ندوة الكتاب المقدس
%AM, %17 %303 %2011 %09:%حزيران

اللقاء العشرون

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
الندوة الكتابية اللقاء العشرون لم تكن أحلام يوسف إذن أحلام صبي مُدلل، بل أن يد الله قادت الأحداث متجاوزة تدخلاّت الإنسان الفوضوية، فرحمةُ الله ومحبّته حفظت يوسف، وغفرت عبثية الإنسان ومخاو
الندوة الكتابية اللقاء العشرون لم تكن أحلام يوسف إذن أحلام صبي مُدلل، بل أن يد الله قادت الأحداث متجاوزة تدخلاّت الإنسان الفوضوية، فرحمةُ الله ومحبّته حفظت يوسف، وغفرت عبثية الإنسان ومخاوفهِ. والإنسان، يوسف، رأى وبعد سنواتٍ مريرة في غربة مُوحشةٍ أن يد الله فاعلةٌ في حياته، وعلى نحوٍ خفي، على الرغم من أنه لم يفهم سرَّ هذا التدخلِ في حينها، وهذا ما سيُعلنهُ بولس من سجنه في روما وهو ينتظر موته: "ونحن نعلمُ أن الله يعمل سويةً معَ الذين يُحبونه لخيرهم في كل شيءٍ، أُولئكَ الذين دَعاهم حسبَ قصده، فالذين سبقَ فأختارهم، سبقَ فعيّنهم ليكونوا على مثالِ صورة آبنهِ حتى يكونَ الأبنُ بكراً لإخوةٍ كثيرين. وهؤلاء الذين سبقَ فعيّنهم، دعاهم أيضاً، والذين دعاهم بررهم أيضاً، والذين بررهم مجّدهم ايضاً" (روم 8: 28- 30) فبعد عشرين سنة من خيانة الأخوة وغدرهم، رأى يوسف نفسه في شخصِ بنيامينَ المُدلّل، وأدركَ بعد اختباراتٍ جدّية أن إخوته تعلموا الدرس جيّداً، فلن يُكرروا مأساة الماضي على الرغم من محاولة تناسيها، وأن تماسكهم الأخوي يُعد حماية آمنة لبنيامينَ وللعائلة، لذا، كشفَ هويّته الحقيقة لهم على نحوٍ مُباشر من دون مُترجمٍ، ومن دون أن تمر بمحبة الأب وتفضيلهِ، هم إخوتهِ: "أنا أخوكم يوسف" (تك 45: 4)، والله حفظني ليحفظكم، فالله سيّد التاريخ وهو الذي يحفظ إنسانهُ وشعبهُ. على الرغم من كل ما أصابَ يوسف من أزماتٍ، لم ينسَ يوماً أنه عضوٌ في جماعة شعبِ الله، ومجده لن يعزلهُ عنهم، بل يُبقيهِ حيثما مكانه الصحيح: "شعب العهد". في الفصولِ المُتبقية من قصّة يوسف سنتعرّف على قصّة نزولِ عائلة يعقوب الكبيرة إلى مصرَ، وحالةِ الإمبراطورية وظروف عائلة يعقوبَ في مصر بعد رحيل يعقوب الأب. فحتى الآن كان الحديث عن أشخاص: إبراهيم وإسحق ويعقوب ويوسف، من الآن سيبدأ الحديث عن شعبِ إسرائيل، الذي أرادهُ الله ليحفظ حياة العالم (45: 5). نزول يعقوب إلى مصر (تك 46) دعا يوسف العائلة الكبير إلى النزولِ إلى مصرَ، وأيّدَ فرعونَ قرار يوسف، ولكن النزولَ لن يكون إلا بأمرٍ ومُباركةٍ من الله، حتّى وإن قصدُ الأب "رؤية يوسف": "كفاني أن يوسفَ ابني حيٌّ بعدُ، أذهبُ وأراه قبلَ أن أموتَ" (45: 28). لا نعرف إن كانَ الأخوة قد أخبروا حقيقة قصّة اختفاء يوسف لأبيهم الشيّخ، ما نعرفهُ هو أنهم حصلوا على الغفران من دون أن يتوقّعهُ، ومن دون أن يطلبوه. حصلَ يعقوب على الضماناتِ اللازمة لذلك، من خلال ظهورٍ إلهي وتأكيد للوعد المُعطى له ولآبائه (الفصول 12- 36)، بل سينزلُ الله معهُ: "أنا الله إلهُ أبيكَ، لا تخف أن تنزلَ إلى مصرَ، فسأجعلكُ أُمةً عظيمةً هناكَ، أنا أنزلُ معكَ إلى مصرَ وأنا أُصعدُكَ منها ويُوسفُ هو الذي يُغمِض عينيكَ" (3- 4). ضمانات يعقوب وبعد كل هذه السنين ليست إلا وعدَّ الله، الذي يُؤكّد له أن النزول إلى أرضِ مصر لا يعني تركَ أرضِ الميعاد، ولن يُشكّل تهدياً للوعدِ، بل دعوةٌ أخرى للوثوقِ بإله ِالوعد الذي حفظَ العائلة والأرض من مجاعةٍ مُهلِكةٍ. وعدٌ يضعُ حدّاً لمخاوف الإنسان، فلا يقلقَ بل يؤمِن ويُواصل الرحلةَ. فجاءت قصّة يوسف في خدمة هذه الوعود الإلهية بمستقبلٍ مُباركٍ بالرفاهية. أنطلقَ يعقوب الأب من حبرونَ لبرى إبنه، وتوقّفَ في بئر سبعٍ ليُقدّم ذبيحة امتنانٍ لإلهِ أبيه، الذي حفظَ له حياة إبنه، وطمأنَ مخاوفهُ حول هذا النزول المرغوبُ فيه: رؤية الأبن الميّت حياً، ولكنه نزولٌ يحمل معه مخاوفَ من الابتعادِ عن أرض الآباء، والتغرّب بعيداً عنها، والأسواء أن لا يُدفنَ مع آبائهِ. ذبيحةٌ لم تأتي مشروطة، بل فعلُ تعبّد مجّاني. وتحدّث الله إليه في الليل مثلما فعلَ مع إبراهيم (15: 5) مؤكداً الوعد، ونعود ونتذكّر أن قصة الآباء هي قصة وعد الله المُحقق. فحياة الآباء إبراهيم ويعقوبَ مُحاطة بوعدِ الله، وهناك تشابهٌ في التفاصيلِ ما بينَ الرؤية لإبراهيم (22: 11) والرؤية ليعقوب. بدأ إبراهيم رحلتهُ بوعدِ الله (12: 1-3) وبُورِكَت بوعده أيضاً عند نهايتها (22: 15- 18)، وكذا الحال مع يعقوبَ (28: 13- 16)، وها أن الله يُباركهُ بوعدٍ عند نهايتها (46: 2- 4)، وهي الرؤية الأخيرة في حياة الآباء. رؤية تحمّل مشاعرَ إنسانية مرهَفة: "يوسف هو الذي يُغمِضُ عينك"، فالعادة كانت سائدة أن يُغمض الأبن الكبير عيونَ أبيه المتوفى، أما هنا، فأرادَ الله تعزية يعقوبَ في تأكيده أن يوسف المحبوب إلى قلبِكَ هو مَن يُغمِض عينكَ، فأطمئن يا يعقوب. من جهة أخرى نلحظَ أن كانَ ممنوعاً على إسحق الأب: النزولَ إلى مصرَ (26: 2)، سُمِحَ به ليعقوبَ الأبن، بل ستكون أرضُ مصرَ مُباركة بحضوره، وسيُبَارَك هو أيضاً بنسلٍ عظيم، وتكون مصر رحماً لولادة هذه الأمة العظيمةَ، فلن تكون مصرَ معارضةً لوعدِ الله، بل جزءً من تدبيره للعائلة المُختارَة. ولن يكونَ زائراً لوقتٍ قليلٍ، بل مُهاجراً، وهو بحاجة إلى مرافقةٍ إلهية، لأن النزولَ مصر يحملُ معه تحديّاتٍ كبيرة، ولكنهُ مُؤمنٌ بحضور الله ورعايتهِ: "لو سرتُ في وادي ظلال الموت لا أخافُ شرّاً، لأنّكَ معي ...". لذلك، فهذه الرحلة ليست رحلة يعقوب حصراً، بل رحلة الله نفسه مع شعبهِ. قصّة النزول إذن تفتح الطريق لقصّة العودة إلى أرضِ كنعانَ في سفر الخروج، فيُقدّم لنا الراوي قائمة بأسماء العائلة التي نزلت مع يعقوب مؤسسة على المعنى اللاهوتي للرقم 70 ومنُظمة وفقَ تسلسل زوجات يعقوب. لقاء الأب مع الأبن (46: 28 – 34) طلّبَ يعقوب من إبنه يهوذا أن يتقدّمه مثلما كان قد أرسلَ وفوداً تتقدمه في لقاء أخيه عيسو (34: 4) بعد عشرين سنة من غربة موحشة عند خالهِ لابان، من دونِ أن يُكلّفهُ بخطابٍ أو مَهَمةٍ، فكانت مهمّة يهوذا مُقتصرة على أن يُدلَ القافلة على أرضِ جاسان، أما استقرار العائلة فيها فهذه مهمّة يوسف. أنطلقَ يوسف للقاء أبيهِ شوقاً، فلم ينتظر حتى يصلوا أرضَ مصرَ، بل بادرَ هو لاستقبالهم. فأعدَّ يوسف مركبتهِ بنفسهِ، مثلما أعدَّ جدّه إبراهيمَ الحمار وأصعدَ إبنه إسحق ليُقدّمه للرب (22: 3)، وذهبَ لاستقبال أبيه كأبنٍ لا كحاكمٍ لمصرَ. وصلت القافلة إلى أرضِ جاسان، وصارَ اللقاء المُرتقب من دون بين الأب والأبن بعد عشرين سنّة لم يتوقّع فيها الأب والأبن اللقاء ثانيةً، لذا نجد أن اللقاء تضمّنََ الكثير من العناق والبكاءٌ الطويل. بُكاء الفرح على أن مَن كان ميتاً وُجداً حياً: الأب والأبن معاً. ويُمكن للأب أن يموتَ من دون أن يقلَق على مصيرِ يوسف الذي قُدّم له قميصهُ منذ عشرين سنة ولم يراه، لقد نالَ العزاء :"أطلق يا ربّ عبدكَ بسلامٍ" (لو 2: 29). لربما شعرَ أن أيامه معدودة، إلا أنه سيُمنَح سبعة عشرة سنة أخرى لينعمَ برؤية وجه يوسف مرّة أخرى (47: 28)، فيكون هناك سبعة عشرة سنة قبل اختفائه (37: 2) في أرضِ آبائه، وسبعة عشرة سنة أخرى في أرضِ مصرَ. ضيوفُ فرعون (46: 31- 34) عشرونَ سنة كانت كافية ليوسف ليتعرّف على ثقافة أهل مصرَ وحضارتهم، فعلّمَ إخوته ما يحبهُ المصريون وما يُبغضوه، وهو عارفٌ بما سيُسألونَ؟ وما الجوابُ على أسألتهم؟ وكيف لهم، ومع أنهم رُعاة، أن يدخلوا هذه الحضارة مُكرَمينَ؟ فمَهدَ لقاء العائلة مع فرعون مُعتنياً بالتفاصيل لاسيما ضمان البقاءِ في أرضِ جاسان، لذا، سيذكر أمام فرعونَ أن العائلة احترفت رعاية الماشية، وجلبت معها ماشيتها، وأرضُ جاسان هي المكان الأمثل لهم. فمع أنهم غيروا أرضَ سُكانهم، إلا أنهم لم يُغيّروا حرفتهم. لربما وضعَ يوسف في حساباتهِ رفضَ فرعون لفكرة أرضِ جاسان كونها تُمثل الحدود الشرقية لمصر، وإذا احتكرتها جماعةٌ ما، حتى وإن كانت عائلة يوسف الذي أظهرَ وسيُظهر محبةً وولاءً لمصرَ، إلا أن الحسابات العسكرية تفترض بعض الإجراءات الاحترازية، والتي تأخذ بعين النظر أن ساكنيها الجُدد هم رُعاة ولا يُشكلونَ خطراً كبيرً على الإمبراطورية. أضف إلى ذلك إنها كانت معروفة بأنها أفضل الأراضي، وفيها أراضٍ خصبة، لذا، سعى يوسف للتأكيد على أخوته على أهمية ذكر موضوعِ الرعاية ليبقوا عن بُعدٍ عن مصرَ. وطلبَ يوسف من الأخوة أن يكونون صريحين أمام فرعون، الصراحة التي هي أساس كل علاقة نُريد لها التواصل والديمومةِ. صراحةٌ غابت عن العائلة وغيّبت معها لحظاتٌ إنسانية كانَ لها أن تكون بركة للجميع، بل أحدثت شرخاً في علاقات العائلة الواحدة. لقاء فرعون بيعقوبَ (47: 1- 12) أخبرَ يوسف أن عائلتهُ وصلتَ مع غنمها وبقرها وكلُّ ما لهم، وهم الآن في أرضِ جاسانَ (1)، وأنتخبَ يوسف من بين العائلة خمسةُ رجال من العائلة ليُقدمهم أمامَ فرعونَ، ويتمكنّوا من تحقيق غرض اللقاء عبر لقاء مُؤثّر يتركُ انطباعاً جيّداً لدى فرعون، وهذا ما حصلَ فعلاً. وبالطبع الجميع يسأل: لماذا خمسة وليس أقل أو أكثر؟ ومَن هم الخمسة المختارين؟ بعضهم قال أن يوسف أختار أسوء خمسة رجالٍ كي لا يختارهم فرعون لجيشهِ أو حرسهِ أو يعملوا في قصره، وهكذا يحفظ لهم استقلاليتهم، وينمو شعباً مُتمايزاً لا يختلط بالشعوب الأخرى، فلا يفسَد بحضارتهم. ويرى آخرون أن العدد خمسة له وقعٌ خاصٌ جداً في آذانِ المُستمعينَ الجُدد الذين يعترفون بكتبِ التوراة الخمسةِ كلامُ الله وإرشادهُ. سألهم فرعونَ السؤال الذي خمّنه يوسف مُسبقاً، وبيّن الوفد أنهم حفظوا ما تلقّنوا من دروسٍ على يد أخيهم يوسف، وأضافوا أنهم يعدونَ أنفسهم نُزلاء في الأرض، يعني، جاؤوا يطلبون َالإقامة المؤقتة للبحث عن حياةٍ لأنفسهم ومراعٍ للماشيةِ. نلحظ أنهم لم يذكروا أنهم جاؤوا بناءً على دعوة يوسف، فجعلوا الأمرَ طلبَ استرحامٍ من فرعونَ مصر، هم يطلبون ولا يفرضونَ واقعاً على فرعون. قبلَ فرعونَ بما جاء في الحوار، وأمرَ يوسف بأن يختار أفضلَ أراضي مصرَ، وأزادَ في الحوار طلباً رسمياً برعاية ماشيته الخاصّة من قبل رجال منتخبينَ عائلة يوسف، إن كانوا قادرينَ على ذلك (5)، لاسيما وأنه أختبرَ خيراً على يد يوسف ويرغبُ بالمزيد، مثلما فعلَ لابان مع يعقوب أبيهم سابقاً. ثم أوقفَ يوسف أبيه يعقوبَ بين يدي فرعونَ، ولم يُقدمّه مع إخوته ليتجنبَّ أن يكون اللقاء الأول مع فرعون يتضمّن طلبَ البقاء في الأرض، وهكذا آمّنَ لقاءً كريماً بين أبيه وبين فرعون، بل أن فرعونُ نالَ بركة يعقوبَ، ثم عادَ يعقوب وباركهُ مرةّ أخرى في خاتمة اللقاء، وهو ما لم يفعلهُ أخوة يوسف. بالطبع لنا أن نتذّكر هنا كيف أن المجاعة قادت إبراهيم إلى مصرَ فكذبَ على فرعون ليُخلّص نفسه، كذبةٌ سُرعان ما أُكتشفت (تك 12: 10- 20)، وعجّلَ فرعون مغادرة إبراهيم ليتخلّص من اللعنة التي أصابت بيتهُ، وغادرها إبراهيمُ حيّاً، في حينَ أن يعقوب نَزلَ في ذات الظروف، المجاعة، ولكنّه قرر هذه المرة أن يُبارك فرعونَ عوضَ أن يخدعهُ ويخلّص نفسه والعائلة معاً، وهكذا نرى أن فرعون يُصرُ على بقاء يعقوب في أجود أراضي مصرَ، إلا ان يعقوبَ سيُغادرها ميتاً. هكذا حقق يعقوب غاية اختيارهِ واختيار آبائهِ من قبل الله: أن يكون سبب بركةِ الآخرين: "بكَ تتباركُ شعوبُ الأرض" (تك 12- 50). يعقوب الذي كان يوماً باحثا وقابلاً للبركة، هوذا صارَ اليومَ مُعطياً للبركة. بركة يعرف معناها ومضمونها، وهو يُدرك الآن أنها لن تُعاش بيُسرٍ، بل بأيامٍ صعبةٍ، فأن تقبل اختيار الله وبركته لا يعني زوالَ الألمِ، بل احتمال سنواتٍ مريرة، وأشدّها كانت اختطافَ يوسف المُفاجئ، وأن يموتَ من دون أن يتعزى ولو بدفنِ محبوبهِ. عباراتٍ من إنسان عَرف أن معنى الحياة لا يتحدد بإنجازٍ أو بمُمتلكاتٍ، هو الذي صارعَ الجميعَ ليحصلَ على ما يشاء، فلا يطلب في خاتمة حياتهِ إلا أن قطعة صغيرة في الأرضِ ليُدفنَ فيها مع آبائهِ (47: 30). لم يسأل فرعون يعقوبَ عن مهنته، لأنه يعرف أن المهنة تنتقلُ من الآباء إلى الأبناء، بل سألهُ عن عمره وهو سؤال متوقّع أمام شخصٍ بعمر يعقوب. والملاحظ أن يعقوب أبدلّ كلمة "عمري" إلى عبارة: "أيامُ غُربتي"، أي "أيام رحلتي"، فالحياة بالنسبة إلى يعقوب هي رحلة، رحلة 130 سنة، وهي أقل من رحلة أبيه إسحق (180 سنة) وجدّه إبراهيم (175) على الرغم ن أنه سيُعطى له سبعة عشرة سنة أخرى لينعمَ بها برؤية أبنائه وأحفاده، فيكون له 147 سنة. ولكن الأهم ليس أن يعيشَ طويلاً، بل كيفَ عاش هذه الرحلة: "قليلةٌ وسيّئة كانت أيامُ حياتي". نحن نعرف الآن أنها كانت أياماً صعبة منذ الصراع في بطن أمه مع أخيه التؤم عيسو، ثم الصراع لنيل الباكورية والبركة، وغربتهُ في بيت خالهِ لابان، ثم اختفاء يوسف المُفاجئ، وجاءت مجاعة كنعان لتُزيد الأمرَ سوءً. جوابٌ لم يتوقّعه فرعون، وكأن يعقوبَ أنهى الحوار بالمُختصر المفيد للجميع، وحبذا لو وصلت الرسالة. نالَ فرعون كل شيء: البركة وسبقها تدبير الله الذي حماه وحمى كلّها من خلال يوسف وحكمتهِ، ونالتَ عائلة يعقوبَ حماية مُحصنة في مصر من أعلى السُلطاتِ فيها، وفي أجود أراضيها: أرض رَعمسيس، ورعاية خاصّة من أخيهم يوسف الذي وفّر لهم كل حاجتهم من الطعامِ. أحرارٌ وعبيد ( 47: 13- 26) نزلَت عائلة يعقوب في أرضِ مصر وحصلت ما لم تُفكّر فيه يوماً وجُعلت أمةً حُرة بعدما استعبدتها المجاعةُ، فيما أستُعبِدَ المصريون الأحرار في أرضهم. آمنَّ يوسف مُستقبلاً واعداً لعائلته وسط ظروف قاسية تواجه الأرض والمصريين. بعد زمنٍ أهتمَّ فيه يوسف بشؤون العائلة، التفتَ إلى شؤون مصر الداخلية مرّة أخرى، ولاسيما أن المجاعة ما زالت تفتك بحياة شعبها. نفذت فضّة المصريين وأستبدلَ يوسف كل ماشية المصريين بالطعام. لم يكن بمقدور المصريين ذبح الماشية، لأن الأبقار كانت تُعد أحد الآلهة التي تُعبَد، ولم يكن بمقدورهم إطعامها، لذا، طلبها يوسف مقابل الخبز، فلا يموت الناس ولا تموت الماشية أيضاً. ثم طلب منهم الأراضي التي لم يكن بمقدورهم زراعتها أيضاً وحوّل كلَّ ذلك لصالحِ فرعون مصر. أخيراً أشترى كل المصريين ليكونوا فرعون مالكاً لكلِّ شيءٍ في مصر، ووزعهم على كلِّ أراضي مصر ليحرثوها ويزرعوها وجعلَ قانوناً الخُمسَ فرضاً على المصريين ما خلا أراضي الكهنة. أعادَ يوسف بناء نظام اقتصادي يعود بالنفع إلى السلطة الحاكمة، وهو لم يأخذ من الشعب ليُطلقهم فارغين، بل أعطاهم الخبزَ (حاجاتهم المُباشرة) مقابل الفضة، ثم عادَ وأعطاهم خبزاً (حاجاتهم المباشرة) مقابل الماشية، وأخيراً أعطاهم بذاراً ليزرعوها مقابل أراضيهم وشغلهم في الأرضِ لصالحِ فرعون. فأمّن لهم حاضرهم ومُستقبلهم أيضاً، فيحتفظوا هكذا بـ 80% من الحصاد لهم، ويُعطوا 20% منه لفرعون لأن ألأرضَ له، لذا، صرخوا: "أنقذتَ حياتنا، ليتنا نحظى برضاكَ يا سيّدي" (47: 25). بسبب يوسف إذن، نالَ المصريون الحياة، ونالَ فرعون العزّة والجاه والأرضَ. فرعون الذي يُفترَض أن يكون الواهبَ والمُعطي، صارَ هو مَن يُوهَب ويُعطى ويقبل، والواهبُ هو يوسف، يوسف الذي أعطى أرضَ جاسانَ لأخوتهِ، وأرضَ مصرَ كلّها إلى فرعون. وصيّة يعقوب (47: 27 – 31) استقرّت العائلة في أرضِ مصر، ونمت وتكاثرت مثلما كان وعدُ الله إلى يعقوب قبل أن ينزلَ إلى مصرَ: "أنا الله إلهُ أبيكَ. لا تخف أن تنزلَ إلى مصرََ، فسأجعلُكَ أُمةً عظيمةً هُناكَ" 046: 3). بركةٌ لا تتحدد بمكانٍ جغرافي؛ أرضُ كنعان، ولن يحدّها ظروف حياتية؛ المجاعة، فالله يُبارك شعبهُ متجاوزاً الزمان والمكان. ولكنّ هذا الاستقرار والنمو سيُشكّل تحدياً كبيراً أمام العائلة إزاء وعدِ الله، فالأب يعقوب عبّر عن حياتهِ بكلمة: أيامُ غُربتي" لأن الحياة عنده رحلةٌ ليس إلا، هنا يأتي الاستقرار ليزرعَ في نفوس العائلة اطمئناناً من أنهم ليسوا بحاجةِ إلى وعدِ الله، فالأمور تحسّنت ولهم مُلكٌ وأملاكٌ وعلاقاتٌ متينةٌ مع ذوو السُلطة؛ يوسف، فليسوا رُحل بعدُ في الحياة، بل مُستقرّونَ آمنون في الأرضِ. عاشَ يعقوب سبعة عشر سنة في مصر، وحظي برؤية إبنهِ المحبوب يوسف ونمّو عائلته وكثرتهم، وبقيّض لها أمُنيةٌ واحدة في الحياة: "أن لا يُدفنَ في مصرَ، بل في مقبرة آبائهِ"، فطلب هذه الأمنية من إبنه يوسف الذي أظهر ولاءً إستثنائياً وأمانةِ للعائلة. جرت العادة أن يطلبَ الأب من إبنه البكر تنفيذ هذه الوصية، وأن يكون الأبن البكر مَن يُغمِضَ عيني والده عند مماته. هنا، لم يطلب يعقوب أمنيتهُ من رأوبين البكر، بل من يوسف الأبن المحبوب، والذي رأى فيه يعقوب أن الله حقق وعدهُ للعائلة من خلال يوسف، أضف إلى ذلك، أن الله وعدَ يعقوبَ بأن يوسف هو الذي سيُغمِض عينيكَ ساعة الموت (46: 4). من الواضح جدّاً أن يعقوب لا يُمكنهِ إجبارَ يوسف على إتمامِ هذه الوصية، وسيكون ميّتاً حينها، ولكنه يُؤمن أن يوسف أمينٌ ومحلُ ثقةٍ. عرِفَ يعقوب أن لا استقرارَ للعائلة في مصر، لأن مصر بالنسبة لهم هي الفُلك (السفينة) التي أنقذت نوحَ والعائلة من كارثةٍ بيئية، مكانٌ مؤقتٌ ليس إلاّ. طلبَ يعقوب من يوسف إبنه أن يُقسِمَ (يحلف) في أنه سيُتمِمَ هذا الوعدَ، وهو ذات الطلب الذي أراد أن يسمعهً من أخيه عيسو قبل سنين طويلة (25: 23). ولكن هناك فرقٌ شاسعٌ ما بينَ هذا الحلفان وذاك. فالأول كان محفوفاً بالخداع والكذب، أما الثاني فهو صريح ومتواضعٌ. أمتازَ الأول بالانتهازية أما الثاني فتغيّر ليكون تضرعاً وتسولاً. في الأول كان مهموماً من جرّاء جشعهِ، أما هنا فهو مُرتاح مُطمئنٌ بعد رحلة حياة قاسية. غريبٌ الإنسان في اختياراته ِوحياتهِ، فلم يتعلّم من تاريخه الطويل شيءٌ. هوذا يعقوب أبونا في الإيمان، وبعد صراع طويل مع الحياة، أرادَ فيها امتلاكَ البركة ومعها كلَّ شيء، لا يُريد سوى أن يُدفَنَ في قبرٍ صغير لينضمَّ إلى آبائه. فمتى نتعلّم أن الحياة ما هي إلا لحظات تُعطى لنا، فإمّا أن نستثمرها أو ندفنها!
قراءة 13538 مرات آخر تعديل على %AM, %30 %050 %2015 %03:%تشرين2

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *