ندوة الكتاب المقدس
%AM, %13 %309 %2011 %09:%حزيران

اللقاء التاسع عشر

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
اللقاء التاسع عشر ألتمَسَ يهوذا من يوسف الحاكم أن يبقى هو في مصرَ بدلاً عن بنيامينَ ليعود الأخير إلى بيت الأب في كنعان وينعمَ أبيه يعقوب بشيبةٍ وميتة صالحة. ألتماسٌ مَسَّ يوسف في العمق فلم يقوى على
اللقاء التاسع عشر ألتمَسَ يهوذا من يوسف الحاكم أن يبقى هو في مصرَ بدلاً عن بنيامينَ ليعود الأخير إلى بيت الأب في كنعان وينعمَ أبيه يعقوب بشيبةٍ وميتة صالحة. ألتماسٌ مَسَّ يوسف في العمق فلم يقوى على تمالُكِ أعصابه كما فعل في اللقاءات السابقة (43: 31)، بل أنفجرَ بالبكاء كاشفاً هويتهُ الحقيقية: "إنه يوسف الأخ". في علاقة كعلاقة يوسف بإخوته، يتوقع القارئ والمُستمِع أن يوسف سيُقدِم على قرارٍ يُصفي فيه حساباتٍ قديمة، ليكون عادلاً تجاه إخوته وتجاه نفسه. ولكنَّ العكس هو الذي حصلَ، فبكى يوسف مُظهراً ضعفاً غير مسبوقٍ، وألتمَس قُربَ إخوته عوض غضبٍ مُنتقم، وتخلى عن الامتيازات الملوكية لصالحِ علاقة الأخوة؛ صرخَ يوسُفُ وبكى، وكشفَ هويته إلى إخوتهِ، كشفٌ أثارَ دهشة الأخوة مصحوبةٌ بتساؤلاتٍ كثيرة سُرعانَ ما أخمدها يوسف بقوله: "لا تأسفوا ولا تستاؤوا لأنّكم بعتموني إلى هنا، لأن الله أرسلني أمامك لأحفظَ حياتكم" (45: 5). من الواضح أن اهتمام الله ينصبُ على حفظِ حياة كريمة للإنسان، قصدٌ يحتضنُ جميعَ الأرض، بضمنها الشعوب التي لم تتعرف عليه، ولم تُقر بعدُ بسيادته، ولكن مواقف الإنسان هذه لا تمنع الله من أو يُواصلَ حضوره المُنعِم. الكشفُ الحاسم (45: 1- 8) كشفَ يوسف هويته لأسرته أولاً لا إلى مصر، فطلبَ من المتواجدينَ في حضرته أن يتركوه في خلوةٍ مع إخوته، لأنه يُريد تعريف نفسه إلى إخوته فلا مجالَ لأن يضبطَ نفسه ويحبسَ مشاعره، فبكى هذه المرّة علناً بعد أن بكى في المرتين السابقتين سراً (42: 24 و43: 30). لم يُشاهد المصريون وبيت فرعونَ يوسف يبكي، ولكنهم سمعوا بُكائه إشارة إلى أن بيتَ يوسف كان مُلاصقاً لبيت ِفرعونَ. كانَ الكشفُ: "أنا يوسف. أحيُّ أبي بعد"، هو حيٌّ فكل الأبناء أحياءٌ إذن. كشفَ عن هويته ولم ينتظر جواب الأخوة، بل أسرعَ ليسألَ عن حالةِ أبيه الذي سبقَ وأستفسرَ من الأخوة عن سلامته (43: 27)، ولكنه الآن يُريد التأكد من صحة جواب الأخوة. "الميت حيٌّ! يوسف حيٌّ بعدُ، وهو مُتسلّطٌ على جميعِ أرضِ مصرَ" (45: 26)، كشفٌ إنجيلي صريحٌ (لوقا 24: 23). كشفٌ قلبَ أوضاع الأسرة وغيّر حياتها كُلياً نحو واقعٍ ومُغامرة جديدة. واقعٌ جاء نعمةً وهبة من الآخر: يوسف والله. هبةٌ كسرت حلقة المؤامرة التي دبّرها الأخوة، فأقدموا على إلغائه عن الوجود. فعلُ الأخوة ومواقفهم التي أوصلتَ العلاقات إلى حالةٍ من الفوضى والعبثية، عبيثة وفوضى لم تقوى على الرابط العائلي والأخوّة التي ربطت يوسف بإخوته، فعرّفَ نفسه من خلال الاسم العائلي: يوسف، وليس أسم البلاط المصري: "صفناتَ فعنيحَ"، فيوسُف يبقى هدية الله للعائلة (30: 22- 24). أخوّةٌ لا يُمكن للخطيئة أن تغلِبَ عليها: "أنا يوسف ... أنا يوُسف أخوكم"، فلم يعتمد يوسف على مكانته كحاكمٍ لمصرَ، بل كأخٍ وأبنُ عائلةٍ ومُرتبطٌ بعهدٍ معهم لا ينفصِم. جمَدَ الأخوة أمام هذا الكشفُ الصريح، فكانوا مندهشينَ خائفين، خوف ودهشة الكنيسة الأولى لسماعها بُشرى قيامة يسوع: "فخرجنَّ من القبرِ هارباتٍ من شدّة الحيرة والفزعِ. وما أخبرنَ أحداً بشيءٍ لأنهنَّ كُنَّ خائفاتٍ" (مرقس 16: 8). خافَ الأخوة من أن يوسف سيستغلُ الفرصة ليُعيدَ ترتيبَ الأوضاع ويُصفي الحسابات الماضية، ولكنَّ تبيّن أن السنينَ حررت يوسف من الماضي الغير الإنساني والمُهين، ليكونَ حُراً لحاضره، وفتح حياته أمام مُستقبلٍ أفضل له ولعائلتهِ التي انتهكَت إنسانيّته: "فأرسلني الله أمامكم ليُبقي لكُم نسلاً في الأرضِ ويُنجي الأحياء منكم" (45: 9)، بل دعوهم لأن يضعوا الماضي التعيسَ خلفهم، لأنه ليس محبوساً بخطيئته، بل مُحرراً لفعلِ الله المُنقِذ. أن تعيشَ مغفوراً لك وبمجّانية واقعٌ صعبٌ للغاية أيضاً. لقد عانى يوسف من سلوك الأخوة البربري ومن تعاسة الظروف، ولكنّه، وبعد تأملٍ عميق يرى في كل هذه الأحداث يد الله الخفيّة. لذا، طلبَ منهم الاقتراب منه أكثر فيكسروا حاجز اللقاء الرسمي: السيد والعبيد الذي سادَ على كل اللقاءات، مُذكراً إياهم بحدثٍ تاريخي يعرفونه حقَّ المعرفةِ: "البيع لمصر" (45: 4) من دون أن يلومهم أو يُشعرَهُم بالذنب، أو أن يسألهم الاعترافَ بالخطيئة والاعتذار عنها، يكفيهم دهشة ورُعبِ المُفاجأة، بل هدّأ من هول الحدث، فدعاهم إلى قراءة الماضي من خلال الحاضر: الجميعُ أحياء، وهو ما لا يحصّل عادة في التعامل مع مشاكلنا، والحاضر يُعلن أن ما حصلَ في خاتمة القصّة يتجاوب مع قصدِّ الله وتدبيره. نلحظ في حديث يوسف أنه مُهتمٌ لا بإنجازاته ولا بمكانته أو بمشاعره، بل هو مُهتمٌ كُلياً بالله وبالحديث عنه لا عن نفسهِ، لأن الله يبقى سيّد التاريخ، ويأخذ مُبادراتٍ الإنسان، وحتى نقائصهِ ليؤتي منها حياةً للإنسان، من دونِ أن ينتظر حتى توبة الإنسان أو ندامتهِ. تدبير الله وحريّة الإنسان منذ أن حلم يوسف والمؤمنُ يتسأل: كيف سيُحقق الله هذا التدبير؟ وهل يُعقَل أن الله يأمرُ بفعلِ الشر ليأتي منه خيراً؟ ألا يُضاد تدبير الله حُرية الإنسان؟ أولا يُشجع مفهوم "تدبير الله" على الكسل، ليجلسَ الإنسان منتظراً فعلَ الله الحاسم؟ أكدَّت قصة يوسف حتّى الآن أن الحلمَ لم يكن مبعثاً للكسل أو الخمول من جانب يوسف، بل سعيٌ واجتهدَ وجاهدَ ليُحافظَ على الأمانة في ظل ظروفٍ قاهرة، بل أن الحلم دفعهُ للعمل والإنتاج، حتى وصلَ إلى أن يُؤكّدَ لأخوته أن الله يُريد الحياة لهم: "أرسلني لأحفظ حياتكم ... فأرسلني الله أمامكم ليُبقي لكم نسلاً في الأرض ويُنجي الأحياء منكم"، رغبةٌ لن يُوقفها فعلُ الإنسان على الرغم من كثرة العراقيل والصعوبات التي لربّما يضعها الإنسان في الطريق. إلهنا حُرٌ وهو عازمٌ على تحقيق إرادته من دونَ ان يتنكّر لحرية الإنسان أو يتجاوزها أو يُلغيها، على العكس تماماً: ساحة حُرية الإنسان هي المجالُ الوحيد لعمل الله، لأن إلهنا يحترمُ الإنسان، ويعترفُ بواقعه المُستقِل، ولا يلعب دور الطاغيةِ تجاه الإنسان، بل يُحبه على الرغم من اعتراضاتِ الإنسان، التي تُثيرُ غضبَ الله أحياناً، إلا أن محبته تتغلب على غضبهِ دوماً، فهو ليس إنسان، بل هو الله وسيادته مَهيبة ولكنها ليست فانية لحرية الإنسان. تدبير الله لا يُلغي حُرية الإنسان، وحُرية الإنسان لا تُحدد عمل الله، بل أن الله يعمل ضمن ومن خلال عملِ الإنسان، ليؤُولَ كل شيءٍ لخير الإنسان وخلاصهِ: "فكلُّ شيءٍ منهُ وبهِ وإليهِ فلهُ المُجدُ إلى الأبد. آمين" (روم11: 36). فالقصة تعترف أن لفعلِ الإنسان تأثيرٌ واضحٌ على حياة الآخر، إلا أن الحسمَ ليس لصالحهِ، فالله قادرٌ على أن يستلِمَ زمامَ الأمور متى ما سمَحَ له الإنسانٌ بذل. وإن حصلَ وتأخر التدبير إلا أنه لن يزولَ أو يفنى، لأن َتدبير الله سيسودُ في طاعة الإنسان، ويستفيد الله حتى من الجوانبِ المُظلمةِ في حياة الإنسان وقراراته ومواقفهِ، استفادة تفتح أُفقاً جديدة أمام الإنسان مُفعمةٌ بالغفران لينعمَ الإنسان بالحياةِ هبةً ونعمةً؛ فرصةٌ جديدة في زمن الإمكانيات الإنسانية المُستحيلةِ. فلا يتغيّر قصدُ الله وتدبيره بتغير الإنسان، فقصدُ الله حياةُ الإنسان، بل الأوفر (يو 10: 10). دعوة للعائلة للنزولِ إلى مصرَ (45: 9- 28) تصرّفَ يوسف كأب وراعٍ للعائلة التي كادت تفنى بسبب المجاعة. للعائلة الآن مُعيلٌ إنساني عظيمٌ، مع أن الجميع يعرف أن المعُيل الحقيقي أخفا هويته عن الجميع. كلّفَ إخوته بأن يحملوا رسالة عنه تختلف عن تلك التي حملها الأخوة في السابق (37: 32)، فهو ليس ميتاً ضحية وحشٍ، بل حيٌّ يُرزَق نتيجة رحمة الله ورعايته، مُظهراً اهتماماً واضحاً بسعادة والده، عكسَ ما فعلهُ إخوته؛ والأهم من ذلك: أن الله فعلَ فعلهُ، وأن على العائلة النزولَ إلى مصرَ لينجوا من خطرِ المجاعةِ، ويكونوا تحت رعاية يوسف. أقترحَ يوسف أن يكونَ الاستقرارُ في أرضِ جاسان (أسم أرضٍ غير معروفةٍ حتى الآن، يُقال أنها شرقي البلاد)، مُشيراً إلى أن علاقته بأبيه: "فاسرعوا وأصعدوا إلى أبي" (9)، هي أقربُ إليه من علاقته بإخوته الذين يُعرفهم بأنهم : أبناء يعقوب ولا يقول: إخوتي: "وتكون قريباً مني أنتَ وبنوكَ وبنو بَنيكَ" (10). ويبدأ العناق بين الأخوة وحديثٌ طويلٌ حول السنوات العشرين التي مضت، ويُفتَرض أنهم تحدّثوا بودية معه هذه المرة (37: 4). حظيت أوامرَ يوسف بإقرارٍ إمبراطوري فصادقَ فرعون على دعوةِ يوسف وأكّدَها بدعوة أخرى أكثرُ سخاءً وكرماً مُعبراً عن سروره بما سمعه من أخبار عن عائلةِ يوسف، ليُكرموا الرجلَ الذي انقذَ مصرَ والأرضَ من كارثةٍ مرعبةٍ. لذا، وسّعَ فرعونُ الدعوة ليشملَ كل العائلة بعد أن كانت مُقتصرة على الرجال فحسب، ولم يُحدد فرعون مكاناً خاصاً لهم، بل أجود ما في مصر سيكون تحت تصرّفهم. وليُسهلَّ عليهم طريق العودة أعطاهم مركباتٍ فلا يُضطَر يعقوب العجوز أو الأطفال للسيرِ هذه المسافات الطويلة. لقدَ صارَ مَن كانوا بعيدينَ عن مائدة المصريين قريبينَ جداً، وانقلبت الصورة ليتحقق الوعد الإنجيلي: طوبى للجياع فإنهم يُشبعونَ (لو 6: 21)، فلا يُهمّكم لحياتكم ما تأكلون وما تشربون، ولا لأجسادكم ما تلبسون ... (متى 6: 25)؛ والأهم في كل هذا: أنهم نالوا هبةٌ من الله، وما هبةٌ فرعون إلا تأكيدٌ على هذه الحقيقة. حمّل بنو يعقوب الكثير من خيراتِ مصر في رحلة العودة إلى أرضِ كنعان، وكانت حصة بنيامينَ أبيه مُميزة من دون أن تُثيرَ مشاعرِ الحسد لدى الأخوة، وألبسَ أخوته ثياباً إكراماً لهم، بعدما أنزعوه ثيابهِ إهانةٍ (37: 23) مُعبراً عن صفحهِ لإخوته قولاً (45: 5) وفعلاً (45: 21). ليكونَ إلباسُ الآخر وإطعامهُ علامةَ المُصالحةِ بينهم، مؤكداً على حُسنِ التعامل فيما بينهم: "لا تُبطئوا في الطريق" (24)، فصراعاتُ الإنسان مع أخيه الإنسان تجعلُ الحياة مريرة وتُبطئ نموّها دوماً. وصلَ أبناء عند أبيهم وأخبروه بالأخبار السارة، فلم يُصدقهم، مع أنه صدّقهم عندما أتوه بالخبر المُحزِن (37: 33)، وبعد حديثٍ طويلٍ معه، ورؤيته للمركبات وما حملت انتعشت روحه، فتمنى أن يراه حياً قبلَ أن يموت. يوسف حيٌّ بتدبير الله ورعايته، رعايةٌ وتدبير تقلبُ حزنَ الشيخ يعقوب وغمّه إلى فرحٍ غامرٍ. هكذا قرر النزولَ إلى مصرَ ليختبرَ فرحة الأخبار السارة التي صارت له، فيتركَ الماضي خلفهُ لتنتعشَ روحهُ بالغفران ِالموهوب نعمةً ورحمةً من الله. رحلةٌ شبيهةُ برحلة الرعاة الذين صارَت لهم البُشرى من أن المسيح وُلد: "تعالوا نذهب إلى بيتَ لحم لنرى هذا الحدث الذي أخبرنا به الربِّ" (لو 2: 15)، حدثٌ يحمل لا الخبزَ فحسب، بل حياةٌ وخلاصٌ للعالم أجمع. سلوكيات أنانية أنزعجَ الأخوة من أحلام يوسف والتي فسّروها على أنها طموحاتٍ شخصٍ مُتغطرس مُتعالٍ، وهي نتيجة حتمية لحب الأب المُفضِّل، فأرادوا وضعَ حدٍّ لهذه العجرفة، وإنقاذ العائلة من استبدادٍ ملحوظ، ولربّما حسبوا أنهم يفعلونَ خيراً، فقاموا بفعلٍ ثوري فيه من البربرية والأنانية ما يجعلهُ فعلاً مقيتاً، إذ كيف لك أن تهنأ وتأكل وتشرب فيما يقبع أخيكَ في جوف البئر مُعذباً (37: 24)؟ ولكن لا عودةَ إلى الوراء، بل مواصلةُ العيشَ وكأن القوّة والعنف هي الحل الأمثل، يُصحبها بالتأكيد تشويه وإخفاء للحقائق لأن العقلَ تعطّلَ تماماً، وصارَ الحسمُ العنف حلاَّ لكلِّ أزمة، ويُطالب الجميع بعدم النظر إلى الوراء المجروح، بل التراكض نحو المجهول رافضينَ الأخوّة، ومحولينَ الأرضَ إلى جهنمٍ الكذبِ والخداع والإجرام: "كشفَ الله جرمنا" (44: 16). أعتقد الأخوة أنهم وحدهم مسؤولون عن كلِّ شيء غير واثقينَ بالحياة، بل عليهم أن يُرتبوا تفاصيلَها بأنفسه؛ وهو اعتقادٌ باطلٌ سُرعان ما أنكشفَ زيفهُ، لأنهم مثل كل الناس، مثلنا موجودون بسبب حُبِّ الله. نحن موجودون لا بسبب تدبيرنا أو تخطيطنا أو إنجازاتنا أو اختياراتنا، بل لأن الله وثقَ بنا وذكرنا، فكلُ أبنٍ وُلِدَ ليعقوبَ كان له قصّة (تك 29: 31 – 30: 24)، ولكلِّ واحدٍ منّا قصة. نحن مولدون بسبب محبّة الله الأصلية وهي مُنطلقنا في الحياة وفي كلِّ علاقة، وهو ما تناساه الأخوة فقرروا حياتهم بعيداً عن الله، ولكنهم انهاروا أمام نهاياتٍ مُغلقة تماماً لأنهم أفلسوا تماماً، وهكذا يبدأ الشعور بالذنب يجلد حياتهم، مُطالباً بالعدالة لمَن لم يُرحَم في هذا الطريق. ما يصنعهُ الإنسان يتبعهُ دوماً، وإذا ما أجرمَ بحقِ الآخرين، فيبقى شبحُ هذا الجرمِ يُطارده عبر مشاعر مريرة تحبسهُ وتمنعه من البدء من جديد، وتبقيهِ مُكبلاً ومخنوقاً لا يستطيع الإفلات من الجريمةِ. فيحاول عدّة طرق: أن ينسى، فيدفَع بالحدث إلى مخزنِ الذكريات العتيقة، وينشغل بمُتطلّبات الحياة، ويتسلى بالواجبات كي ينسى، وكأن النسيان طريقٌ للغفران. والحقيقة أن النسيان هو إيقافٌ مؤقتٌ للتأنيبِ ليس إلا، وسيعاود الضمير لدغاتهِ المُوجعة. بعضهم لا ينسى بل يحاول طريقاً آخر: الآخر هو السبب فيكون كبش الفداء عن كثيرين، أو العمل مثل راؤبين: يعتذر باتهام الآخر: لست أنا بل هم مَن أجرموا، أنا قُلتُ لكم ... (42: 22) وهو حلٌّ استخدمهُ آدم: لست أنا بل حواء، وحواء تقول لستُ أنا بل الحيّة (تك 3) وهكذا يحاول الجميع التنصلِ من المسؤولية. واليوم هناك توجهٌ نحو العلوم النفسية للبحث فيها عن مُبرراتٍ لعدم ألتزامنا المسؤولية كما يجب. وفي كل هذه المحاولات لا تُحترِم حُرية الإنسان ولا قدرته على تحمّل المسؤولية، فتخلق فينا خوفاً مُرعباً من أننا ميتونَ من دونِ ذكرٍ إنساني لا محالةَ. نعمةُ الغفران مضت عشرون سنة على جريمة الأخوة، وحاولوا شتى الطُرق تناسي ما حصلَ، ولكنهم وصلوا إلى ضرورة أتخاذ قرارات أخطرَ من ذي قبل: عليهم قبولَ عبودية يهوذا، وصمتٌ مُخيفٌ أمام الشيخ يعقوب حول ما حصل، وتأنيبٌ مُقلقٌ للضمير، فمَن ذا الذي يُحررهم من هذه الذنوب؟ وحده الغفران يُمكن له أن يُحرر الأخوة رُعبِ الماضي وخطورة الحاضر لا بنسيان الماضي بل باستذكاره بكل صراحةٍ ووضوحٍ: "أنا يوسف أخوكم الذي بعتموه إلى مصر" (45: 4)، واعترافٌ بكاملِ المسؤوليةِ عن الذي حصلَ، من دون دفعهِ إلى المخازن البعيدة، أو الانجماد فيه. فيُطهَر ماضيهم، عندها تصحُ العبارة: غفران ثم نسيان، وليس العكس. وهكذا ألتقطَ الأخوة ماضيهم، وحملوه فرحينَ بأنه ماضٍ مغفورٍ لهم، وتوجهوا نحو المُستقبل مُسرعينَ: "يُوسفٌ حيٌّ بعدٌ" (45: 26). غفرانٌ يجد أساسهُ في رحمة الله وحنانه: "الله القدير يجعلُ الرجل يرحمكم" (43: 13). رحمةٌ تتضمن الدينونة: "أذهبي ولا تُخطئي بعدَ الآن" (يو 8: 11)، وتأخذ أفعال الإنسان محملَ الجد لأنه مسؤول ووكيلٌ الله على الأرض، وهو مدعوٌ للمحاسبة لأنه مسؤول. وتفترض الرحمة أن يعترف الإنسان بهذه المسؤولية ويُقرَّ بها وبإرادته السيئة، لتتحقق عدالة الله الرحومة، ويُثبّتَ كرامة الإنسان الشريك، فلا تُسمّرَ الإنسان في لحظةٍ من الزمنِ، بل تُعطيهِ فرصةً جديدة. لننتبه إن عدالة الله تحصل عندما يتوبُ الإنسان ويرجع إليه، لأن الله يُريد توبة الإنسان وخلاصهِ لا هلاكهِ. الإنسان الذي يأسف وينم على فعلٍ لا يُمكن له أن يمحوه أو أن يعوضّه بأي شكلٍ من الأشكالِ. الإنسان الذي يتواضعَ أمام الله جالباً العدالة المُخلّصَة بالرحمةِ، لأنه لا يوجد رحمةٌ رخيصة.
قراءة 8632 مرات آخر تعديل على %AM, %30 %050 %2015 %03:%تشرين2

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *