ندوة الكتاب المقدس
%AM, %18 %311 %2011 %09:%تموز

الندوة الكتابية الثالثة والعشورن

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
الندوة الكتابية اللقاء الثالث والعشرون إتكّلَ يعقوب على الوعد الإلهي، وبيّن لأبنائه أنه عندما يُراجع حياته وحياة آبائهِ يجد أن هذا الوعد حقٌّ ولم يخفق مُطلقاً، فأرادَ من أبنائهِ الإتكالَ على هذ
الندوة الكتابية اللقاء الثالث والعشرون إتكّلَ يعقوب على الوعد الإلهي، وبيّن لأبنائه أنه عندما يُراجع حياته وحياة آبائهِ يجد أن هذا الوعد حقٌّ ولم يخفق مُطلقاً، فأرادَ من أبنائهِ الإتكالَ على هذا الوعد مثلهُ لأنه سيحمل إليهم حياةً وافرة، وعلى كلِّ جيلٍ أن يُجدد ثقتهُ بهذا الوعد أو يتحمّل عواقب عدم الثقةِ هذه. من الواضح جداً أن أنظارَ يعقوب الأب ويوسف الأبن لن تتجّه إلى مِصرَ، ولن يتشبثوا بأرضها ولا بخيراتها، بل تبقى أنظارهم متوجهةً نحو الوعدَ الإلهي، نحو أرضِ الميعاد، لذا فهم مدعوون لتوديع مصرَ: "... سيفتقدكم الله ويُصعدكم من هذه الأرض إلى الأرضِ التي أقسمَ عليها لإبراهيمَ وإسحق ويعقوب." (50: 24)، هكذا نجح الأب في ربط الأجيال معاً بالبركة، فماتَ واثقاً بالوعدِ، وتبارَكَ بأن إبنه يوسف هو الذي أغمَضَ عيناه مثلما كان وعدُّ الله له: "أنا أنزلُ مَعَكَ إلى مصرَ، وأنا أُصعدُكَ منها، ويوسفُ هو الذي يُغمض عَينيك" (46: 4) وها قد وصلنا إلى "الدفنة الملوكية" ليعقوبَ الأب، وهذا الإمتياز لم ينله يوسف الأبن عندما ماتَ على الرغم من المكانة الكبيرة التي نالها في مصرَ. وفاة يعقوب ودفنه (50: 1- 14) بكى يوسف موت أبيهِ ويذكره الراوي من دون أن يذكر بقية إخوته على الرغمِ من أننا متأكدونَ أنهم بكوا عليه أيضاً، إلا أن الراوي يُريد أن يُذكرنا أن وعدَّ الله تمَّ ليعقوب: "ويوسف هو الذي يُغمِض عينيكَ". بُكاء يوسف هذه المرّة كانَ بُكاءَ الألم، بخلافِ حالات البُكاء السابقةِ: بُكاء الفرح للقاء إخوتهِ وبُكاء الفرح للقاء بنيامين وبُكاء اللقاء أبيهِ يعقوب بعد سنواتٍ من غُربةٍ مُوحشةٍ. أعطى يوسفَ الأوامرَ لتحنيط أبيهِ، والأطباء المذكورين هنا ليسوا مَن سيقومون بدفنِ الجثةِ، بل لتحضيرها للدفنِ، والتحنيط كما نعرفوه الآن من المصادر كانت من مهامِ الأطباء والكهنةِ كونهُ طقسٌ ديني بحت. دامت فترة التحنيط أربعينَ يوماً، وفترة الحداد سبعينَ يوماً، بضمنها الأربعينَ يوماً الخاصّة بالتحنيط، علماً ان حداد ملوكَ مصر كان يدوم فترة إثنان وسبعونَ يوماً، وهو يعني أن يعقوب نالَ "جنازة ملوكية"، وقد يكون رقم السبعينَ يوماً للحداد على يعقوب على علاقةٍ بالسبعين نفساً التي نزلت إلى مصرَ (تك 46: 27)؟ ولابد أن يكون الحداد أمراً فرعونياً تعبيراً عن إحترامهِ لعائلة الإبن الذي أنقذَ شعبَ مصرَ من المجاعةِ. لم يتصل يوسف بفرعون على نحو مُباشر بل أرسلَ إليهِ طالباً السماح له بالذهابِ إلى أرضِ كنعان ودفنِ أبيه حسبما أوصاه قبلَ موتهِ في المكان الذي هيّأهُ هو بنفسه. لم يقل له: ان أبي رفضَ أن يُدفنَ في مصر، وكأنهُ غير مُمتنٍ لمصرَ وما قدّمته لهم، بل قالَ هو حفرَ لنفسهِ قبراً. وافقَ فرعون لطلبِ يوسف مندهشاً من هذا الوفاء، ومؤمناً ان يوسف سيعود مثلما وعدهُ ولن يستغلَ شأناً عائلياً للهربِ من مصرَ، فصارَ يوسف مُلزماً بوعدينِ، إذ وعدَ أباه يعقوب بأن يدفنهُ في أرضِ أبائه، ووعدَ فرعونَ بأن يعودَ بعد الدفنِ. الجنازة الملوكية إشتركت ثلاثُ جماعاتٍ في مراسيم ِالدفنِ: حاشيةُ فرعونَ وشيوخُ بيتهِ، وجماعة بيت يعقوبَ، وفرسانٌ رافقت الموكبَ، وإتخذوا طريقاً يُشبهُ الطريق الذي سيسلكهُ نسلهُ لاحقاً بقيادة موسى، ولكن في ظروفٍ مُختلفةٍ كلياً. فهذا الفرعون يعرفُ يوسف فقدّره عالياً، أما الفرعون اللاحق فلم يعرف يوسف (خر 8) فكانت الإنتهاكات على الشعب وإستغلالهم. أقام َيوسف مناحة دامت سبعةَ أيامٍ، وشاهدَ الكنعانيونَ عظمة الموكب وطقوس المناحةِ فعظموا الحدث: "هذه مناحةٌ عظيمةٌ للمصريين". فبعضهم مزّق ثيابهُ وشدَّ مسحاً على حقويهِ مثلما فعلَ يعقوبَ" (تك 37: 34)، وصوماً (2 صمو 1: 12) ورفعُ عمامةِ الرأس والسير حافي القدمينِ حول الجثةِ (حز 24: 17)، أو أن البعض َلربما خدّشَ جسده حزناً وحلقَ شعرَ رأسهِ (إرميا 16: 6). وهكذا تركَ يعقوب جزءً من عائلتهِ: أولاده وأحفادهُ، لينضمَّ إلى الجزء الآخر: آبائهِ وزوجاتهِ، وأكملَ يوسف الوعدَ الذي قطعهُ لأبيهِ يعقوبَ، وها هو الآن يُكملَ الوعدَ الذي قدّمه لفرعونَ فعادَ إلى مصرَ وسائرَ مَن صعِدَ معهُ لدفنِ أبيهِ (50: 14) خوفُ الأخوة (50: 15- 21) بدأت قصّة يوسف بقضيّة كُرهِ إخوة يوسف له (37: 4) وها هم الآن يطرحون قضية الكراهية على نحو معكوس؛ فهم يظنونَ أن يوسف يكرههم، على الرغم من أنه سبقَ وأن طمئنهم حول موقفهِ من هذا الموضوع: "والآن لا تكتئبوا ولا تغضبوا لأنكم بعتموني هُنا" (45: 5). كُرههم ليوسف أخيهم كان حقيقياً، أم كُره يوسف له فكان خيالياً، ونأسف كم أن مثل هذا الكُرهَ مُؤذٍ للإنسانِ نفسهِ، فمثلُ هذا الإنسان لا يرى في الآخرين إلا أعداءً ومنافسينَ، ومن الصعبِ أن يشعرَ بمحبة الآخرين له وبإهتمامهم به وبأنهُ محبوبٌ، فيبدأ بالإبتعاد عن الآخرين، وهو ما جعلَ يوسف يطلب من إخوتهِ في السابق أن يقتربوا منه: "تقدموا إليَّ" (45: 4). حتّى أن مثل هذا لإنسان يعتقد أن الله يرفضهُ، ولا يرضَ عن تصرفاتهِ، ولن يغفرَ له، فيفشَل في علاقاتهِ ويتحوّل إلى إنسانٍ قليل الإنجازِ والإبداع، بل شكوكٌ ومُحبطٌ منعزلٌ عن الناس، ومُدمراً لعلاقاتهِ أيضاً. لم يحدث إخوة يوسف أخيهم بهذا الأمرَ بشكلٍ مباشر، ولم يتطرّق أحدٌ لهذا الأمر معهُ من قبلُ، وكانوا مُطمئنينَ أنه وجود أبيهم على قيد الحياة وتأثيره الكبيرعلى يوسف ضمانٌ لسلامته. خافوا المواجهة المُباشرة، فأرسلو إليه رُسلاً يحملون لا طلباً شخصياً مُباشراً: "أغفر لنا"، بل وصيّةُ الأب الميّت: "أغفر لهم". هم عرفوا طبيعة مشاعر الحقد والغضب والكراهية وتبعاتها، وقد بيّنوها يوماً فكان عملهم يعوزه الرحمة (42: 21). لذا، خافوا من مشاعر الكراهية التي قد تكون في نفسِ الآخر، فمن الأفضل أن لا يكون هناك لقاءٌ مُباشر. هي المرّة الأولى التي يعترف فيها الأخوة بذنبهم تجاه أخيهم يوسف ويسموا ذلك على نحوٍ صريحٍ، وقالوا له: "إنَّ أباك" ولم يقولوا "أبونا اوصانا" ليجعلوا قضيّتهم أقوى؛ بمعنى آخر: أبوكَ وليسَ شخصاً آخر: "أبوكَ... وإله أبيكَ"، وهو المُرسِل وليس نحن، وأرسلنا بوصيةٍ: "أن تغفرَ لنا". بالطبع ليسَ لنا معلوماتٍ تؤكدُ هذه الوصية، هل قالها يعقوب أم هي مُجردُ موضوعٌ أختلقهُ الأخوة وهو المُرجّح جداً، لأنه لو كانَ ليعقوبَ من وصيةٍ لما كان أخفاه عن إبنه المحبوب يوسف، وليس لنا أدلةٌ حتى ألان تُثبت أن الأخوة أخبروا ابيهم عن فعلتهم السيئةِ بيوسف، وإذا كانوا قد حرّفوا الحقيقة عن أبيهم حول مصير يوسف (تك 37)، فما الذي سيمنعهم من تحريف الكلام مرّة أخرى ليفلتوا من فعلتهمِ؟ وما الذي دفعَ الأخوة ليُفكروا أن يوسف سينتقمٌ منهم؟ هل أن وفاةَ ابيه يعقوب وحزنهُ عليه حرّكت فيها مشاعر مدفونةٍ، وسيُعاوده مشروع الإنتقامِ ثانية؟ "بكى يوسف" لدى سماعهِ هذه الرسالة، فبعد كل الذي صنعهُ لهم مازالوا يشكّونَ فيهم وكأنهم قاتلٌ مُحتملٌ في أيةِ ساعة، ولم يفهموا كيف أن الله حولَّ غضبهم وحقدهم إلى خيرٍ لم يُفكروا فيه. فلذلك لم يستجيب لرسالتهم، بل تحّركَ نحو حلِّ هذه الأزمة فطلبَ مواجهتهم، وحضروا وإرتموا أمامهُ مُعلنينَ أنهم: عبيده"، بعدما قالوا في الرسالة السابقة: عبيدُ إله أبيكَ". لم يقل يوسف لهم: "لقد غفرتُ لكم مثلما طلبتُم"، لأنه كان قد غفرَ لهم مُسبقاً، بل طلبَ منهم أن لا يخافوا، وهي رسالةٌ من السماءِ. "لا تخافوا" تُطمئنُ خوفَ الإنسان، ولدينا ذكرٌ لعدم الخوف بعدد أيامِ السنةِ في الكتاب المقدس. يعرف يوسف مكانتهُ أيضاً، فهو ليس بمكانِ الله: هل أنا مكانُ الله؟ بدأ سفرُ التكوين برغبةٍ عارمة من آدم وحواء لشغلِ مكانِ الله: "ولكنَ الله يعرف أنكما يومَ تأكلانِ من ثمرِ تلكَ الشجرة تنفتح أعينكما وتصيران مِثلَ الله تعرفانِ الخير والشر" (3: 5)، وتحملّت البشرية تبعات هذا الموقف، وها يوسف يُنهي رواية سفر التكوين مُعترفاً أنه "آلةٌ بيد الله" وليس الله، ولن يقبلَ بأن يتجاوزَ الخطوط الحمراء، فلن ينتقِمَ لأن حقَّ الإنتقامَ والجزاء هو لله وحده (تث 33: 35)، ولن يأخذ مكانَ الله، بل يقفَ أمامهُ عبداً مثلُ إخوتهِ، بخلافِ فرعون الذي لم يعرف الله فإستغلَّ الآخرين عبيداً (خر 1: 8، 13- 14). سبقَّ وأن فسّر يوسف حياتهُ لاهوتياً فرأى فيها تدخلَّ الله، بل أن الله أرسلهُ: "أرسلني الله أمامكم ليُبقي لكم نسلاً في الأرضِ ويُنجي الأحياء مِنكم" (45: 7-8)، أما الآن، فهو يُقرُّ مثلهم بشرِ فعلتهِم، ولكنّه يعترِفُ بقوة الله وغلبتهِ على الشرِّ، فانقذَ حياة كثير من الناس. ألمُ يوسف وضيقاتهِ صارَت سبيلاً لخلاص البشرية، الأشرار منهم والأخيار على حدٍ سواء (متى 5: 45)، تماماً مثلما فعل مع فعلةِ يهوذا الأسخريوطي الذي أسلمَ ربّنا يسوع المسيح. وهكذا واصلَ يوسف رعايتهُ لأخوتهِ ولعوائلهم وطيّبَ قلوبهم. فالقضية ليست قضية غفران فحسب، بل البحث عن عزاء القريب وراحة البالَ. لم يغفر يوسف لأخوته تاركاً إياهم وشأنهم، بل سارَ الميل الإضافي وأعتنى بحياتهم أيضاً، وكلّمهم بمودةٍ على عكسِ ما كانوا هم يفعلونَ معه في بيتِ أبيهم يعقوب (37: 4). الله: حياة البشرية دعى يوسف إلى أن يتخلّصوا من "عقد الذنب" التي حبسوا أنفسهم فيها، ليروا حقائقَ أخرى غابت عن أنظارهم: الله يعمل على الرغم من تحديات الشّر. لم يُخاطب مخاوفهم فحسب، بل واصلَ العلاقة من خلال رعايةٍ إنسانيةٍ لإحتياجاتهم. غفرانٌ بل مُصالحةٌ تامّةٌ، وهذا عبرَّ عن الصلاحِ الذي زرعهُ الله فيه، فجاءت خاتمة السفر حينةٌ جداً مثلَ بدءه أيضاً. "الصلاح" هو أحد المواضيع الأساسية التي أرادَ سفر التكوين، سفر البدايات أن يتأمّلها معنا: الله وحده هو الصلاح (مرقس 10: 18)، وهو خالقُ الصلاح: "ونظرَ الله أن كلَّ ما صنعهُ، فرأى أنهُ حسنٌ جداً (تك 1: 31). لربما ليسَ كاملاً بل يعوزه تطوير وإنماءٌ ولكنّه حسنٌ ويتطلّع إلى تعاونِ الإنسان شريكهِ ليُؤتيَّ هذا الصلاحَ ايضاً. من هنا، يرى راوي سفر التكوين أن أعمالَ يوسف كانت فرصةَ حياة للناس، خلاصٌ للبشرية وهي تُواجه كارثةً مُدمرةً. لذا فإلهنا يتعامل مع أفعالنا بجدّية كبيرة، وقد تأتي هذه الأفعال لتُعيقَ عملِّ الله ولكنها لا تسطيعُ إيقافهُ. فعلى الإنسان، صورة الله، أن يعمل على مثال ِالله بوجه ِالشر، فلا يُبادلَ الشرَّ بالشرِ، بل ليكون خيّراً كونه خُلقَ على صورة الله ومثالهِ، ويحيا بنَفسِ الله. فإتمامُ إرادة الله والطاعةُ لمشيئتهِ ليست مواقف كسولةٍ، بل تتطلّبُ صلاة وعملاً مُحباً وإختياراً أمثلَ للوسائط، ليأتي العملُ حسناً، مع التأكيد دوماً على أن الله لا يقصد الخير من خلال الشرِّ مُطلقاً. المُصالحة مع الآخر يرغب كلُّ إنسانٍ أن يعيشَ حياة ودودةٍ مع الناس، ولكنّه يكتشفُ أيضاً أن في داخلهِ رغبةٌ قويةٌ في إسعادِ نفسهِ، وإشباعِ رغباتهِ ونزواتهِ فيتعاملُ بعدوانيةٍ مع مَن هم من حولهِ. هي قوّةٌ مُدمرةٌ وهدامةٌ، تدفعُ الإنسان إلى إقصاءِ الناس، وتهميشهم ومحاربتهم وإستغلالهم وحتى قتلهم. فيه رغبةٌ قوية للسيطرة على العالم وعلى الناس وعلى التاريخ، وأن يضعَ نفسهُ مكانَ الله. فينظرِ إلى الناس بنظرة حسودة، ويشعر كما لو أنه ضحيةُ الآخرين، وأنهم يمتلكونَ أكثر مما يملُكُ هو، فيخجلَ من نفسهِ، وينسى أن الله حباهُ بعطايا ومزايا كثيرةٍ، فيسعى لإثباتِ العكس بقواه وطاقاتهِ، فيكون العيشُ المُشترَك مُستحيلاً، لأن الناس فيه ضُعفاء وشكاكينَ وأسرى إنفعالاتٍ فوضويةٍ وأفكارٍ هدّامةٍ ومزاجٍ مُتقلّبٍ، وهربٍ متواصلٍ من مواجهةٍ الذات صريحاً. فالقلبُ ضعيفُ ومُترددٌ ومليءٌ بالمرارةِ والشكوكِ، وهو بحاجةٍ إلى لمسةِ الله الشافية لأنه في محنةٍ حقيقيةٍ. يروي لنا الإنجيلي مرقس أن أحهم أحضرَ أمام ربّنا يسوع إبنه المُعتل ليشفيه بعدما عجزَ الرُسل عن شفائه (مرقس 9: 14- 29) وهذا ما أعطى للكتبة فرصة للاستهزاء، لا بالرسل فحسب، بل بمعلمهم أيضا؛ فكانت حالة يسوع وتلاميذه حالةٌ لا يُحسد عليها. بيّن ربّنا لوالد الصبي شروط المُعجزة: ما مِن شيء مستحيل لكل مَن يؤمن، كما لو أن يسوع يقول: شفاء الصبي لا يعتمد عليَّ فحسب بل عليك أيضا. أكدَّ ربّنا يسوع أن كل ما نصله بروح الإيمان سيكون مستطاعاً، في حين أن مُعظمنا مُصاب بداء المستحيل واليأس، وهذا ما يجعلنا لا نرى ما يجري من حولنا من معجزاتٍ حتى في حياتنا. بل إننا إنقطعنا عن الكلامِ الصريح مع حياتنا، وبالتالي ليس لنا شجاعةُ مواجهةِ حياتنا، ولا الآخرين ولا الله، فصرنا ممسوسينَ مثل الصبي بروحٍ أصمٍ أخرس: لا أسمع ولا أتكلّم؛ اصمٌ أبكمٌ. لهذا البُكم أبعاٌد حياتية خطيرة إذ قد يُطوّر في الفرد إنغلاقا على الذات، وكسلاً وطمعاً وأنانية واتكالية سلبية. ليس لهذا الصبي كلام ليُخبر عن حاجاته الحقيقية، عن تطلعاته وأمنياته، عن مخاوفه وهمومه. إنه محبوسٌ في ذاتهِ المُعاقة فيجد نفسه غير مؤهل للاختلاط والارتباط والشَرَكة. يحتاج مَن يُقدمه للآخرين، ومهما كان هذا الوسيط قريباً منه، فهو (أي القريب) سيغفل عن حقائق مهمة عاشها هذا المُعاق، وسؤال يسوع عن المدّة التي يختبر فيها هذا الصبي هذه الأزمة (21) لهو دليل على أن الآخر غير قادر ليُعبر عن ما أختبره أنا شخصياً. فالكلام دلالة لإنسان حي، لشخص وصل من النضوج لدرجة أنه قادر ليقول ما يُريد أن يقول. شخص يتمكن من التعبير عن ذاته فيتصل بالآخرين. لنا أن نتأمل في موته البيولوجي كتوقف عن الحياة مع الآخرين، عدم القُدرة على التواصل مع الحياة وتحدياتها. ويذهب أبوه ليفضح مزاجية وتقّلب عواطف ومشاعر ابنه قائلاً: يزيدُ ويصرف أسنانه وييبس (18)، ويُزيد لاحقاً: "كثيراً ما ألقاه في النار أو في الماء ليُهلكه" (22). ويشرح لوقا الإنجيلي هذه العبارة: "يحضره روحٌ فيصرخ بغتةً، ويخبطهُ حتى يزيد، ولا يُفارقه إلا بعد أن يُرضضه" (لو 9: 39). إننا نفهم أن هذه المزاجية وتقّلب المشاعر ستقوده حتماً نحو تدمير الذات. فما لم يتعلّم الإنسان أن يُرتّب مشاعره وأفكاره وعواطفه وتخيلاته فتتناغم معاً، لن يكون بإمكانه السير في خطوات جادة في التزام حياتي مسؤول، وتخبطها سيؤول بالإنسان ليتيه مهموماً، موجهة إياه في اتجاهات مُحيرة لتتركه متألماً مجروحاً مُفرغاً من الحماس لمشروع حياته الشخصي. أقرب شخصٍ لهذا الإنسان هو والده، ولكن رُغم قُربه إلا أنه غير قادرٍ على تقديمه والتعبير عن ما يُعانيه. عجز أبوه (عائلته، مجتمعه) من الوصول إلى طريقة للتحاور معه، بسبب ما يُعانيه من عوائق في حواره مع ذاته، فيتقدم إلى يسوع طالباً الشفقة والغوث (22)، لنُلاحظ أن الأب يطلب الشفقة لنفسه والعائلة. فالمجتمع كلّه مريض بسبب مرض أحد أعضائه. من هنا تأتي أهمية النُضج الشخصي إذ إنها عامل مؤثر في حيوية أي مجتمع. ولهذا النُضج تاريخ واقعي: "مُنذ كم يحدث له هذا؟ (21) ربّنا يتطلّع في مسيرتنا نحو الذات للجرأة والتساؤل عن تفاصيل حياتية واقعية، أن نكون في حاضرنا مثلما هو لا مثلما نتمناه. لكننا وبالعودة إلى القصة نلاحظ أن ربّنا يسوع لا يتحدث بعموميات هنا بل يُشير إلى شخص الصبي: أخرج منه، وليس أخرج فحسب. ربّنا يُخاطب الإنسان في واقعه ويُخصصه كشخص فريد أمامه. "أنا آمرُكَ، أُخرج منه، ولا تَعُد إليه. فصرخ وخبطه خبطاً عنيفاً وخرج منه. فعاد الصبي كالميت، حتى قال جميع الناس: "لقد مات". فأخذ يسوع بيده وأنهضهُ فقام". (25- 27). فخبرتنا وشِركتنا مع إلهنا شِركة فريدة ولا تتكرر وربّنا عارفٌ بذلك. إلهنا مُهتمٌ بهذه الرحلة وخبراتها وهذا يُعطني كرامتي لأن الله مرتبط بتاريخي الشخصي. فالله ليس مُعطي الحياة والإمكانيات فحسب، بل هو مَن يمد يده ويُعينني في رحلتي إلى ذاتي عبر مخاوفي وهمومي وقلقي وحيرتي، فلا أسقط أو أتراخى أو أتخلى عن المسيرة. شعر الرسل بعجزهم وبشعور من الخجل حتى أنهم انتظروا ليكونوا وحدهم مع يسوع ليسألوا عن سبب فشلهم في شفاء هذه الحالة. كانوا متأكدين من أن الرب أرسلهم ليكرزوا ويُعلنوا البشارة ويشفوا المرضى ويطردوا الشياطين. فلماذا فشلوا في هذه الحالة؟ يُجيب يسوع ببساطة: "هذا الجنس يتطلب صلاةً". فالصلاة ضرورة وواجب لحياة منتعشة بروح شابّة، على أن تكون بمثل صلاة والد الصبي، متواضعة ومُكرَمَة للحصول على الإيمان الحق. إيمان يُؤهلنا لنكون أبناء الله، قادرين على الإصغاء والتجاوب معه: يا رب آمنت، فشدد ضعف إيماني. السنوات الأخيرة من حياةِ يوسف (50: 22- 26) عاش يوسف 110 سنوات وهو العمر المثالي عند المصريين، قضى 17 سنة منها في أرضِ كنعانَ، وثلاثٌ وتسعونَ سنةً في أرضِ مصر، ولا نعرف سني إخوتهِ هل ماتوا قبلهُ، أم بعدهُ. بُورِكَ يوسف بأنه شاهدَ من بني أفرايم ومنّسى الجيل الثالث، وهنا يُّذكر الولد ماكير بن منسى الذي تبنّاه يوسف. "ماكير" أسمٌ يعني "المُباع" وهو يُذكرنا بيوسف تحديداً الذي بيعَ لمصرَ (37: 28)، وهذا يعني أن يوسف قبِلَ ألمَ بيعهِ. لربّما عاشَ يوسف ورأى الجيل الثالث، ولكنّه يعرف أنه لن يعيشَ أبداً، لذا، أوصى إخوتهِ بأن يحملوا عظامهُ معهم، ويجد في ذلك فرصةً ليُقدّمَ شهادة: "سيذكركُم الله بالخيرِ ويُخرجكم من هذه الأرضِ إلى الأرضِ التي أقسمَ عليها لإبراهيم وإسحق ويعقوبَ" (24)؛ الجد الأكبر، الجد والأب: ثلاثةُ أجيالٍ، فالأرضُ لهم لأنَّ وعدَ الله حقٌّ، وعدٌ وطاعةٌ وبركة. وكما أن الله إلتزمَ بقسمٍ لآبائهم، هوذا يوسف يطلب من إخوتهِ أن يلتزموا أمامهُ بقسمٍ أيضاً: "خذوا عظامي معكم من هنا"، هو مثل أبيه يعقوب رَغبَ أن يُدفَنَ في أرض الوعدِ. وماتَ يوسف وحنطوه ووضعوه في تابوتٍ. ومن الغريب جدا أن يذكرَ الراوي عبارة التابوت لاسيما ونحن نعرف أن لوحي الوصايا العشر وُضِعت في تابوت: "ثم رجعتُ ونزلتُ من الجبلِ ووضعتُ اللوحينَ في التابوت الذي صنعتهُ، فكانا هناك كما أمرني الربُّ" (تث 10: 5). وحملَ الشعب التابوتين معاَ خلالَ ترحالهم في الصحراء، وتسائلَ كثيرون: كيف يُمكن أن يُحملَ تابوتٌ فيه عظامٌ ميّتةٌ، وتابوتٌ يحمل كلمة الحياةِ؟ تأملَ كثيرون في هذا المشهدِ، وقال معلموا التوارةِ: "لقد عاشَ الرجل الميّت من خلال طاعتهِ لكلمة الحياة التي أحيتهُ دوماً، فكان يوسف شهادة حيّة للكلمات العشر المُحيّة قبلَ أن تُعلنَ في مصرَ. إنتهت حياة يوسف في مصرَ، وكان الله معه وباركهُ برؤى وبالحكمةِ وأنقذه من يد الحاسدين ومن جميع مصائبهِ على حدِّ تعبير إسطيفانوس الشهيد (أع 7: 9- 10). نجح َالله فيما فشل فيه راؤبين (تك 37)، فأنقذه ليُنقذ يوسف إخوتهِ لاحقاً. تميّز إيمان يوسف بأنه غيمان موجّه نحو المُستقبَل، إيمان مُنادى من أن مُستقبلهُ هو في يدِ الله، وهو يدعونا لهذا الإيمان أيضاً.
قراءة 6888 مرات آخر تعديل على %AM, %30 %050 %2015 %03:%تشرين2

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *