخليقة ومُحركها، وأنّك عاجزاً عن تقديم نظامٍ اجتماعي عادلٍ، وعاجزٌ عن توفير ما يلزم أمنٍ وسلامٍ، وعاجزٌ عن حفظِ العهود والوعود، وعاجزٌ عن توفير فرص حياةٍ كريمةٍ. ولكنِّ قلبَ فرعونَ قسى أكثرَ من ذي قبلُ، فما كانَ من الله إلا أن يتدخل هذه المرة ويُرسل عليه وعلى شعبه الذُبابَ من دون أن يستعينَ بموسى وهرون (8: 17- 20). أوضحَ الله لفرعون ما الذي عليه أن يصنعهُ: "أطلِق شعبي من مصرَ"، وعليه أن يُطيعَ الله فيما يطلبُ منهُ، وأن عدمَ الطاعة ستجلبُ الدمارَ عليهِ وعلى شعبهِ مثلما حدثَ في الأيام التي سبقت الطوفان والذي حدث بسبب فسادِ الناس الذي أفسدَ الأرضَ (تك 6: 11- 12). وفَهِمَ فرعونُ طلبَ الله، وسمحَ للعبرانيين بتقديم الذبائح للربِّ شريطةَ أن يكون ذلك في مصرَ، أي تحت سلطتهِ وتحت أنظارهِ، وهي مناورةٌ من فرعون رفضها موسى لأنها ستُعرضُ شعبهُ المُستعبَدَ في مصرَ إلى خطرِ الرجمِ، ولن يقبلَ موسى أن يكون تعبّدهم لله مشروطاً أو منةً من أحدٍ عليهم. والحال أن فرعون لن يتنازلَ لله بسهولةٍ، فقدّمَ شرطان آخران: عدم الابتعاد عن مصرَ وأن يُصلوا من أجلهِ، فقبلِ موسى الشرط الثاني متجاهلاً الأول، وخرجَ موسى من عندِ فرعونَ وتشفّعَ إلى الربِّ وتخلصت مصرَ من الذبابِ، ولكنها لم تتحرر من ملكِ قاسي القلب ولا يحفظُ الوعودَ، وكان شكُّ موسى في محلّهِ: "فلم يُطلِق الشعبُ من أرضِ مصرَ" (8: 28)، وبقيَّ شعب الله مُستعبداً في مصرَ. من هو فرعون لربّما يسأل بعضنا: لما كلُّ هذا العناد من قبل فرعون؟ وما الذي يجعلهُ قاسي القلبَ إلى درجةِ أنه لم يعد يرى ما يراه حتّى أتبعاه ومُستشاريه: "هذا إصبعُ الله"؟ ما سببُ هذا العمى؟ قدّم لنا الراوي لسفر الخروج شخصية فرعونَ كسيّد عظيمٍ ورجلٍ عاقل وداهيةٍ في المفاوضات التي تسعى لكسبِ المنافع لصالحهِ، بل محاورٌ ديمقراطي يقبل بمثولِ شخصية مطلوبةٍ للعدالةِ في حادثةِ قتل متعمّد (خر 2: 15)، فيسمعَ لموسى وهارون ويُحاورهما ويتفاوضَ معهما للحصول على اتفاقياتٍ تخدم مصالحهُ، بل يطلب منهما التشفّع لدى الله من أجلهِ ومن أجل شعبهِ لدى اشتدادِ الأزمةِ. ولكنه بقيَّ على موقفهِ الأول: أنتم تتحدثون عن الربِّ إلهكم، عن يهوه، هذا هو دينكم وأنتم احرارٌ فيما تؤمنونَ، ولكنّكم لا تستطيعونَ أن تفرضوا عليَّ هذا الدين مُطلقاً، لأن مثل هذا الدين سيُضر باقتصادِ مصر ولمصرَ نظامٌ عليَّ ان اُدافعَ عنه كي لا ينهارَ، وأنا مُلزمٌ بالحفاظ على النظام حتّى لو كانَ على حسابِ الإنسان: الإنسان صارَ للسبتِ"، وهذه هي قناعاتُ فرعون التي سيتشبثُ بها حتّى النهاية، غيرَ عارفٍ أنه بذلكِ يُعجّلُ نهايتهٌ ونهاية النظام. لقد تمسّكَ بالنظام لأنه كانَ جشعاً في البحث عن المزيدِ من السلطة، ولم يكن مُستعداً للتنازل عنها لصالحِ القريب، وفي ذلكَ اندفعَ مُدافعاً عن الذي يتصوّره حقٌّ مشروعٌ، فطلعَ الخُبثُ والسرقة والفجور والحسدُ والكبرياء والغباوة (مر 7: 22- 23). انتظرَ الله من فرعونَ الكثير ولكنّه لم يجدهُ. انتظرَ منه أن يُحافظَ على الإنسان لا أن يستخدمهُ أو يستعبدهُ. انتظرَ الله من فرعونَ حُباً ولم يلقاهُ: "كُنت جائعاً فلم تُطعموني، وعُطشاناً ولم تسقوني، وعُرياناً فلم تكسوني ومريضاً ومحبوساً ولم تأتوا إليَّ. وهذه هي الخطيئة: أن لا يكون هناك حُبٌّ كان يجب أن يكون، وهكذا نسمحَ لفرعونَ أن يكبُرَ فينا ويتشامخ على الله وعلى القريب، وهكذا نحبُسُ أنفسنا في اهتمانا المُتزايد براحتنا غيرَ مُبالينَ بما يحدث لأخينا: "وأنصرفَ فرعونُ ودخلَ بيتهِ غيرَ مُبالٍ" (7: 23)، وبالتالي لن نكون متجاوبينَ مع مُتطلّبات دعوتنا الإنسانية والمسيحية، ويبدو هذا واضحاً على مزاجنا؛ قلقينَ دوماً وحزانى عابسينَ ومُتعبينَ مُستائينَ من الحياة وبالتالي عاجزينَ عن الصلاةِ، فلا طعمَ للحياة. سجنٌ مُخيفٌ هو أن أرى عذاباتِ الناس وأنصرِفَ إلى بيتي غيرَ مُبالٍ، والأقسى هو أن أكونَ أنا سبب هذا العذابَ. ضربةٌ موجعةٌ هي أن أرى ضيقَ أخي وأنسحبَ عن مساعدتهِ، وهذه هي مصرُ حياتنا، وهذا هو الفرعونُ الذي فينا، شجرةٌ لا ثمارَ فيها. فرعونُ الذي أبدى استعداداً ليؤمِنَ بالله شرطَ أن ينتفِعَ منه، وبالتالي إيمانهُ مُؤقتٌ ومشروطٌ بالمنافِعِ التي سيجنيها من وراءِ هذا التدين. يُحبُ مَن يُحبهُ، ويُحسنُ إلى الذين يُحسنونَ إليهِ، ويُقرضُ لمنَ يُقرضهُ، وليس حُراً ورحوماً مثلُ الله الآب الذي يُنعمِ حتّى على ناكري الجميل. (لو 6: 32- 36).
قراءة 5176 مرات آخر تعديل على %AM, %30 %051 %2015 %03:%تشرين2

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *